الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة الزمر الجزءالثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 657
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الزمر الجزءالثاني   السبت يناير 31, 2015 10:52 pm


((القسم العاشر من تفسير سورة الزمر ))

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ(37) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ(40)}
شرح الكلمات:
أليس الله بكاف عبده؟ : بلى هو كاف عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كل ما يهمه.
ويخوفونك بالذين من دونه : أي بالأصنام والأوثان أن تصيبك بما يسوءك ويضرك.
أليس الله بعزيز ذي انتقام: بلى هو عزيز غالب على أمره صاحب انتقام شديد على من عاداه.
ليقولن الله : أي لوضوح البرهان وقوة الدليل وانقطاع الحجة.
قل أفرأيتم : أي أخبروني.
هل هن ممسكات رحمته : والجواب لا لا إذاً فقل حسبي الله، ولا حاجة لي بغيره.
اعملوا على مكانتكم : أي على حالتكم التي أنتم عليه من الكفر والعناد.
إني عامل : أي على حالتي التي أنا عليها من الإيمان والانقياد.
من يأتيه عذاب يخزيه : أي في الدنيا بالقتل والأسر والجوع والقحط.
ويحل عليه عذاب مقيم: أي وينزل عليه عذاب مقيم لا يبرح وهو عذاب النار بعد الموت.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الدفاع عن الرسول والرد على مناوئيه وخصومه الذين استبطأوا موته فرد الله تعالى عليهم بقوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} فلا شماتة إذاً في الموت .
وقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} دال على أن القوم حاولوا قتله صلى الله عليه وسلم لما لم يمت بأجله وفعلاً قد قرروا قتله وأعطوا الجوائز لمن يقتله، ففي هذه الآية طمأن الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام على أنهم لا يصلون إليه وأنه كافيه مؤامراتهم وتهديداتهم فقال عز وجل أليس الله بكاف عبده؟ والجواب بلى إذ الاستفهام تقريري كافيه كلَّ ما يهمه ويسوءه.
وقوله: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} أي ويخوفك يا رسولنا المشركون بما يعبدون من دوننا من أصنام وأوثان بأن تصيبك بقتل أو خبل فلا يهمك ذلك فإن أوثانهم لا تضر ولا تنفع ولا تجلب ولا تدفع، وقوله: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} ، وقد هداك ربك فليس لك من يضلك أبداً، كما أن من أضله الله كقومك فليس له من هادٍ يهديه أبداً.
وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} بلى فهو إذاً سينتقم من أعدائه لأوليائه إن استمروا في أذاهم وكفرهم وعنادهم، وقد فعل سبحانه وتعالى.
وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أي أوجدهما من غير مثال سابق {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فما دام اعترافهم لازماً بأن الله تعالى هو الخالق فلم عبادة غيره والإصرار عليها مما أفضى بهم إلى أذية المؤمنين وشن الحرب عليهم.
وقوله: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي من الأصنام والأوثان أخبروني {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ} ما {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} صحة وعافية وغنى ونصر {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ}
والجواب لا فإنها جماد لا تقدر على إعطاء ولا على إمساك إذاً فقل حسبي الله أعبده وأتوكل عليه إذ هو الذي يضر وينفع ويجلب الخير ويدفع السوء والشر.
وقوله {عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} أي على الله وحده يتوكل المتوكلون فيثقون في كفايته لهم فيفوضون أمورهم إليه ويتعلقون به وينفضون أيديهم من غيره.
وقوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي لما أبيتم إلا العناد مصرين على الشرك بعد ما قامت الحجج والأدلة القاطعة على بطلانه فاعملوا على مكانتكم أي حالتكم التي عليها من الشرك والعناد
{إِنِّي عَامِلٌ} أنا على حالتي من الإيمان والتوحيد والانقياد.
والنتيجة ستظهر فيما بعد لا محالة ويعلم المحق من المبطل، والمهتدي من الضال وهي قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}
أي يذله ويكسر أنفه بالقتل والأسر والجوع والقحط وقد أصاب المشركين هذا في مكة وبدر.
وقوله: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} وهو عذاب النار في الآخرة نعوذ بالله من العذابين عذاب الخزي في الحياة الدنيا وعذاب النار في الدار الآخرة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير كفاية الله وولايته لعباده المؤمنين وخاصة ساداتهم من الأنبياء والأولياء.
2- تقرير مقتضى الولاية وهو النقمة من أعدائه تعالى لأوليائه وإن طال الزمن.
3- تقرير التوحيد وإبطال التنديد.
4- مظاهر ربوبية الله الموجبة لألوهيته.
5- وجوب التوكل على الله واعتقاد كفايته لأوليائه.
6- تقرير إنجاز الله وعده لرسوله والمؤمنين.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الحادي عشر من تفسير سورة الزمر ))

{إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ(43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(45)}
شرح الكلمات:
إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق : أي أنزلنا عليك يا رسولنا القرآن بالحق أي ملتبسا به.
وما أنت عليهم بوكيل : أي ليس عليك أمر هدايتهم فتجبرهم على الإيمان.
الله يتوفى الأنفس حين موتها: أي ينهي حياة العباد بقبض أرواحهم عند نهاية آجالهم.
والتي لم تمت في منامها : أي يتوفاها وقت النوم يحبسها عن التصرف كأنها شيء مقبوض.
فيمسك التي قضى عليها الموت: يقبضها لحكمة بالموت عليها حال النوم.
ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى : أي التي لم يحكم بموتها يرسلها فيعيش صاحبها إلى نهاية أجله المعدود له.
إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون : أي في قبض الأرواح وإرسالها، والقدرة على ذلك دلائل وبراهين على قدرة الله تعالى على البعث الذي أنكره المشركون.
أم اتخذوا من دون الله شفعاء : أي كفار مكة لا يتفكرون ولو كانوا يتفكرون لما أنكروا البعث، ولا ما اتخذوا من دون الله شفعاء لوضوح بطلان ذلك.
قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً : أي قل لهم أيشفع لكم شركاؤكم ولو كانوا لا يملكون شيئاً ينكر عليهم دعواهم الشفاعة لهم وهي أصنام لا تملك ولا تعقل.
قل لله الشفاعة جميعا : أي أخبرهم أن جميع الشفاعات لله وحده فشفاعة الأنبياء والشهداء والعلماء والأطفال مملوكة لله فلا يشفع أحد إلا بإذنه.
وإذا ذكر الله وحده اشمأزت : أي وإذا ذكر الله وحده كقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله نفرت نفوس المشركين وانقبضت وظهر الغضب والسخط في وجوههم.
وإذا ذكر الذين من دونه : أي الأصنام والأوثان التي يعبدونها من دون الله تعالى.
إذا هم يستبشرون : أي فرحون جذلون وذلك لافتتانهم بها ونسيانهم لحق الله تعالى وهو عبادته وحده مقابل خلقه ورزقه لهم.
معنى الآيات:
إن السياق الكريم كان في عرض الصراع الدائر بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه المشركين فدافع الله تعالى عن رسوله ودفع عنه كل أذى ومكروه وتوعد خصومه بالعذاب في الدنيا والآخرة وهنا يسليه ويصبره فيقول له {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} أي القرآن {لِلنَّاسِ} أي لهداية الناس وإصلاحهم {بِالْحَقِّ} أي ملتبساً بالحق، فمن اهتدى بالقرآن فآمن وعمل صالحاً فعائد ذلك له حيث ينجو من النار ويدخل الجنة، ومن ضل لعدم قبوله هداية القرآن فأصر على الشرك والمعاصي فإنما يضل على نفسه أي عائد ضلاله على نفسه إذ هو الذي يحرم الجنة ورضا الله تعالى ويُلقى
في النار خالداً فيها وعليه غضب من الله لا يفارقه أبدا.
وقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} أي لم يوكل إليك أمر هدايتهم فتجد نفسك في هم من ذلك إن عليك إلا البلاغ المبين إنك لم تكلف حفظ أعمالهم ومحاسبتهم عليها، ولا أمر هدايتهم فتجبرهم على ذلك.
وقوله تعالى في الآية الثانية من هذا السياق (42):
{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} أي يقبض أرواحها {حِينَ مَوْتِهَا} أي عند نهاية أجلها فيأمر تعالى ملك الموت فيخرج الروح بإذن الله ويقبضها، {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} أي يقبضها بمعنى يحبسها عن التصرف، حال النوم، فإن أراد موتها قبضها ولم يردها إلى جسدها، وإن لم يرد وفاتها أرسلها فتعود إلى الجسد ويعيش صاحبها إلى الأجل المسمى له وهي نهاية عمره إن في ذلك القبض للروح والإرسال، والوفاة والإحياء لآيات أي دلائل وحجج كلها قاضية بأن القادر على هذا قادر على البعث والنشور الذي كذب به المشركون كما ن صاحب هذه القدرة العظيمة هو صاحب الحق المطلق في الطاعة والعبادة ولا تنبغي العبادة إلا له. وقوله {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم الأحياء بالإيمان أما الأموات وهم الكافرون فلا يجدون في ذلك آية ولا دليلاً لموتهم بالشرك والكفر.
وقوله تعالى في الآية الثالثة (43): {أَمِ اتَّخَذُوا(3) مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ} أي بل اتخذ المشركون الذين كان المفروض فيهم أن يهتدوا على الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة لو كانوا يتفكرون بدل أن يهتدوا إلى توحيد الله اتخذوا من دونه أوثاناً سموها شفعاء يرجون شفاعتها لدى الله في قضاء حوائجهم. وذلك لجهلهم وسخف عقولهم. قال تعالى لرسوله: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ} أي قل لهم أيشفعون لكم ولو كانوا لا يملكون شيئا من أسباب الشفاعة ومقتضياتها ولو كانوا لا يعقلون معنى الشفاعة ولا يفهمونه لأنهم أصنام وأحجار والاستفهام للتبكيت والتقريع. لو كان القوم يشعرون. ثم أمر تعالى رسوله أن يعلن عن الحقيقة وإن كانت عند المشركين مُرة {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} أي جميع أنواع الشفاعة هي ملك لله مختصة به فلا يشفع أحد إلا بإذنه، إذاً فاطلبوا الشفاعة من مالكها الذي له ملك السموات والأرض، لا ممن هو مملوك له، ولا يعقل حتى معنى الشفاعة ولا يفهمها وقوله ثم إليه ترجعون أي بعد الموت أحببتم أم كرهتم؟ فاتخذوا لكم يداً عنده بالإيمان به وتوحيده في عبادته.
وقوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} هذا كشف عن حال المشركين، وما هم عليه من الجهل والسفه إنه إذا سمعوا لا إله إلا الله ينفرون وينقبضون ويظهر ذلك غضباً في وجوههم، يكادون يسطون على من قال لا إله إلا الله، وإذا ذكر الذين من دونه أي وإذا ذكر الأصنام التي يعبدونها من دون الله إذا هم يستبشرون فرحون مسرورون، وهذا عائد إلى افتتانهم بأصنامهم، ونسيانهم لحقوق ربهم عليهم وهي الإيمان به وعبادته وحده مقابل ما خلقهم ورزقهم ودبر حياتهم، ولكن أنى لأهل ظلمة النفس وانتكاس القلب أن يعوا ويفهموا؟.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر والثبات في أصعب الظروف.
2- مظاهر قدرة الله في الموت والحياة مما يقتضي الإيمان به وبلقائه وتوحيده.
3- إبطال حجة المشركين في عبادة الأوثان من أجل الشفاعة لهم إذا الشفاعة كلها لله.
4- بيان خطأ من يطلب الشفاعة من غير الله، إذ لا يملك الشفاعة إلا هو.
5- بيان سفه المشركين وضلالهم في غضبهم عند سماع التوحيد، وفرحهم عند سماع الشرك.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثاني عشر من تفسير سورة الزمر ))

{قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ(47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(48)}
رواه مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح به صلاته من الليل وروي عن سعيد بن جبير أنه قال إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه قوله {قل اللهم فاطر السموات} .. الخ".
شرح الكلمات:
قل اللهم فاطر السموات والأرض: قل يا نبينا: يا الله خالق السموات والأرض.
عالم الغيب والشهادة : أي يا عالم الغيب وهو كل ما غاب عن الأبصار والحواس والشهادة خلاف الغيب.
فيما كانوا فيه يختلفون : أي من أمور الدين عقائد وعبادات.
ولو أن للذين ظلموا : أي ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي.
وبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون: أي وظهر لهم من عذاب الله ما لم يكونوا يظنونه.
وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: وأحاط بهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزئون به.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ} هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله أن يفزع إليه بالدعاء والضراعة إذ استحكم الخلاف بينه وبين خصومه وضاق الصدر أي قل يا رسولنا يا الله {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي خالقهما، {عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي ما غاب عن الأبصار والحواس فلم يُدرَك، والشهادة وهو ما رؤي بالأبصار وأدرك بالحواس {أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ} مؤمنهم وكافرهم {فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون} من الإيمان بك وبلقائك وصفاتك وعبادتك ووعدك ووعيدك اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم.
وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي أنفسهم بالشرك وهو الظلم العظيم وبغشيان المعاصي والذنوب لو أن لهم عند معاينة العذاب يوم القيامة {مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} من أموال ونفائسها ومثله معه وقبل منهم الفداء {لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ} ولما تردّدوا أبداً وهذا دالٌّ على شدّة العذاب وأنه لا يطاق ولا يحتمَل مع حرمانهم من الجنة ونعيمها.
وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} أي وظهر لهم أي لأولئك الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم وإذا ذكرت الأصنام فرحوا بذلك واستبشروا وبدا لهم من ألوان العذاب ما لم يكونوا يظنون ولا يحتسبون. وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي من الشرك والكفر والفسق والعصيان أي ظهر لهم وتجلى أمامهم فاشتد كربهم وعظم الأمر عندهم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أي أحاط بهم وحدق عليهم العذاب الذي كانوا إذا ذكر لهم وعيداً وتخويفاً استهزءوا به وسخروا منه وممن ذكرهم به ويخوفهم منه كالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- مشروعية اللجوء إلى الله تعالى عند اشتداد الكرب وعظم الخلاف والدعاء بهذا الدعاء وهو "اللهم ربّ
جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" إذ ثبتت السنة به. والآية ذكرت أصله.
2- بيان عظم العذاب وشدته يوم القيامة وأن المرء لو يقبل منه فداء لافتدى منه بما في الأرض من أموال ومثله
معه.
3- التحذير من الاستهزاء بأخبار الله تعالى ووعده ووعيده.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثالث عشر من تفسير سورة الزمر ))

{فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ(51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(52)}
شرح الكلمات:
فإذا مس الإنسان ضر دعانا : أي أصاب الإنسان الكافر ضر أي مرض وغيره مما يضره دعانا أي سأل كشف ضره.
ثم إذا خولناه نعمة منا : ثم إذا خولناه أي أعطيناه نعمة منا من صحة أو مال وغيرهما.
قال إنما أوتيته على علم : قال أي ذلك الكافر إنما أوتيت ذلك العطاء على علم من الله بأني أستحقه.
بل هي فتنة : أي تلك النعمة لم يعطها لأهليته لها، وإنما أعطيها فتنة واختباراً له.
ولكن أكثرهم لا يعلمون : أي أن ما أعطوه من مال وصحة وعافية هو فتنة لهم وليس لرضا الله تعالى عنهم.
قد قالها الذين من قبلهم : أي قال قولتهم من كان قبلهم كقارون فلم يلبثوا أن أخذوا فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم : أي والذين ظلموا بالشرك من هؤلاء أي من كفار قريش.
سيئات ما كسبوا : أي كما أصاب من قبلهم وقد أصابهم قحط سبع سنين وقتلوا في بدر.
وما هم بمعجزين : أي فائتين الله تعالى ولا غالبين له.
أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق : أي أقالوا تلك المقالة ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق.
لمن يشاء ويقدر : أي يوسعه لمن يشاء امتحانا، ويضيقه ابتلاء.
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون: أي إن في ذلك المذكور من التوسعة امتحانا والتضييق ابتلاء لآيات أي علامات على قدرة الله وكمال تدبيره لأمور خلقه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في بيان حيرة المشركين وفساد قلوبهم نتيجة كفرهم وجهلهم فقوله تعالى:
{فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} يعني ذاك الكافر الذي إذا ذكر الله وحده اشمأزت نفسه وإذا ذكرت الأوثان سُر وفرح واستبشر هذا الإنسان إذا مسّه ضرّ من مرض أو غيره مما يضر ولا يسر دعا ربه منيباً إليه ولم يشرك معه فيه هذه الحال أحداً لعلمه أن الأوثان لا تكشف ضراً ولا تعطي خيراً، وإذا خوله الله تعالى نعمة من فضله ابتلاء له قال إنما أوتيت الذي أوتيت على علم من الله بأني أهل لذلك، فأكذبه الله تعالى فقال بل هي فتنة، ولكن أكثرهم أي أكثر المشركين لا يعلمون أن الله تعالى إذا أعطاهم إنما أعطاهم ليفتنهم لا لحبه لهم ولا لرضا عنهم.
والدليل على أن ذلك العطاء للمشركين فتنة لا غير أن قولتهم هذه قد قالها الذين من قبلهم كقارون وغيره فلم يلبثوا حتى أخذهم الله بذنوبهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من أموال طائلة، قال تعالى:
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} فلم يؤاخذوا بدون ذنب بل أخذوا بذنوبهم وهو قوله تعالى فأصابهم سيئات ما كسبوا وقوله تعالى {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ} أي من كفار قريش سيصيبهم أيضاً سيئات ما كسبوا من الشرك والعناد والظلم، وما هم بمعجزين لله فائتينه أبداً وكيف وقد أصابهم قحط سبع سنين وقتلوا وأسروا في بدر والفتح.
وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي أقالوا مقالتهم تلك ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً له أيشكر أم يكفر ويقدر أي يضيق على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يضجر ويسخط فلم يكن بسطه الرزق حباً في المبسوط له، ولا التضييق كرهاً للمضيق عليه، وإنما البسط كالتضييق لحكمة التربية والتدبير، ولكن الكافرين لا يعلمون هذا فجهلهم بالحكم جعلهم يقولون الباطل ويعتقدونه أما المؤمنون فلا يقولون مقالتهم لعلمهم ونور قلوبهم فلذا هم يجدون الآيات في مثل هذا التدبير واضحة دالة على علم الله وحكمته وقدرته فيزدادون إيماناً ونوراً وبصيرة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان تناقض أهل الكفر والجهل والضلال في كل حياتهم لأنهم يعيشون على ظلمة الجهل والكفر.
2- تقرير ما من(1) مصيبة إلا بذنب جلي أو خفي كبير أو صغير.
3- بيان أن بسط الرزق وتضييقه على الأفراد أو الجماعات لا يعود إلى حب الله للعبد أو كرهه له، وإنما يعود لسنن التربية الإلهية وحكم التدبير لشؤون الخلق.
4- أهل الإيمان هم الذين ينتفعون بالآيات والدلائل لأنهم أحياء يبصرون ويعقلون أما أهل الكفر فهم أموات لا يرون الآيات ولا يعقلونها.
5- تهديد الله تعالى للظالمين ووعيده الشديد بأنه سيصيبهم كما أصاب غيرهم جزاء ظلمهم وكسبهم الفاسد.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الرابع عشر من تفسير سورة الزمر ))

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ(54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ(55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ(59)}
شرح الكلمات:
يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم: أي أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي.
لا تقنطوا من رحمة الله : أي لا تيأسوا من المغفرة لكم ودخول الجنة.
إن الله يغفر الذنوب جميعا: أي ذنوب من أشرك وفسق إن هو تاب توبة نصوحاً.
وأنيبوا إلى ربكم: أي ارجعوا إليه بالإيمان والطاعة.
وأسلموا له : أي أخلصوا له أعمالكم.
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم: أي القرآن الكريم فأحلوا حلاله وحرموا حرامه.
أن تقول نفس يا حسرتى : أي نفس الكافر والمجرم يا حسرتى أي يا ندامتي.
على ما فرطت في جنب الله : أي في جانب حق الله فلم أطعه كما أطاعه غيري.
وإن كنت لمن الساخرين : أي المستهزئين بدين الله تعالى وعباده المؤمنين.
لو أن لي كرة فأكون من المحسنين: أي لو أن لي رجعة إلى الدنيا فأكون إذاً من المؤمنين الذين أحسنوا القصد والعمل.
بلى قد جاءتك آياتي : أي ليس الأمر كما تزعم أنك تتمنّى الهداية بل قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت.
معنى الآيات:
لقد صح أن أناسا كانوا قد أشركوا وقتلوا وزنوا فكبر عليهم ذلك وقالوا نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسأله لنا هل لنا من توبة فإن قال: نعم، وإلا بقينا على ما نحن عليه وقبل أن يصل رسولهم نزلت هذه الآية {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي أفرطوا في ارتكاب الجرائم فكانوا بذلك مسرفين على أنفسهم {لا تَقْنَطُوا} أي لا تيأسوا {مِنْ رَحْمَةِ} في أن يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم الجنة، إن أنتم تبتم إليه وأنبتم {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} لمن تاب منها فإنه تعالى لا يستعصي عليه ذنب فلا يقدر على مغفرته وعدم المؤاخذة عليه إنه هو الغفور الرحيم.
وقوله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُون} أي أيها المذنبون المسرفون أنيبوا ربكم أي ارجعوا إلى طاعته بفعل المأمور وترك المنهي وأسلموا له أي أخلصوا أعمالكم ظاهراً وباطناً له مبادرين بذلك حلول العذاب قبل أن يحل بكم ثم لا تنصرون أي لا تقدرون على منعه منكم ولا دفعه عنكم.
{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} في هذا القرآن العظيم فامتثلوا الأمر واجتنبوا النهي وخذوا بالعزائم واتركوا الرخص مبادرين بذلك أيضاً حلول العذاب قبل أن يحل بكم بغتة أي فجأة وأنتم لا تشعرون به، بادروا بالتوبة والإنابة والإسلام الصادق ظرفاً تقول فيه النفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله أي يا حسرتى يا ندامتي الحاملة لي الغم والحزن احضري هذا وقت حضورك على تفريطي في جانب حق الله تعالى حيث ما عبدته حق عبادته فلا ذكرته ولا شكرت له {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} أي المستهزئين بدينه وعباده المؤمنين يا له من اعتراف يؤدي بصاحبه في سواء الجحيم، بادروا يا عباد الله هذا وذاك
{أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً} أي رجعة إلى الحياة الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} أي المؤمنين الذين أحسنوا النية والقصد والعمل.
قال تعالى رداً على تمنياتهم الكاذبة: {بَلَى} أي ليس الأمر كما زعمت أيها المتمني بقولك {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} للشرك والمعاصي التي وقعت بها في جهنم بل جاءتك آياتي هادية لك مرشدة فكذبت بها واستكبرت عن العمل بما جاء فيها وكنت من الكافرين بذلك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان فضل الله ورحمته على عباده بقبول توبة العبد إن تاب مهما كانت ذنوبه.
2- دعوة الله الرحيم إلى عباده المذنبين - بالإنابة إليه والإسلام الخالص له.
3- تقرير البعث والجزاء بذكر ما يحدث فيه وما يجري في ساحته من أهوال.
1- وجوب تعجيل التوبة والمبادرة بها قبل حلول العذاب في الدنيا أو الموت والموت أدهى وأمر حيث لا تقبل توبة بعد الموت أبداً.
2- الترغيب في الأخذ بالعزائم وترك الرخص لغير ضرورة.
3- إبطال مذهب الجبرية الذين يرون أنهم مجبورون على فعل المعاصي وغشيان الذنوب، كقول أحدهم لو أن الله هداني لفعلت كذا أو تركت كذا.
4- فضل التقوى والإحسان وفضل المتقين والمحسنين.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الخامس عشر من تفسير سورة الزمر ))

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ(60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(61) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ(64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ(66)}
شرح الكلمات:
ويوم القيامة : أي بأن يبعث الناس من قبورهم.
ترى الذين كذبوا على الله: أي باتخاذ أولياء من دونه وبالقول الكاذب عليه سبحانه وتعالى.
وجوههم مسودة : أي سوداء من الكرب والحزن وعلامة على أنهم من أهل النار وأنهم ممن كذبوا على ربهم.
أليس في جهنم مثوى للمتكبرين : أي أليس في جهنم مأوى ومستقر للمتكبرين؟ بلى إن لهم فيها لمثوى بئس هو من مثوى للمتكبرين عن عبادة الله تعالى.
وينجي الله الذين اتقوا : أي ينجيهم من النار بسبب تقواهم للشرك والمعاصي.
بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون : أي بفوزهم بالجنة ونزولهم فيها لا يمسهم السوء أي العذاب ولا هم يحزنون لما نالهم من النعيم.
له مقاليد السموات والأرض: أي مفاتيح خزائن السموات والأرض.
أولئك هم الخاسرون : أي الخاسرون لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
قل أفغير الله تأمروني أعبد: قل يا رسولنا للذين طلبوا منك أن تعبد معهم آلهتهم أتأمروني بعبادة غير الله، فهل تصلح العبادة لغيره وهو رب كل شيء وإلهه فما أسوأ فهمكم أيها الجاهلون.
لئن أشركت : أي من باب الفرض لو أشركت بالله غيره في عبادته لحبط عملك ولكنت من الخاسرين.
بل الله فاعبد وكن من الشاكرين: أي بل اعبد الله وحده، إذ لا يستحق العبادة إلاّ هو وكن من الشاكرين له على إنعامه عليك بالنبوة والرسالة والعصمة والهداية.
معنى الآيات:
لقد تقدم في السياق الأمر بتعجيل التوبة قبل الموت فيحصل الفوت، وذلك لأن يوم القيامة يوم أهوال وتغير أحوال وفي الآيتين الآتيتين بيان ذلك قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ} بأن نسبوا إليه الولد والشريك والتحليل والتحريم وهو من ذلك براء هؤلاء {وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} علامة أنهم كفروا وكذبوا وأنهم من أهل النار.
وقوله تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ } أي بلى في جهنم مأوى ومستقر للمتكبرين الذين تكبروا عن الإيمان والعبادة. وقوله تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ} أي تلك حال وهذه أخرى وهي أن الله تعالى ينجي يوم القيامة الذين اتقوا الشرك والمعاصي بالإيمان والطاعة هؤلاء بفوزهم بالجنة لا يمسهم السوء في عرصات القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم في الدنيا لأن ما نالهم من نعيم الجنة أنساهم ما تركوا وراءهم وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي ما من كائن سوى الله تعالى إلا وهو مخلوق والله خالقه {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي قيم حافظ، فسبحانه ما أعظم قدرته وما أوسع علمه فلذا وجبت له العبادة ولم تجز فضلاً عن أن تجب لسواه.
وقوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي له ملكاً حقاً مفاتيح خزائن الرحمات والخيرات والبركات فهو يفتح ما يشاء ويمسك ما يشاء فلا يصح الطلب إلا منه ولا تجوز الرغبة إلا فيه وما عبد الناس الأوثان والأصنام إلا رغبة ورهبة فلو علموا أن رهبتهم لا تكون إلا من الذي يقدر على كل شيء وأن رغبتهم لا تكون إلا في الذي بيده كل شيء لو علموا هذا ما عبدوا غير الله تعالى بحال.
وقوله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ} الحاوية لإيمانه وصفاته وبيان محابه ومكارهه وحدوده وشرائعه ولذا من كفر بآيات الله فلم يؤمن بها ولم يعمل بما فيها خسر خسراناً مبيناً بحيث يخسر يوم القيامة نفسه وأهله، وذلك هو الخسران المبين.
وقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ} الآية هذا ردّ على المشركين الذين طلبوا من الرسول أن يعترف بآلهتهم ويرضى بها مقابل أن يعترفوا له بما جاء به ويدعو إليه فأمر تعالى أن يفاصلهم بقوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} لن يكون هذا مني أبداً كيف أعبد غير الله وهو ربي ومالك أمري وهو الذي كرمني بالعلم به وأوحى إليّ شرائعه. فلتيأسوا فإن مثل هذا لن يكون أبداً، ووصفهم بالجهل لأن جهلهم بالله وعظمته هو الذي سول لهم عبادة غيره والتعصب لها.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ} أي أوحى الله إليك كما أوحى إلى الأنبياء من قبلك بالتالي وهو وعزة الله وجلاله {لَئِنْ أَشْرَكْت} بنا غيرنا في عبادتنا ليحبطن عملك أي يبطل كله ولا تثاب على شيء منه وإن قل، ولتكونن بعد ذلك من جملة الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين. ثم أمر تعالى رسوله مقرراً التوحيد مبطلاً الشرك بقوله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} أي الله وحده فاعبده وكن من الشاكرين له على إنعامه وإفضاله عليك.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- اسوداد الوجه يوم القيامة علامة الكفر والخلود في جهنم.
2- ابيضاض الوجوه يوم القيامة علامة الإيمان والخلود في الجنة.
3- تقرير البعث والجزاء بوصف أحواله وما يدور فيه.
4- بيد الله كل شيء فلا يصح أن يطلب شيء من غيره أبداً، ومن طلب شيئاً من غير الله فهو من أجهل الخلق.
5- التنديد بالشرك وبيان خطورته إذ هو محبط للأعمال بالكلية.
6- وجوب عبادة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه ووجوب حمده وشكره إذ كل إنعام منه وكل إفضال له. فلله الحمد والمنة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السادس عشر من تفسير سورة الزمر ))

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ(69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ(70)}
شرح الكلمات:
وما قدروا الله حق قدره : أي ما عظموا الله حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته حين أشركوا في عبادته غيره من أوثانهم.
والأرض جميعاً قبضته : أي والأرض بجميع أجزائها قبضته.
والسموات مطويات بيمينه: أي والسموات السبع مطويات بيمينه.
سبحانه وتعالى عما يشركون : أي تقدس وتنزه عما يشرك به المشركون من أوثان.
ونفخ في الصور : أي نفخ إسرافيل نفخة الصعق.
ثم نفخ فيه أخرى : أي مرة أخرى وهي نفخة القيام لرب العالمين.
وأشرقت الأرض بنور ربها : أي أضاءت الأرض بنور الله تعالى حين يتجلى لفصل القضاء.
ووضع الكتاب : أي كتاب الأعمال للحساب.
وجيء بالنبيين والشهداء : أي بالنبيين ليشهدوا على أممهم، والشهداء محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
وفضي بينهم بالحق : أي بالعدل وهم لا يظلمون لا بنقص حسناتهم ولا بزيادة سيئاتهم.
وهو أعلم بما يفعلون : أي أعلم حتى من العاملين أنفسهم.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
إنه بعد أن قرر تعالى التوحيد وندد بالشرك والمشركين أخبر تعالى ناعيا على المشركين شركهم ودعوتهم نبيه للشرك بأنهم بفعلهم ذلك ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق عظمته وذلك لجهلهم به تعالى حين عبدوا معه غيره ودعوا نبيه إلى دلك، وقوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فالذي يجعل الأرض بكل طبقاتها وأجزائها في قبضته والسموات يطويها بيمينه فالسموات والأرض جميعا في يده، ويقول أنا الملك أين الملوك.
شاهده في البخاري قوله صلى الله عليه وسلم "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ وفي الترمذي وصححه عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} قالت قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على جسر جهنم، وفي رواية على الصراط يا عائشة".
فصاحب هذه القدرة العظمى كيف يعبد معه آلهة أخرى هي أصنام وتماثيل أوثان.
لذا نزه تعالى نفسه بقوله {سُبْحَانَهُ} أي تنزه وتقدس عن الشريك والنظير والصاحبة والولد وعن صفات المحدثين، وتعالى عما يشركون أي ترفع عن أن يكون له شريك وهو رب كل شيء ومليكه.
وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} الصور البوق ينادى به البعيد المتفرق مثل الجيش، والمراد هنا نداء الخلق لحضور الحشر أحياء للحساب والجزاء.
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} الآية هذا عرض لمظاهر القدرة التي يتنافى معها عقلاً وجود من يستحق العبادة معه سبحانه وتعالى، والنافخ في الصور أي البوق إسرافيل قطعاً إذ هو الموكل بالنفخ في الصور فإذا نفخ هذه النفخة صعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فهذا استثناء دال على أن بعضاً من المخلوقات لم يصعق في هذه النفخة، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ} أي في الصور نفخة {أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} هذه النفخة تسمى نفخة القيام لله رب العالمين لأجل الحساب.
بالتتبع للآيات القرآنية المتضمنة لأحوال الدار الآخرة نجد أن النفخات للصور أربع نفخات: وهي نفخة الفناء، ونفخة البعث، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين. وفي هذه الآيات ذكر نفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين سميت هذه نفخة صعق لأن الخلائق يصعقون ولا يموتون بدليل حديث البخاري "فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى" لفظ مسلم . قال القرطبي والإفاقة إنما تكون من غشية وزوال عقل لا عن موت برد الحياة والله أعلم.
وقوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ} أي كتاب الأعمال للحساب {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ} ليشهدوا على أممهم وجيء بالشهداء وهم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون على الأمم السابقة بأن رسلها قد بلغتهم دعوة الله، وشهادة أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قائمة على ما أخبرهم تعالى في كتابه القرآن الكريم أن الرسل قد بلغت رسالات ربها لأممها، ويدل لهذا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي خياراً عدولاً {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} .
وقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} أي وحكم الله تعالى بين العباد بالعدل، ووفي كل نفس ما عملت من خير أو شر، وهو تعالى أعلم بما يفعلون حتى من العاملين أنفسهم ولذا سيكون الحساب عادلا لا حيف فيه لخلوه من الخطأ والغلط والجهل والنسيان لتنزه الباري عز وجل عن ذلك.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- بيان مظاهر عظمة الرب تعالى التي يتنافى معها الشرك به عز وجل في عباداته.
2- تقرير البعث والجزاء ببيان أحواله وما يجري فيه.
3- بيان عدالة الله في قضائه بين عباده في عرصات القيامة.
4- فضيلة هذه الأمة بقبولها شاهدة على الأمم التي سبقتها.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السابع عشر والأخير من تفسير سورة الزمر ))

{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ(71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ(72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(74) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(75)}
شرح الكلمات:
وسيق الذين كفروا : أي وساق الملائكة بعنف الذين كفروا.
إلى جهنم زمراً : أي جماعات، جماعة المشركين وجماعة المجرمين وجماعة الظالمين.
وقال لهم خزنتها : أي الموكلون بالنار من الملائكة الواحد خازن.
ألم يأتكم رسل : هذا الاستفهام للتقرير والتوبيخ.
حقت كلمة العذاب : أي وجب العذاب للكافرين.
وسيق الذين اتقوا : أي وساقت الملائكة بلطف على النجائب الذين اتقوا ربهم أي أطاعوه ولم يشركوا به.
وفتحت أبوابها : أي والحال أن أبواب الجنة قد فتحت لاستقبالهم.
والحمد لله الذي صدقنا وعده : أي أنجز لنا وعده بالجنة.
وأورثنا الأرض : أي أرض الجنة وصورة الإرث نظراً إلى قوله تعالى في وعده لهم تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً.
نتبوأ من الجنة حيث نشاء : أي ننزل من حيث نشاء.
فنعم أجر العاملين : أي الجنة.
حافين من حول العرش : أي محدقين بالعرش من كل جانب.
يسبحون بحمد ربهم : أي يقولون سبحان الله وبحمده.
وقضي بينهم بالحق : أي وقضى الله بمعنى حكم بين جميع الخلائق بالعدل.
وقيل الحمد لله رب العالمين: أي وقالت الملائكة والمؤمنون الحمد لله رب العالمين على استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
معنى الآيات:
بعد الفراغ من الحكم على أهل الموقف وذلك بأن حكم الله تعالى فيهم بحسب عملهم فوفّى كل عامل بعمله من كفر ومعاص، أو إيمان وطاعة قال تعالى مخبراً عن مصير الفريقين {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي ساقهم الملائكة بشدة وعنف لأنهم لا يريدون الذهاب {إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} أي جماعات ولفظ الزمرة مشتق من الزمر الذي هو الصوت إذ الغالب في الجماعة أن يكون لها صوت.
وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} إذ كانت مغلفة كأبواب السجون لا تفتح إلا عند المجيء بالسجناء، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا }
قبل الوصول إليها موبخين لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي المبينة لكم الهدى من الضلال والحق من الباطل، وما يحب ربكم من العقائد والأقوال والأعمال والصفات والذوات وما يكره من ذلك، ويدعوكم إلى فعل المحاب لتنجوا وترك المكاره لتنجوا وتسعدوا. فأجابوا قائلين بلى أي جاءتنا بالذي قلتم ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ونحن منهم فوجب لنا العذاب، وعندئذ تقول لهم الملائكة ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فبئس مثوى المتكبرين أي قبح مأوى المتكبرين في جهنم من مأوى.
وقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ} وسوقهم هو سوق النجائب التي يركبونها فهو سوق لطف وتكريم إلى الجنة دار السلام زمراً زمرة الجهاد وزمرة الصدقات وزمرة العلماء وزمرة الصلوات ....
{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} وقد فتحت أبوابها من قبل لاستقبالهم مُعَزَزين مكرمين، فقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم أي طابت أرواحكم بأعمالكم الطيبة فطاب مقامكم في دار السلام فنعم التحية حيوا بها مقابل تأنيب وتوبيخ الزبانية لأهل النار.
وقوله لهم فادخلوها أي الجنة حال كون خلودكم مقدراً لكم فيها.
فقالوا بعد دخولهم الجنة ونزولهم في قصورها الحمد لله الذي صدقنا وعده يعنون قوله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً}، وقوله: {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ} أي أرض الجنة نتبوأ منها حيث نشاء أي ننزل منها حيث نريد النزول، وفي قولهم أورثنا الأرض إشارة إلى أنهم ورثوها من أبويهم آدم وحواء إذ كانت لهم قبل نزولهما منها.
وقولهم فنعم أجر العاملين أي الجنة والمراد من العمل الإيمان والتقوى في الدنيا، بأداء الفرائض واجتناب النواهي وقوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ} أيها الرائي {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} أي محدقين بعرش الرحمن أي سريره {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي قائلين: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. قال تعالى مخبرا عن نهاية الموقف: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} أي وقضى الله بين الخلائق بالعدل، ولما استقر أهل النار وأهل الجنة حُمد الله على الاستقرار التام والحكم العادل الرحيم وقيل الحمد لله رب العالمين أي حمدت الملائكة ربها وحمده معهم المؤمنون وهم في دار النعيم المقيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان إهانة أهل النار بسوقهم على أرجلهم بعنف وتأنيبهم وتوبيخهم.
2- التنديد بالاستكبار عن عبادة الله تعالى، وعباده المؤمنين به، المتقين له.
3- بيان إكرام الله تعالى لأوليائه إذ يحملون على نجائب رحالها من ذهب إلى الجنة، ويلقون فيها تحية وسلاماً. تحية احترام وإكرام، وسلام أمان من كل مكروه.
4- بيان نهاية الموقف باستقرار أهل النار من الكفار والفجار في النار، واستقرار أهل الجنة من المؤمنين الأتقياء الأبرار في الجنة دار الأبرار.
5- ختم كل عمل بالحمد لله فقد ابتدأ الله الخالق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وختم بالحمد، وقيل الحمد لله رب العالمين.
هذا ما تيسر من تفسير سورة الزمر والله أعلم وأجل وأكرم
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير سورة الزمر الجزءالثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: