الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فساد المنهج وأثره في في الفوضى الدينية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 651
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: فساد المنهج وأثره في في الفوضى الدينية   الأربعاء مايو 22, 2013 6:04 pm

فساد المنهج وأثره في في الفوضى الدينية.
فوضى... هذه هي الكلمة الدقيقة والمناسبة جدًّا لوصف كل مجالات حياة المصريين منذ ثورة يناير وحتى الآن، فوضى في كل شيء، ولا أدري ولا أحد يدري على وجه الدقة إلى أين تسير بنا هذه الفوضى وإلى أي أمد ستسمر وكيف ستتوقف؟
إلا أن أخطر أنواع هذه الفوضى على الإطلاق هي حالة الفوضى الدينية أقصد تلك الفوضى التي تسيطر على الحالة العلمية الدينية بمصر الآن، فالكل يفتي ويحلل ويحرم ويكفر ويستحل دون ضابط ولا رابط ودون منهج أو دليل.
ما رأينا سورا أحط وأقل من سور العلوم الشرعية حتى شمر كل غر جاهل عن طرف جلبابه ورفع رجليه وتسور سوره دون مناسبة تذكر بين هذا الدعي الجاهل وبين العلوم الشرعية من فقه وعقيدة وتفسير.... إلخ.
لكن والحق يقال إن ثورة الخامس والعشرين من يناير لم يكن لها أي دخل في إحداث هذه الفوضى العلمية – فالأمر أقدم من هذا الزمن بكثير - وإن كانت الثورة قد زادت من حدة الظاهرة وعملت على انتشارها بعد أن رُفعت القيود التي كانت على الألسنة والأفكار، وأزيلت الحدود التي كانت بين الناس وبين التحدث باسم الدين والإسلام بل ونيابة عن الخالق جل شأنه في إيداع أهل الكفر والمعاصي النار، أو أهل الإيمان والطاعة الجنة.
وزاد من طين هذه الظاهرة بلة أن عبث قوم ممن ينتسبون إلى الدعوة - عبثوا بدين الله تعالى لحساب الكراسي والمناصب، ودخلت السياسة عنصرا فاعلا في زيادة ظاهرة المتحدثين أو الموقعين نيابة عن رب العالمين محددين أن رضا الله وشآبيب رحمته منوطة بانتخاب فلان، وكذلك غضبه وبراكين انتقامه ستُنزل عليك حممها أنت وذريتك وأهل بيتك إن ضللت الطريق وانتخبت فلانا؟ هكذا عبثوا بالدين ولا يزالون يعبثون متصورين كما تصور الذين كانوا من قبلهم من كذبة الحديث ووضاعيه أنهم يحسنون صنعا، ويقدمون للدين والإسلام أجل وأرقى الخدمات.
إن هذه الفوضى التي نحياها اليوم تتمثل في كثرة المجتهدين والمجددين والمفتين والمتحدثين باسم الإسلام لا عن وعي وفهم وعلم ، ولكن عن جرأة وتعصب وجهل، ولو كان عندنا حقا تلك الكثرة الكاثرة من الجهابذة والعلماء والمجتهدين والفقهاء، فلماذا لا نراهم في ميادين العلم الحقة؟ وساحات البحث الدقيقة؟ لماذا لا نراهم إلا في ميادين الكلام الذي يصدق عليه وصف القائل (طق حنك) لماذا لا نراهم في ساحات العلم المتخصصة، لماذا لم نر واحدا منهم يفتح كتابا ويشرحه، أو يتعرض لحاشية في علم ما فيفتح أقفالها ويجلي غوامضها، هل رأيت واحدا منهم ممسكا بكتاب فقه لأحد الأقدمين في أي مذهب كان يشرحه؟ هل رأيت واحدا منهم ممسكًا بكتاب في أصول الفقه أو الأشباه والنظائر أو المقاصد أو النحو أو الصرف أو البلاغة أو المنطق أو الوضع أو المقولات أو أو أو أو أو حتى سمعوا بتلك العلوم ؟ وهل من الممكن أن يصير العالم عالما أو المجتهد مجتهدا دون أن يمر على تلك العلوم وتمر عليه حتى تختلط بلحمه وعظامه وقلبه وكيانه؟ الجواب : لا.
من أين أتت الفوضى إذن؟ وكيف ومتى بدأت. في مصر بلد الأزهر الشريف.
إن الفوضى بدأت في مصر بلد الأزهر منذ أن قرر المستعمر الأجنبي أن هذه الأمة الإسلامية ينبغي أن تموت موتة الأبد الذي لا بعث بعده ولا نهوض، وأن تضرب الضربة القوية القاتلة التي تعجزها وتشل أركانها إلى الأبد، ذلك أن المستعمر الغشوم قد أدرك بقراءة التاريخ أن هذه الأمة كان لديها لغز أو سر عجيب يشبه الترياق النافع والذي يعمل فيها عمل السحر ويمدها بأسباب القوة مهما بلغت بها الهزيمة وحل بها الضعف، فكلما تعرضت الأمة الإسلامية للضربات الموجعة بل والقاتلة التي كانت تعمل على إجهاضها وإماتتها وتشتيتها وتمزيقها، فإذا بالأرض تنشق عن مجدد أو مجددين عدة يحملون لأمتهم الترياق النافع فسرعان ما تتعافى الأمة ويجتمع الشمل وتعود الأمجاد.
أدرك المستعمر الغشوم أن السر ليس في المجدد بقدر ما هو في ذلك الترياق الساحر الذي يحمله المجددون عن أسلافهم عن أسلافهم. ومن ثم فإذا فقد المجدد ذلك الترياق أو أفسدنا عليه هذا الترياق وأدخلنا عليه السموم والأخلاط الردية فإن الترياق لن يفقد عمله فقط بل سيكون عامل وبال ووباء على هذه الأمة إن تجرعته وظنت فيه الشفاء.
ومهما وجدت الأمة من مجددين مخلصين أو مجاهدين ناصحين فإنهم لن يزيدوا على أن يجرعوا أمتهم سما زعافا ناقعا لا ترياقا شافيا نافعا، ومهما ضعفت الأمة وانهارت قواها وخرت عاجزة بين أيديهم فلن يفعلوا أكثر من أن يعطوها مزيدًا من جرعات الترياق (السم) إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
لعلي قد أطلت عليكم بكثرة الكلام الممل والتشبيهات الباردة التي لم يفد القارئ منها شيئا، ولم يعرف بعد ما هو الترياق النافع الذي بدونه لا يستطيع المجدد أن يفعل شيئا؟ والذي اكتشف العدو سره فعمل على إفساده؟
لن أزيد على كلمة واحدة في تفسير هذا الترياق سوى كلمة (المنهج) تلك الكلمة التي نصرخ بها في كل واد وميدان، ونصدح بها في كل مناسبة بالبنان واللسان، إنه المنهج الذي عاشت به الأمة قرونًا بعدما تعرضت لضربات التتار الغاشمة وهجمات الصليبيين الحاقدة، هذا المنهج الذي كان يجمع به المجددون ما تشتت من شمل الأمة وما تمزق من وحدتها، وإن هذا المنهج يا سادة لم يكن ثرثرة فارغة ولا خطبا حماسية تافهة تلهب النفوس وتشعل الحماس وتعلو بها الصرخات، حتى إذا جاءت صيحة الحق وقعقعة الحرب وقيل أيا خيل الله اركبي. لم تجد إلا الذين (ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم).
كانت الأمة تسير على منهج دقيق متكامل بكل ما تحمله هذا الكلمة من معان ومعالم عميقة ودقيقة، منهج في العقيدة، منهج في الشريعة، منهج في السلوك.
هذا الذي فهمه أعداؤنا ولم يفهمه مجددونا المعاصرون.
كان للأمة منهج في تقرير العقائد الإسلامية يقوم على مبدأ تنزيه رب العالمين عن مشابهة المخلوقين ذاتا وصفاتا وأفعالا، وكان هذا المنهج يعتمد في تقريره على النقل والعقل معا، وكان علماء وجهابذة هذا العلم الشريف من علماء أهل السنة الأشاعرة كالجويني والغزالي والرازي والآمدي وابن الجوزي والسعد والتقي السبكي وعامة الفقهاء والأصوليين هم حائط الصد المنيع ضد شبهات الملحدين والمبتدعين.
ولأمر ما غامض غير مفهوم أريد إقصاء العقل إقصاء كاملا عن هذا العلم، علم التوحيد، وحورب العقل محاربة شرسة بقوة وضرواة تحت دعوى تبعية العقل للنقل والعودة إلى طريقة السلف الصالح الذين كانوا أطهر قلوبا وأصفى عقيدة وأنقى سيرة وسريرة، ومع ذلك لم يعرفوا تلك الطرق العقلية الفلسفية المعقدة التي أعتمد عليها علماء الكلام الأشاعرة في تقرير العقائد والاستدلال عليها بالطرق العقلية التي ادعوا بأنها طرق عقلية عقيمة.
كان ابن تيمية - رحمه الله وغفر له – الفقيه الحنبلي المتوفى 728 هـ الذي كان يصرح في كتبه وفتاواه في مواضع كثيرة أن التشبيه والتجسيم لا يمكن أبدا أن يأتي النقل من القرآن أو السنة بنفيهما عن رب العالمين سبحانه، وزعم أن طريقة القرآن أقرب إلى إثبات التجسيم والتشبيه من نفيهما، وأن كل الأدلة التي اعتمدها المتكلمون في نفي الجسمية عن صفات رب العالمين سبحانه وتعالى ليست أدلة كتاب أو سنة بل هي أدلة عقلية صرفة، وعلى الرغم من أن ابن تيمية لم يصرح تصريحا كاملا بالتجسيم إلا أننا نلحظ ما لحظه الشيخ خليل الهراس في كتابه (ابن تيمية باعث النهضة السلفية) أن ابن تيمية كان إذا جاء ذكر المنزهة من الأشاعرة وعلماء الكلام حمل عليهم ونسبهم إلى كل شر ونقيصة، وإذا جاء ذكر المجسمة والمشبهة تلطف بهم وترفق ولم ينكر عليهم كبير إنكار، وتلك ملاحظة دقيقة من الشيخ الهراس العالم المتخصص الذي يرى أن ابن تيمية باعث النهضة السلفية.
وتحت دعوى الرجوع والعودة لمنهج السلف الصالح كان ابن تيمية يحاول أن يدمر علم الكلام وسائر العلوم العقلية تدميرا ، وجعل أغلب مؤلفاته في محاولة هدم هذا البناء الضخم، وكتابه في نقض المنطق أكبر شاهد ودليل على ذلك، لقد كانت هجمته وخصومته مع العقل والمنطق شديدة، ونسب الأشاعرة وهم أغلب علماء هذه الأمة لكل نقيصة حتى سماهم مخانيث المعتزلة، وهم لا شك فحول هذه الأمة وحملة علومها في شتى المجالات والميادين.
لم تكن صرخة ابن تيمية ضد العلوم العقلية والمنطقية صرخة ذات أثر أو بال في وقته، ذلك أن العلوم العقلية والمنطقية قد تغلغلت وثبتت أركانها ودعائمها في أغلب العلوم الشرعية واللغوية بل والحديثية، فعلى أساس علم المنطق وضعت التعاريف والاصطلاحات والمناقشات والاعتراضات والنقود والردود والقواعد والضوابط والمناظرات وشيدت المصنفات والمؤلفات في شتى العلوم والفنون، وكان هذا البناء العلمي من الشموخ والارتفاع بمكان بحيث لم تؤثر فيه تلك الصيحات الضعيفة التي حاولت النيل منه واقتلاعه من جذوره، أضف إلى ذلك أن أساطين وجهابذة وحماة العلوم في هذا الوقت لم يرهبهم كثيرا تهويل ابن تيمية غفر الله له بما ادعاه من اتباعه وحده دون غيره طريقة السلف الصالح وأن عامة علماء الأمة كانوا في الضلال المبين.
ولكن ما كان زيفا في هذا الوقت أصبح ذهبا رائجا في زماننا هذا، ورحم الله من قال: هذا زمن الزيف.
لو نظر ابن تيمية غفر الله له ومن ينتمي إلى فكره اليوم إلى أن الرسل والأنبياء جميعا كانوا يبعثون بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة التي تؤيدهم وتثبت أنهم رسل من عند الله تعالى، ثم يضعون هذه المعجزات على ميزان العقول الإنسانية والبراهين المنطقية، وهذه العقول التي جعلها الله مناطا للتكليف وطريقا لقبول الهداية والرشاد، هي التي تميز بين ما يأتي به الأنبياء والمرسلين من خوارق العادات والمعجزات وبين ما يشعوذ به الدجاجلة والسحرة من تمهويات وخزعبلات.
إنه العقل الذي نظر إلى ما جاء به موسى فهتف قائلا (آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) سبحان من خلقه وأودع فيه العلم والنور الذي جعله يفرق بين الخالق الذي خلق المعجزة وأجراها وبين من ظهرت على يديه وتلقاها. فلم يقل: آمنا بموسى وهارون. بل قال: (آمنا برب هارون وموسى).
هذا العقل الذي اهتدى بنور (ليس كمثله شيء) فأدرك واعتقد جزما أن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه فهو ليس جسما ولا تحويه جهة ولا مكان ولا يمر به وقت أو زمان، ولا يحمله ولا عرش ولا ملائكة.
هذا هو العقل الذي جعله الله تعالى ميزانا توزن به العقائد الحقة من العقائد الباطلة، ويفرق به بين الرسول والدجال، والهدى والضلال.
كيف يُقصى العقل إذن وكيف يبعد من مجاله وميدانه؟ من علم التوحيد؟
لن أفتشس في النوايا والمقاصد، ولكن لابد أنظر إلى النتائج المدمرة التي صرنا إليها الآن بسبب تعظيم منهج إقصاء العقل بعيدًا عن النقل، بحجة أن السلف الصالح لم يستعملوا العلوم العقلية والقواعد المنطقية في تقرير العقائد الدينية.
للأسف الشديد انتشرت الأفكار الخبيثة وزادت البدع والأهواء وفشا التشبيه والتجسيم بل ها هي فتنة الإلحاد تطل برأسها والأفكار الشاذة الغريبة التي ترد إلينا عبر وسائل الأعلام الحديثة المتطورة لا سيما الأنترنت تغزو عقول أبنائنا، ودعاة الباطل يقولون : إياكم والعقل . والله تعالى يقول (قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
كان هذا هو الفساد الأول الذي حل بالفكر الإسلامي في مجال علم العقائد والديانات. وهو الركن الأول والأهم في المنهج الحامي الذي أسميناه سالفا بالترياق.
ثمة فساد آخر يتعلق بالتشريع الفقهي، والعمل على تدمير منظومة المذاهب الأربعة ، وهي المنظومة العلمية المحكمة المتقنة، المدعمة بعلوم أصول الفقه والقواعد والضوابط الفقهية وعلوم المقاصد الشرعية الكلية والجزئية، وقد كان لتدمير هذه المنظومة التي تلقتها الأمة بالقبول في مجال نقل الأحكام الشرعية، أثر عظيم في فساد حياتنا العامة والخاصة، بعد أن فتح باب الاجتهاد على مصراعيه دون ضابط ولا رابط، وأصبحت الفتوى في دين الله أمرًا أيسر وأهون على كثير ممن يتصدرون لها من حلاقة رأس طفل أو خبز رغيف في فرن، حدث هذا مع غياب منظومة المذاهب المعتمدة منذ أن طنطن على خرابها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده ورشيد رضا ثم ما فقس من بيض أفراخ مدرسة التجديد الماسوني في أوائل القرن السالف ممن رأوا أنه لا سبيل إلى نهضة الأمة إلا بعودتها – زعموا – إلى الكتاب والسنة، ولن نعود إلى الكتاب والسنة إلى بأن ندمر موروثنا الفقهي والحضاري المتمثل في المذاهب الأربعة المتبوعة.
هكذا زعموا وعلى هذا عمل بعضهم بسوء نية وكثير منهم ببلاهة وحسن نية حتى صرنا إلى فوضى الاجتهاد العارمة، التي طالت الأموال والدماء والأعراض والحاكم والمحكوم، ولم تبق ولم تذر.
لقد كان تدمير المنهج الفقهي وعلم أصول الفقه بالذات هو الثلمة الثانية في بناء المنهج الحق لهذه الأمة، والصدمة الثانية التي عملت على تصدعيه وتدميره، فإذا كان الفقه بلا أصول ولا قواعد ولا ضوابط ولا منهج فما أكثر الفقهاء والمفتين والمجتهدين إذن، لذلك تكالب أصحاب الأهواء والشهوات وأرباب المصالح وعبدة المال والشهرة على تدمير هذا المنهج لأنهم عاحزون عن التقيد به أو بأي منهج، أعياهم فهم المنهج بتفاصيله ودقائقه المتراكمة التي لا يدركها إلا الراسخون في العلم، وهم لا يستطيعون جمع الأتباع والمريدين كالخراف الضالة يمينا وشمالا إن هم تعلموا والتزموا منهجا محددا فالمنهج يلجم صاحبه وعدم المنهجية يسمح بكل شيء، يسمح بالتناقض، يسمح بالتشدد والتضييق، يسمح بتحويل مسائل الفقه الخلافية إلى مسائل اعتقادية قطعية مما يوسع دائرة التكفير والتبديع، نعم يسمح بكل هذه الجرائم دون مراجعة ولا رقيب ولا حسيب، فلندمر هذه المذاهب الفقهية إذن تحت دعوى عدم التقليد الفقهاء واتباع الدليل من الكتاب والسنة، وتحت دعوى أن فقهاء المذاهب الأربعة قد فرقوا الأمة بآرائهم واجتهاداتهم المختلفة وهم رجال ونحن رجال ومن ثم لابد أن نتوحد على الكتاب والسنة ونترك المذاهب الأربعة، وتغافل هؤلاء عن حقيقة هامة إن حملة الكتاب والسنة هم أنفسهم أئمة المذاهب الأربعة وتلاميذهم وأنه لا خصومة بين القرآن والسنة وبين المذاهب الفقهية بل إن المذاهب الفقهية بمنظومتها الاستدلالية الدقيقة هي التي أوضحت وشرحت لنا مقاصد ومرامي الكتاب والسنة، والنتيجة الحتمية للخروج عن هذه الطريقة المتبوعة المرضية أن زادت هوة الخلاف والشقاق بين أبناء الأمة؛ فإن عدم المنهج وكثرة المتصدرين للفتوى لم يكن أبدًا سببا في تضييق دائرة الخلاف بل على العكس تماما.
أضف إلى ذلك اتساع دائرة الأنكار والشقاق والخصام والتنابذ والصراع بين المختلفين حول الفروع الفقهية. لماذا؟ لأن الأمة خرجت من المنهج إلى اللامنهج إلى الفوضى.
وإذا فسدت عقائد الناس بإقصاء العقل، وتخبطت دروبهم في الأحكام والفتيا بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه بلا ضابط ولا رابط، فلا شك أنه من السهولة بمكان تدمير الدعامة الثالثة من دعائم المنهج، وهي دعامة السلوك والتصوف، فانتشرت أسباب الغل والحقد والكراهية والحسد والطمع في عرض الدنيا الفانية وانتشر البعد عن الزهد والطهارة الباطنية والصديقية والروحانية وعفة النفس واللسان والمداومة على الفكر والذكر والتعلق بالله تعالى والتخلق بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، دمرت الأخلاق المحمدية في نفوس المسلمين، مع ما تهدم من المنهج العاصم، وربما نحتاج إلى تحليل وكلام كثير في قضية السلوك ومحاولة تدمير علوم التصوف وتدمير معالمه.
هذا هو المنهج الذي ابتعدت عنه الأمة ولم تستبدل به شيئا يذكر، والأمة لن تجني من البعد عن المنهج الحق الموروث إلا مزيدا من الفرقة والألم والجهل والتخلف والتشرذم والتيه، لأننا إذا كنا نعتقد حقا أن نجاتنا في اتباع الأسلاف الصالحين فإن السلم الذي نصعد عليه إلى منهج هؤلاء الأسلاف هو المنهج الموروث عبر القرون، وتدمير المنهج والقفز قفزا من القرن الخامس عشر الهجري إلى القرن الأول لن يذهب بنا إلا إلى التيه والهاوية والضلال وهذا مشاهد.
إن لم تكن تشهد لحي سعاد*** لا تنزلن منازل الآساد.
فإذا فعلت فخذ أمامك سيدا*** يحميك من طرد ومن إبعاد.
وأستغفر الله العظيم.
العارف بالله الدكتور الشيخ عبدالحليم محمود رحمه الله تعالى شيخ الأزهر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
فساد المنهج وأثره في في الفوضى الدينية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: خطب دينية-
انتقل الى: