الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 683
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ   الأحد يونيو 19, 2011 1:35 am

أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
بسم الله الحمن الرحيم
{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (Cool الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)} سورة البروج.
عن صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كان ملك ممن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما فلأعلمه السحر فدفع إليه غلاما وكان يعلمه السحر فكان في الطريق إذ سلك راهب فأتى الغلام الراهب فسمع كلامه فأعجبه نحوه وكلامه فكان إذا أتى على الساحر ضربه وقال ما حبسك فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك فشكى ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر, فبينما هو كذلك إذ أتى يوماً على دابة فظيعة عظيمة, قد ح حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا, وقال: اليومَ أعلمُ أمرَ الراهب أحبَ إلى الله أم أمرَ الساحرِ, وأخذ حجراً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَ إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس فرماها فقتلها ومضى الناس, فأخبر الراهب بذلك فقال أي بنيَّ أنتَ أفضلُ مني وإنك ستُبتلى فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليَّ , وكان الغلامُ يُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ وسائرَ الأدواءِ ويَشفيهم, وكان جليس للملك فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما ها هنا أجمع فقال: ما أشفي أنا أحداً إنَّما يَشفي اللهُ عَزَّ وجَلَّ فإن آمنت بالله دعوتُ اللهَ فشفاك, فآمن فدعا الله عز وجل له فشفاه ,ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال: له الملك يا فلان من رد عليك بصرك قال ربي قال: أنا قال: لا ولكن ربي وربك الله قال: ولك رب غيري قال: نعم فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال أي بني قد بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمهَ والأبرصَ وهذه الأدواء فقال: ما أشفي أنا أحدا ما يشفي غير الله قال: أنا قال: لا قال: وإن لك رباً غيري قال: نعم ربي وربك الله قال: فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتي الراهب فقيل ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار على مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض فقال للأعمى ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار على مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض فقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث معه نفرا إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه من فوقه فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف الجبل فدهدهوه أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله عز وجل فبعث معه نفرا في قرقورة وقال إذا لججتم معه في البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه قال أبو عبد الرحمن بعض حروف غرقوه سقط من كتابه فلججوا به في البحر فقال الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله جل وعز ثم قال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد ثم تصلبني على جذع فتأخذ سهما من كنانتي ثم تقول باسم رب الغلام فإنك إن فعلت ذلك قتلتني ففعل فوضع السهم في كبد قوسه ثم رمى وقال باسم رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات رحمه الله فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران وقال من يرجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها وكانوا يتنازعون ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النيران فقال الصبي اصبري فإنك على الحق)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ والنسائي في سننه الكبرى .
شَّرْحُ الحديث:
هذا الحديث الذي ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين الذي أنصح كل مسلم أن يقتنيه وأن يقتني كتابه الآخر كتاب الأذكار الذان قد جمعا معظم ما يحتاجه المسلم في سلوكه الى الله تعالى في ليله ونَهارهِ , ذكر هذا الحديث الذي بين أيدينا في باب الصبر, وفي هذا الحديث قصة عجيبة حدثت في بني اسرائيل النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) أخرجه أحمد ، والبخارى ، والترمذى ، وابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهي أن رجلاً من الملوك فيمن سبق كان عنده ساحرٌ اتَخَذَهُ الملكُ بطانةً من أجلِ أن يَستخدمَهُ في مصالحِهِ ولو على حساب الدين, لأنَّ هذا الملك لا يهتم إلا بما فيه مصلحته كعادة الملوك المستبدين والزعماء الظالمين, وهو ملكٌ ظالمٌ طاغٍ بالغٍ مستبدٌ قد عَبَّدَ النَّاسَ لنفسه قد جعل نفسه الَهَاً من دون الله تعالى كما سيأتي في آخر الحديث . هذا الساحر لما كَبِرَ قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر .واختار الغلام لأن الغلام أقبل للتعليم ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقى ولا ينسى ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر وفي كل خير, لكن التعلم في الصغر فيه فائدتان عظيمتان بل أكثر: الفائدة الأولى أن الشاب في الغالب أسرع حفظاً من الكبير لأن الشاب فارغ البال ليست عنده مشاكل توجب انشغاله .
وثانيا أن ما يحفظه الشاب يبقى وما يحفظه الكبير ينسى ولهذا كان من الحكمة الشائعة بين الناس" إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر" لا يزول وفيه فائدة ثالثة وهي أن الشاب إذا ثقف العلم من أول الأمر صار العلم كالسجية له والطبيعة له وصار كأنه غريزة قد شب عليه فيشيب عليه .
فهذا الساحر ساحر كبير قد تقدمت به السن وجرب الحياة وعرف الأشياء فطلب من الملك أن يختار له شاباً غلاماً يعلمه السحر ,فبعث إليه غلاما فعلمه ما علمه ولكن الله تعالى قد أراد بِهذا الغلامِ خيراً .
مر هذا الغلام يوماً من الأيام براهب فسمع منه فأعجبه كلامه لأن هذا الراهب - يعني العابد - عابد لله عز وجل لا يتكلم إلا بالخير وقد يكون راهباً عالما لكن تغلب عليه العبادة فسمي بما يغلب عليه من الرهبانية .
المهم أنه أعجبه وصار إذا خرج هذا الغلام من أهله جلس عند الراهب فتأخر على الساحر فجعل الساحر يضربه لماذا تتأخر فشكا الغلام إلى الراهب ما يجده من الساحر من الضرب إذا تأخر .
فلقنه الراهب أمراً يتخلص به قال: إذا ذهبتَ إلى الساحرِ وخَشيتَ أن يُعاقبك فقل: إن أهلي حبسوني أي تأخر عند أهله وإذا أتيت عند أهلك فقل: إن الساحر حبسني، حتى تنجو من هذا ومن هذا, وكأن الراهب والله أعلم أمره بذلك مع أنه كذب لعله رأى أن المصلحة في هذا تربو على مفسدة الكذب مع أنه يمكن أن يتأول .
ففعل فصار الغلام يأتي إلى الراهب ويسمع منه ثم يذهب إلى الساحر فإذا أراد أن يعاقبه على تأخره قال إن أهلي أخروني وإذا رجع إلى أهله وتأخر عند الراهب قال إن الساحر حبسني فمر ذات يوم بدابة عظيمة ولم يعين في الحديث ما هذه الدابة قد حبست الناس عن التجاوز فلا يستطيعون أن يتجاوزوها فأراد هذا الغلام أن يختبر هل الراهب خير له أم الساحر فأخذ حجراً ودعا الله سبحانه وتعالى إن كان أمر الراهب خيراً أن يقتل هذا الحجر هذه الدابة فرمى بالحجر فقتل الدابة فمشى الناس فعرف الغلام أن أمر الراهب خير من أمر الساحر, وهذا أمر لا شك فيه لأن الساحر إما معتد ظالم وإما كافر مشرك فإن كان يستعين على سحره بالشياطين يتقرب إليهم ويعبدهم ويدعوهم ويستغيث بهم فهو كافر مشرك, وإن كان لا يفعل هذا لكن يعتدي على الناس بأدوية فيها سحر فهذا ظالم معتد, أما الراهب فإن كان يعبد الله على بصيرة فهو مهتد وإن كان عنده شيء من الجهل والضلال فنيته طيبة وإن كان عمله سيئاً .
المهم أن هذا الغلام أخبر الراهب بما جرى فقال له الراهب أنت اليوم خير مني وذلك لأن الغلام دعا الله فاستجاب الله له .
وهذا من نعمة الله على العبد أن الإنسان إذا شك في الأمر ثم طلب من الله آية تبين له شأن هذا الأمر فبينه الله له فإن هذا من نعمة الله عليه .
ومن هنا شرعت الاستخارة للإنسان إذا هم بالأمر وأشكل عليه هل في إقدامه خير أم في إحجامه خير فإنه يستخير الله وإذا استخار الله بصدق وإيمان فإن الله يعطيه على ما يستدل به على أن الخير في الإقدام أو الإحجام, إما بشيء يلقيه في قلبه ينشرح صدره لهذا أو لهذا وإما برؤيا يراها في المنام وإما بمشورة أحد من الناس وإما بغيره وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة صلاة الإستخارة في كل الأموركلها, فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - : قال : ((كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمنا الاستخارةَ في الأمورِ كلِّها ، كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن ، يقول: إِذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فليركَعْ ركعتين من غيرِ الفريضةِ ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرُكَ بعلمكَ ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ ، وأَسأَلكَ من فضلك العظيم ، فإنك تقدِر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علامُ الغيوب، اللهم إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبةِ أمري - أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِهِ - فاقْدُرْهُ لي ويسِّرْهُ لي ، ثم بارك لي فيه ، اللهم إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شَرّ لي في دِيني ومعاشي وعاقبةِ أمري - أو قال : في عاجِلِ أمري وآجِلهِ - فاصْرِفه عَنِّي ، واصرفْني عنه ، واقْدُرْ لِي الخيرَ حيث كان ، ثم رَضِّني به. قال : ويُسَمِّي حاجَتَه)). أخرجه البخاري، وأبو داود ، والترمذي، والنسائي.
المهم أن هذا الغلام كان من كراماته أنه يبرئ الأكمه والأبرص، يعني أنه يدعو لهم فيبرؤون، وهذا من كرامات الله له والمعجزات للأنبياء عليهم السلام والكرامات للأولياء,
>>التعريف بالكرامة<< :
الكرامة : أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح . والكرامة ثابتة في الكتاب والسنة, وكرامات الأولياء كثيرة منها ما ثبت في حق بعض الصالحين من الأمم الماضية . ومن ذلك ما أخبر الله به عن مريم عليها السلام . قال تعالى : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } (آل عمران : 37) .
ومنها : ما أخبر الله به عن أهل الكهف على ما قص الله ذلك في كتابه .
ومن كرامات الأولياء من هذه الأمة ما ثبت في حق أسيد بن حضير رضي الله عنه أنه كان يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته . وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين رضي الله عنه . وكان سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها . وخبيب بن عدي رضي الله عنه كان أسيرا عند المشركَين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة .
ومَرَّ العلاء الحضرمي رضي الله عنه بجيشه فوقّ البَحرِ على خيولِهم فما ابتلت سروجُ خيولِهم . ووقع أبو مسلم الخولاني رحمه الله في أسر الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع . قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه يصلي فيها وقد صارت برداً وسلاماً ، وغيرُ ذلك كثيرٌ مما هو منقولٌ في كُتُبِ السِيرِ والتاريخِ, قال صاحب جوهرة التوحيد :
وَأَثْبِتَنْ لِلْأَوْلِيَا الْكَرَامَهْ ... وَمَنْ نَفَاهَا فَانْبِذَنْ كَلَامَهُ .
وليس ما حدث مع الغلام كقصة عيسى ابن مريم يمسح صاحب العاهة فيبرأ بل هذا يدعو الله فيستجيب الله دعاءه، فيبرأ بدعائه الأكمه والأبرص .
وقد أخبر الراهب الغلام أنه سيبتلى يعني سيكون له محنة واختبار وطلب منه أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء وكان هذا الغلام والله أعلمُ مُستَجَابَ الدعوةِ إذا دعا الله قَبِلَ مِنْهُ, وكان للملك جليس أعمى - لا يبصر - فأتى بهدايا كثيرةٍ لِهذا الغلامِ حِينَ سَمِعَ عنه ما سَمِعَ وقال: لك ما هاهنا أجمع - أي كله - إن أنت شفيتني فقال إنما يشفيك الله .
انظر إلى الإيمان لم يغتر بنفسه وادعى أنه هو الذي يشفي المرضى بل قال إنما يشفيك الله عز وجل .
يشبه هذا من بعض الوجوه ما جرى لشيخ فاضلٍ عالمٍ ورعٍ ربانيٍ حينما جِيءَ إليه برجلٍ مصروعٍ قد صَرَعَهُ الجنيُّ فَقَرَأَ عليه الشيخ شيئاً من القرآن الكريم ولكنه لم يخرج فجعل الشيخ يضربه على رقبته ضرباً شديدا حتى أنَّ يَدَ الشيخِ أوجعتْهُ من الضربِ فَتَكَلْمَ الجنيُّ الذي في الرجلِ وقال: أخرج كرامة للشيخ .
فقال له الشيخ: لا تخرج كرامة لي ولكن أخرج طاعةً لله ورسولِهِ, لا يُريدُ أنْ يكونَ له فضلٌ بل الفضلُ لله أولاً وآخراً, فخرج الجنيُّ وعندَها استيقظَ الرجلُ فقال: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ لأنه حينما صرع يمكن أنه كان في بيته أو سوقه فقالوا: سبحان الله ألم تحس بالضرب الذي كان يضربك قال ما أحسست به ولا أوجعني فأخبروه فبرئ الرجل .
الشاهد أن أهل العلم والإيمان لا ينسبون نعمة الله إليهم وإنما ينسبونَها إلى موليها عز وجل وهو الله سبحانه وتعالى, وقال له إن أنت آمنت دعوت الله لك فآمن الرجل فدعا الغلامُ رَبَهُ أن يَشفيَهُ فشفاهُ الله عز وجل فأصبح مبصراً, فجاء هذا الجليس إلى الملك وجلس عنده على العادة,فقال الملك من رد عليك بصرك قال:الله ربي قال :الملك أو لك رب غيري قال: نعم ربي وربك ورب الناس أجمعين فعذبه تعذيبا شديداً حتى دلَّ على الغلام , وأتى بالغلام وأخبره بالخبر وعذبه تعذيبا شديداً قال من الذي علمك بهذا الشيء وكان الراهب قد قال له إنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تخبر عني ولكن لعله عجز عن الصبر فأخبر عن الراهب .
وكان هذا الملك جباراً عنيداً والعياذ بالله قد عذب هذا الجليس الأعمى الذي آمن بدعوة هذا الغلام عذبه تعذيباً شديداً حيث قال آمنت بالله قال أولك رب غيري - نعوذ بالله- وهذا شأن الطغاة من الملوك والزعماء يقمعون شعوبَهم قمعاً بشعاً لأتفه الأسباب. قال الله تعالى في هلاك الظالمين الطغاة البغاة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ{7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ{8} وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ{9} وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ{10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ{11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ{13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ{14}سورة الفجر.وقال الله تعالى:{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ{42} مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء{43}سورة ابراهيم.
تحت التعذيب الشديد دلَهُمْ على الراهب و جِيءَ بالراهب - والراهب عابد يعبد الله - فدعاه إلى أن يقول هذا الملك هو ربه ولكن الراهب أبى أن يرجع عن دينه .
فأتوا بالمنشار فنشروه من مفرق رأسه - نصف الجسم - فبدؤوا بالرأس ثم الرقبة ثم الظهر حتى انقسم قسمين - شقين شق هنا وشق هنا - ولكنه لم يثنه ذلك عن دينه أبى أن يرجع ورضي أن يقتل هذه القتلة ولا يرجع عن دينه ما شاء الله, ثم جيء بالرجل الأعمى الذي كان جليساً عند الملك وآمن وكفر بالملك فدعي أن يرجع عن دينه فأبى ففعل به كما فعل بالراهب, ولم يرده ذلك عن دينه, وهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر وأن يحتسب .
ولكن هل يجب على الإنسان أن يصبر على القتل أو يجوز أن يقول كلمة الكفر ولا تضره إذا كان مُكرهاً ؟ هذا فيه تفصيلٌ, إن كانت المسألة تتعلق به نفسه فله الخيار إن شاء قال كلمة الكفر دفعاً للإكراهِ مع طمأنينةِ القلبِ بالإيمانِ وإن شاء أصر وأبى ولو قُتِلَ, هذا إذا كان الأمر عائداً إلى الإنسان بنفسه . {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}النحل:106) معنى الآية: إنما يفتري الكذب مَن نطق بكلمة الكفر وارتدَّ بعد إيمانه, فعليهم غضب من الله, إلا مَن أُرغم على النطق بالكفر, فنطق به خوفًا من الهلاك وقلبه ثابت على الإيمان, فلا لوم عليه, لكن من نطق بالكفر واطمأن قلبه إليه, فعليهم غضب شديد من الله, ولهم عذاب عظيم;
سبب نزول هذه الآية (106) من سورة النحل:
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يهاجر إلى المدينة، أخذ المشركون بلالا، وخبّابا، وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيّة، فلما رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، حدّثه فقال: كيف كان قلبك حين قلت: أكان منشرحا بالذي قلت؟ قال: لا، فأنزل اللّه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.
إما إذا كان الأمر يتعلق بالدين بمعنى أنه لو كفر ولو ظاهراً أمامَ النَّاسِ لَكَفَرَ النَّاسُ فإنه لا يجوز له أن يقول كلمةَ الكفرِ بل يَجِبُ أن يصبر ولو قتل ,كالجهاد في سبيل الله. المجاهد يقاتل ولو قتل لأنه يريد أن تكون كلمةُ اللهِ هي العليا ,فإذا كان إماماً للناس وأجبر على أن يقول كلمة الكفر فإنه لا يجوز أن يقول كلمة الكفر لا سيما في زمن الفتنة بل عليه أن يصبر ولو قتل .
ومثل ذلك ما وقع للإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - حين امتحن المحنة العظيمة المشهورة على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله فأبى فأوذي وعزر حتى إنه يجر بالبغلة بالأسواق إمام أهل السنة يجر بالبغلة بالأسواق ويضرب بالسوط حتى يغشى عليه ولكنه كلما أفاق قال القرآن كلام ربي غير مخلوق .
وإنما لم يجز لنفسه أن يقول كلمة الكفر مع الإكراه لأن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد فلو قال القرآن مخلوق لصار كل الناس يقولون القرآن مخلوق وفسد الدين .
ولكنه رضي الله عنه جعل نفسه فداءً للدين ومع هذا صبر واحتسب وكانت العاقبة له ولله الحمد, مات الخليفة ومات الخليفة الثاني الذي بعده وأتى الله بخليفة صالح أكرم الإمام أحمد إكراماً عظيما فما مات الإمام أحمد حتى أقر الله عينه بأن يقول الحق عالياً مرتفع الصوت ويقول الناس الحق معه .وخذل أعداؤه ولله الحمد وهذا دليل على أن العاقبة للصابرين وهو كذلك والله الموفق.
فأبى الغلام أن يرجع عن دينه فدفعه الملك إلى نفر من أصحابه أي جماعة من الناس وقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا جبل معروف عندهم شاهق رفيع وقال لهم إذا بلغوا ذروته فاطرحوه يعني على الأرض ليقع من رأس الجبل فيموت بعد أن تعرضوا عليه أن يرجع عن دينه فإن رجع وإلا فاطرحوه فلما بلغوا به قمة الجبل فطلبوا منه أن يرجع عن دينه فأبى لأن الإيمان قد وقر في قلبه ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح فلما هموا أن يطرحوه قال اللهم اكفنيهم بما شئت دعوة مضطر مؤمن اللهم اكفنيهم بما شئت أي بالذي تشاء ولم يعين , فرجف الله تعالى بِهُمُ الجبلُ فسقطوا وهلكوا وجاء الغلامُ إلى الملك فقال ما الذي جاء بك أين أصحابك فقال قد كفانيهم الله عز وجل ثم دفعه إلى جماعة آخرين وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور أي سفينة فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه فإن لم يفعل رموه في البحر انظروا كيف يتفننون في أساليب التعذيب,هذا ظلم فظيع والظلم ظلمات يوم القيامة ولأجلِ كثرةِ مضارّ الظّلم وعظيم خطرِه وتنوُّع مفاسدِه وكثير شرِّه، لأجل ذلك حرّمه الله بين عباده، فقال تعالى في الحديث القدسيّ: ((يا عبادي، إني حرّمت الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا)) رواه مسلم في كتاب البر (2577) عن أبي ذر رضي الله عنه.
فالله حرّم الظلمَ على نفسه وهو يقدر عليه تكرُّمًا وتفضُّلاً وتنزيهًا لنفسه عن نقيصة الظلم، فإنّ الظلم لا يكون إلا من نفسٍ ضعيفة لا تقوى على الامتناعِ منَ الظلم، ولا يكون الظلم إلاّ من حاجةٍ إليه، ولا يكون إلاّ من جهلٍ به، والله جل وعلا منزَّه عن ذلك كلِّه، فهو القويّ العزيز، الغنيّ عن خلقِه، فلا يحتاج إلى شيء، وهو العليم بكلِّ شيء.
وحرّم الله الظلم بين عباده ليحفَظوا بذلك دينَهم ويحفظوا دنياهم، وليُصلِحوا بترك الظلم آخرَتهم، وليتمَّ بين العباد التعاوُن والتراحمُ بترك الظّلم، وليؤدّوا الحقوقَ لله وللخلق.
فالظلمُ يضرُّ الفردَ ويهلِكه ويوقِعه في كلِّ ما يكرَه، ويرى بسبَب الظلم ما يسوؤه في كلِّ ما يُحِبّ. الظلم يخربُ البيوت العامرةَ ويجعل الديارَ دامِرةً. الظلمُ يبيد الأمَم ويهلك الحرثَ والنّسل.
ولقد حذّرنا الله تبارك وتعالى من الظلم غايةَ التحذير، وأخبرنا الله تعالى بأنَّ هلاكَ القرون الماضية بظلمِهِم لأنفسهم لنحذرَ أعمالهم، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يونس:13، 14، وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} الكهف:59، وقال تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج:45، 46، وقال تعالى: {فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} العنكبوت:40.
المهم أخذوا الغلام في السفينة فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه وهو الإيمان بالله عز وجل فقال لا فقال اللهم اكفنيهم بما شئت, فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله ثم جاء إلى الملك فقال له أين أصحابك فأخبره بالخير ثم قال له إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد كل أهل البلد ثم تصلبني على جذع ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس ثم ترميني به وتقول بسم الله رب الغلام فإنك إن فعلت ذلك قتلتني .
فجمع الملك الناس في صعيد واحد وصلب الغلام وأخذ سهما من كنانته فوضعها في كبد القوس ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام ثم رماه فأصابه السهم في صدغه فوضع .
يده عليه ومات فأصبح الناس يقولون آمنا برب الغلام وآمنوا بالله وكفروا بالملك وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام .
ففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل
أولاً: على قوة إيمان هذا الغلام وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول .
ثانياً: فيه آية من آيات الله حيث أكرمه الله عز وجل بقبول دعوته فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل حتى سقطوا .
ثالثاً: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقناً أن الله يجيبه فإن الله تعالى يجيبه حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله مع أنه يعلم أنهم سيرجعون إلى الكفر إذا غشيهم موج كالظلل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين فإذا نجاهم أشركوا فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلى الله عند دعائهم وهو سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}النمل:62) وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}يونس:22) {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت:65) وقال تعالى {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}لقمان:32) أمرنا الله تعالى بالدعاء ووعدنا بالإجابة فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60) رابعا: أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه وهو أن يأخذ سهما من كنانته ..
{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (Cool الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)} سورة البروج.
التفسير والبيان:
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ أي أقسم بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، وأشهر الأقوال أنها منازل الكواكب، وهي اثنا عشر برجا لاثني عشر كوكبا.
وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوما. أقسم اللَّه بها تنويها بها وتعظيما وتشريفا لها، حيث نيط بها تغيرات في الأرض بحلول الكواكب فيها، فينشأ عنها الفصول الأربعة، وما فيها من حرارة وبرودة، وينشأ عنها عدد السنين والحساب.
وجاء ذكر البروج في آيتين أخريين هما:{ وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ} الحجر 15/ 16، وقال تعالى:{ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً، وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً }الفرقان 25/ 61.
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ أي وأقسم بيوم القيامة الموعود به، وبمن يشهد في ذلك اليوم، ومن يشهد عليه. وهذا إن كان ذلك مأخوذا من الشهادة. فإن كان مأخوذا من الحضور بمعنى أن الشاهد هو الحاضر، كقوله:{ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ }الزمر 39/ 46، فالشاهد: الخلائق الحاضرون للحساب، والمشهود عليه: اليوم، كما قال تعالى:{ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ }هود 11/ 103 فاللَّه يقسم بالخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود، لما في التأمل بها من تقدير عظمة تدل على الموجد.
والخلاصة: أن الشاهد والمشهود إما من الشهود: الحضور، وإما من الشهادة، والصلة محذوفة، أي مشهود عليه أو به.
{قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ} هذا جواب القسم، وهو إخبار أو دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة اللَّه تعالى، أي لعن أصحاب الأخدود المشتمل على النار ذات الحطب الذي توقد به. وهم قوم من الكفار في نجران اليمن طلبوا من المؤمنين باللَّه عزّ وجلّ أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودا (شقا مستطيلا) وأجّجوا فيه نارا، وأعدّوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها. وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله:
ذاتِ الْوَقُودِ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس.
إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ، وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أي لعنوا حين أحدقوا بالنار، قاعدين على الكراسي عند الأخدود، وهؤلاء الذين حفروا الأخدود، وهم الملك وأصحابه، مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين، من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم، ويشهدون بما فعلوا يوم القيامة، حيث تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم.
وهذا أي حضورهم الإحراق دليل على أنهم قوم غلاظ الأكباد قساة القلوب، تمكّن الكفر والباطل منهم، وتجرّدوا عن الإنسانية، وفقدوا الرحمة، ودليل أيضا على أن المؤمنين كانوا أشد صلابة من الجبال في دينهم والإصرار على إيمانهم وحقهم في حرية الاعتقاد.
ثم ذكر اللَّه تعالى سبب هذا التعذيب والإحراق بالنار، فقال:
{وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي إن هؤلاء الكفار الجبابرة ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم، ولا عابوا على المؤمنين إلا أنهم صدقوا باللَّه الغالب الذي لا يغلب، المحمود في كل حال، وهو مالك السموات والأرض، وإليه الأمر كله، ومن كان بهذه الصفات، فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحّد، واللَّه شاهد عالم بما فعلوا بالمؤمنين، لا تخفى عليه خافية، ومجازيهم بأفعالهم. وأشار بقوله:
{الْعَزِيزِ} إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين، ولأطفأ نيرانهم وأماتهم، وأشار بقوله: الْحَمِيدِ إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها، فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل، فإنه سيثيب المؤمنين، ويعاقب أولئك الكفرة.
وقوله:{ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد بالخير لمن عذّب من المؤمنين على دينه، فصبر ولم يتراجع في موقف الشدة.
ونظير الآية قوله تعالى:{ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ} [المائدة 5/ 59] .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1- أقسم اللَّه عزّ وجلّ بالسماء وبروجها وهي نجومها العظام أو منازل الكواكب لإناطة تغييرات في الأرض كالفصول الأربعة وبيوم القيامة الذي وعدنا به لأنه يوم الفصل والجزاء، وتفرد اللَّه بالحكم والقضاء، وبالشاهد والمشهود، أي الخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود لما في التأمل بها من إدراك عظمة خالقها، أقسم بها على أن أصحاب الأخدود ملعونون مطرودون من رحمة اللَّه.
قال الزمخشري: إنَّهُ قيل: أقسم بهذه الأشياء، إنهم ملعونون يعني كفار قريش، كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم حتى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، أي لعنوا، كما قتل أصحاب الأخدود.
2- أسباب اللعنة على أصحاب الأخدود: أنهم حفروا أخدودا أي شقا مستطيلا في الأرض وأوقدوا فيه نارا عظيمة، ثم ألقوا فيه جماعة المؤمنين، بنجران اليمن في الفترة بين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وهم يتلذذون ويستمتعون بما تفعل النيران الملتهبة بأجساد هؤلاء المعذّبين، ويحضرون ذلك المنظر الرهيب إلى تمام الإحراق والالتهاب، فهم قوم قساة، مجدّون في التعذيب ,وكل من يفعل هذا الفعل في العباد والبلاد سيعاقب بنفس عقاب أصحاب الأخدود .
3- القصة درس وعظة وتذكير للمؤمنين بالصبر على ما يلاقونه من الأذى والآلام، والمشقات التي يتعرضون لها في كل زمان ومكان ليتأسوا بصبر المؤمنين وتصلبهم في الحق وتمسكهم به، وبذلهم أنفسهم من أجل إظهار دعوة اللَّه.
وليس هذا بمنسوخ، فإن الصبر على الأذى لمن قويت نفسه، وصلب دينه أولى. قال اللَّه تعالى مخبرا عن لقمان:{ يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ،وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}لقمان 31/ 17 .
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» .
ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالقتل والصّلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، مثل قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق وغير ذلك.
4- ما أنكر الملك وأصحابه من الذين حرّقوهم إلا إيمانهم باللَّه العزيز الغالب المنيع، الحميد المحمود على كل حال، مالك السموات والأرض الذي لا شريك له فيهما ولا نديد، وهو عالم بأعمال خلقه، لا تخفى عليه خافية.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته الى يوم الدين وسلم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: خطب دينية-
انتقل الى: