الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الصبر فضله وأنواعه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 678
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: الصبر فضله وأنواعه   السبت مارس 12, 2011 7:05 pm

الصبر فضله وأنواعه
{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ }(151){ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ }(152){ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }(153){ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ }(154) {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (155){ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (156).
تعريف الصبر: الصبر لغة : هو المنع والحبس ، وشرعاً فهو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكى، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحوهما . وقيل : هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل ، وهو قوة من قوى النفس التى بها صلاح شأنها وقوام أمرها .
سئل عنه الجنيد فقال : " تجرع المرارة من غير تعبس " .
وقال ذو النون المصرى: " هو التباعد عن المخالفات ، والسكون عند تجرع غُصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة ".
وقيل : " الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب " .
وقيل : " هو الغنى فى البلوى بلا ظهور شكوى " .
ورأى أحد الصالحين رجلاً يشتكى إلى أخيه فقال له : ياهذا ، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك .
وقيل فى ذلك :إذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكى الرحيم إلى الذى لايرحمُ
والشكوى نوعان: شكوى إلى الله عز وجل وهذه لا تنافى الصبر ، كقول يعقوب ( : ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ ( (يوسف : من الآية 86) مع قوله : : ( فَصَبْرٌجَمِيلٌ ( (يوسف : من الآية 83)
والنوع الثانى : شكوى المبتلى بلسان الحال أوالمقال، فهذه لاتجامع الصبر بل تضاده وتبطله .
الصبر على جهات مختلفة:
فما كان على فعل الله تعالى فهو بالتسليم والرضا، وما كان من فعل العدو فهو بالصبر على جهادهم، والثبات على دين الله تعالى لما يصبهم من ذلك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ، فَقَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّي ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ ، قَالَ : فَقَيْلَ لَهَا : إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوتِ ، قَالَ : فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَعْرِفْكَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى هَذَا ))حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ .
عن جابر بن عبد الله قال : قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصبر و السماحة )) شعب الإيمان
والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر على معصية الله، وصبر على امتحان الله، فالأول صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث صبر على ما لا كسب للعبد فيه، وصبر الاختيار أكمل من صبر الاضطرار، وتمام الصبر أن يكون كما قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}24) " [ الرعد ] .
وأقواه أن يكون بالله معتمدًا فيه عليه لا على نفسه ولا على غيره من الخلق.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً» أخرجه أحمد ، ومسلم ، والترمذى وقال : حسن صحيح . وابن حبان وأخرجه أيضًا : البزار ، وأبو يعلى.
قال بعض العلماء رأيت من البلاء العجاب أن المؤمن يدعو الله فيكرر الدعاء وتطول المدة ولا يرى أثرا للإجابة فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر, وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب ,ولقد عرض لي من هذا الجنس فإنه نزلت بي نازلة فدعوت وبالغت فلم أر الإجابة, فأخذ إبليس اللعين يجول في كيده فتارة يقول الكرم واسع والبخل معدوم فما فائدة تأخير الجواب؟ فقلت اخسأ يا لعين, ثم عدت إلى نفسي فقلت إياكِ ومساكنةَ وسوستِهِ, فإنَّه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو لكفى في الحكمة ,وقد ثبتت حكمتُهُ جلَّ وعلا بالأدلةِ القاطعة, فربما رأيت الشيءَ مصلحةً والحق أن الحكمةَ لا تقتضيه ,وقد يكون التأخير مصلحةً والاستعجالُ مضرةً ,وقدأخرج البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَSadيُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي).
وقد يكون امتناع الإجابة لآفةٍ فيك فربما يكون في مأكولِكَ شبهةٌ أو قلبُكَ وقتَ دعائِك غافلٌ, أو تُزادُ عقوبتُك في منعِ حاجتِكَ لذنبٍ ما صَدقَتَ في التوبةِ منه, وينبغي أن يقع البحثُ عن مقصودِك بهذا المطلوبِ, فربما كان في حصولِهِ زيادةُ إثمٍ أو تأخيرٌ عن مرتبةِ خيرٍ, فكان المنعُ أصلحَ, وربما كان فقدُ ما فَقَدَت للاشتغال به عن المسئول عز وجل, وهذا هو الظاهر بدليل أنه لولا النازلة ما لجأ العبدُ وتضرع إلى الله اهـ.
قال الله عز و جل { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} النحل:127)
الصبر هو حبس النفس على جزعٍ كامنٍ عن الشكوى, وهو أيضا من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبةوأنكرها في طريق التوحيد وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد إبقاء على الإيمان * وحذرا من الجزاء وأحسن منها الصبر عن المعصية حياءً,
والدرجة الثانية الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دواماً وبرعايتِها إخلاصاًً وبتحسينِها علماً,
والدرجةُ الثالثةُ الصبرُ في البلاءِ بملاحظةِ حُسنِ الجزاءِ وانتظارِ روحِ الفرج وتَََََََهوينِ البليةِ بعد أيادي المننِ وتذكرِ سوالفِ النعم التي لا تعد ولا تحصى.
وفي هذه الدرجات الثلاث من الصبر نزلت{ اصبروا } يعني في البلاء {وصابروا} يعني عن المعصية{ ورابطوا} يعني على الطاعة.
وأضعف الصبر الصبر لله تعالى, وهو صبرُ العامة. وفوقه الصبرُ لله تعالى , وهو صبرُ المريد, وفوقهما الصبر على الله تعالى * وهو صبر السالك .
فضيلة الصبر:
قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } [ السجدة : 24 ] وقال تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إسرائيل بِمَا صَبَرُواْ } [ الأعراف : 137 ] وقال تعالى: { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النحل : 96 ] وقال عز وجل: { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [ القصص : 54 ] وقال : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] فما من طاعة إلا وأجرها مقدراً إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى في الحديث القدسي : { الصوم لِى } فأضافه إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ الأنفال : 46 ] وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى : { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة } [ آل عمران : 125 ] وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال : { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون } [ البقرة : 157 ] الصلوات والرحمة والهداية من الله تعالى للصابرين.
وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام : « الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله » أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان, وأخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد . والطبرانى ، قال المنذرى (4/140) : رواته رواة الصحيح ، وهو موقوف ، وقد رفعه بعضهم . قال الهيثمى :رجاله رجال الصحيح . والقضاعى والديلمى .
وتقريره أن الإيمانَ لا يَتمُ إلا بَعدَ تركِ ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصولِ ما ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كلُهُ صبراً إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل َما ينبغي قد يكون مطابقاً للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ، وقد يكون مخالفاً للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان ، وقال عليه السلام : « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار » قال العراقي لم أقف له على أصل.
مسألة : في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر؟ فعن أبي الدرداء- رضي الله عنه- سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقولSadيدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا- أو أربعين سنة).
رواه أبويعلى عن محمد بن جامع بن خنيس وضعفه، وضعفه أبوحاتم وابن عدي، ووثقه ابن حبان، وباقي رواة الإسناد ثقات.لصبرهم على البلاء والمصائب . عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَSadاللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، يَا عَائِشَةُ ، لاَ تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، يَا عَائِشَةُ ، أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ ، فَإِنَّ اللهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).أخرجه التِّرْمِذِي.
الخريف: الزمان المعروف ، بين الصيف والشتاء ،وأراد به : كناية عن السنة جميعا ، لأنه متى أتى عليه عشرون خريفا مثلا ، فقد أتى عليه عشرون سنة ، وقد جاء في هذا الحديث «أربعون خريفا» وفي الحديث الآخر «خمسمائة عام».ووجه الجمع بينهما : أن الأربعين أراد بها : تقدم الفقير الحريص على الغنى الحريص ، وأراد بخمسمائه عام : تقديم الفقير الزاهد على الغني الراغب ، فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد ، وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة ،ولا تظنن أن هذا التقدير ، وأمثاله يجرى على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جزافا ، ولا بالاتفاق ، بل لسر أدركه ، ونسبة أحاط بها علمه ،فإنه لا ينطق عن الهوى ، وإن فطن أحد من العلماء إلى شيء من هذه المناسبات ، وإلا فليس طعنا في صحتها والله أعلم.
المسألة السادسة : دلت هذه الآية على أمور . أحدها : أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه . وثانيها : أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين . وثالثها : أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها .من هي الفرقة الثنوية؟
الثنوية فرقة ضالة مضلة وهي التي زعمت أن النور والظلمة صانعان قديمان، والنور منهما فاعل الخير والمنافع، والظلام فاعل الشر والمضار، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة، وكل واحد منهما مشتمل على أربع طبائع وهي الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والأصلان الأولان مع الطبائع الأربع مدبرات هذا العالم، وشاركهم المجوس في اعتقاد صانعين غير أنّهم زعموا أن أحد الصانعين قديم وهو الإله الفاعل للخيرات، والآخر شيطان محدث فاعل للشرور،
ورابعها : أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ، وشرب الماء لا يفيد الري ، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، لأن قوله : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال : إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذا القول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة .
وليعلم أنه تعالى لما قال : { وَبَشِّرِ الصابرين } [ البقرة : 155 ] بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون صابراً ، وأن تلك البشارة كيف هي؟
إبتلاء أيوب عليه السلام
وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة؛ وهي تضرب مثلاً للابتلاء والصبر . ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها . والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب عليه السلام كان كما جاء في القرآن عبداً صالحاً أوّاباً؛ وقد ابتلاه الله فصبر صبراً جميلاً ، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال و الأهل والصحة جميعاً ولكنه ظل على صلته بربه ، وثقته به ، ورضاه بما قسم له .
وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له ومنهم زوجته بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه .وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء . فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عدداً عينه قيل مائة .
وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان ، ومداخله إلى نفوس خلصائه ، ووقع هذا الإيذاء في نفسه :
{ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } . .
فلما عرف ربه منه صدقه وصبره ، ونفوره من محاولات الشيطان ، وتأذيه بها ، أدركه برحمته . وأنهى ابتلاءه ، ورد عليه عافيته . إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ :
{ اركض برجلك . هذا مغتسل بارد وشراب } . .
ويقول القرآن الكريم :
{ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب } . .
وتقول بعض الروايات : إن الله أحيا له أبناءه ووهب له مثلهم ، وليس في النص ما يحتم أنه أحيا له من مات . وقد يكون معناه أنه بعودته إلى الصحة والعافية قد استرد أهله الذين كانوا بالنسبة إليه كالمفقودين . وأنه رزقه بغيرهم زيادة في الإنعام والرحمة والرعاية . مما يصلح ذكرى لذوي العقول والإدراك .
إبتلاء إبراهيم عليه السلام:قال الله عز وجل:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة:124).
ولقد اختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال: أحدها- هي شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما، عشرة منها في سورة براءة:" {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}التوبة:112
وعشرة في الأحزاب:" {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}الأحزاب:35). وعشرة في المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ{1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ{2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ{3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ{4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ{5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ{6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ{7} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ{8} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ{9} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ{10} الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{11} . وفي سورة المعارج قولُهُ تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ{22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ{23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ{24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ{25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ{26} وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ{27} إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ{28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ{29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ{30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ{31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ{32} وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ{33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ{34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ{35}.ز
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام، ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال:" وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ". وقال بعضهم: بالأمر والنهي، وقال بعضهم: بذبح ابنه، وقال بعضهم: بأداء الرسالة، والمعنى متقارب. وقال مجاهد: هي قوله تعالى: إني مبتليك بأمر، قال: تجعلني للناس إماما؟ قال نعم. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين، قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال نعم. قال: وأمنا؟ قال نعم. قال: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات؟ قال نعم. وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم. وأصح من هذا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن بن طاوس عن ابن عباس في قوله:" وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ" قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الشعر. وفي الجسد: تقليم الاظفار، وحلق العانة، والاختتان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء، وعلى هذا القول فالذي أتم هو إبراهيم، وهو ظاهر القرآن.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته الى يوم الدين و الحمد لله رب العالمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
الصبر فضله وأنواعه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: خطب دينية-
انتقل الى: