الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة (ص)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


عدد المساهمات : 571
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير سورة (ص)   السبت فبراير 14, 2015 5:01 am

سور ص
مكية
وآياتها ثمان وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ(2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ(3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ(7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ(Cool أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ(9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ(10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ(11)}
شرح الكلمات:
ص : هذا أحد الحروف المقطعة يكتب ص ويقرأ صاد الله أعلم بمراده به.
والقرآن ذي الذكر : أي أقسم بالقرآن ذي الذكر إذ به يذكر الله تعالى ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون من أن النبي ساحر وشاعر وكاذب.
بل الذين كفروا في عزة وشقاق : أي أهل مكة في عزة نفس وشقاق مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وعداوة .
فلذا قالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وإلا فهم يعلمون براءته مما قالوا فيه.
وكم أهلكنا قبلهم من قرن : أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناهم.
فنادوا ولات حين مناص : أي صرخوا واستغاثوا وليس الوقت وقت مهرب ولا نجاة.
وعجبوا : أي وما اعتبر بهم أهل مكة وعجبوا أن جاءهم منذر منهم محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا ساحر كذاب : أي لما يظهره من الخوارق ولما يسنده إلى الله تعالى من الإرسال والإنزال.
أجعل الآلهة إلها واحدا : أي لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، فقالوا كيف يسع الخلائق إله واحد؟
إن هذا لشيء عجاب : أي جعل الآلهة إلها واحداً أمر عجيب.
وانطلق الملأ منهم أن امشوا : أي خرجوا من بيت أبي طالب حيث كانوا مجتمعين بالنبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا منه قوله لهم قولوا لا إله إلا الله.
إن هذا لشيء يراد : أي إن هذا المذكور من التوحيد لأمر يراد منا تنفيذه.
في الملة الآخرة : أي ملة عيسى عليه السلام.
إن هذا إلا اختلاق : أي ما هذا إلا كذب مختلق.
أأنزل عليه الذكر من بيننا : أي كيف يكون ذلك وليس هو بأكبر منا ولا أشرف.
بل هم في شك من ذكري : أي بل هم في شك من القرآن والوحي ولذا قالوا في الرسول ما قالوا.
بل لما يذوقوا عذاب : أي بل لم يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوه لما كذبوا بل آمنوا ولا ينفعهم إيمان.
أم عندهم خزائن رحمة ربك : أي من النبوة وغيرها فيعطوا منها من شاءوا ويحرموا من شاءوا.
أم لهم ملك السماوات والأرض: أي ليس لهم ذلك.
فليرتقوا في الأسباب : أي الموصولة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاءوا أو يمنعوا الوحي النازل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأنى لهم ذلك.
جند ما هنالك مهزوم: أي هم جند حقير في تكذيبهم لك مهزوم أمامك وفي بدر.
من الأحزاب : أي من الأمم الماضية التي تحزبت على رسلها وأهلكها الله تعالى.
معنى الآيات:
قوله تعالى {ص والقرآن ذي الذكر}
أما{ ص} فإنه أحد حروف الهجاء ومذهب السلف فيه أن يقال: الله أعلم بمراده به إذ هو من المتشابه الذي يجب الإيمان به ويوكل أمر معناه إلى من أنزله، وقد ذكرنا غير ما مرة أن هذه الحروف قد أفادت فائدتين فليطلبهما من شاء من القراء الكرام من المفتتحة بمثل هذه الحروف نحو طس، ألم.
وأما قوله {وَالْقُرْآنِ} هو كتاب الله هذا المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و {ذِي الذِّكْرِ} معناه التذكير إذ به يذكر الله تعالى والجملة قسم أقسم الله به فقال {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} وجواب القسم محذوف تقديره ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون من أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ساحر وشاعر وكاذب {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي بل هم في عزة نفس وكبرياء وخلاف وعداوة مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فحملهم ذلك على أن يقولوا في الرسول ما قالوا، وإلا فهم يعلمون يقينا أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن السحر والشعر والكذب والجنون.
وقوله تعالى {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناها بتكذيبها لرسلها فلما جاءهم العذاب نادوا صارخين مستغيثين {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي ليست الساعة ساعة نجاة ولا هرب، فلم لا يعتبر مشركو مكة بمثل هؤلاء. لم يعتبروا {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} ينذرهم عذاب الله في الدنيا والآخرة وهو محمد صلى الله عليه وسلم. {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} أي لم يعتبروا وعجبوا وقالوا فيه صلى الله عليه وسلم {سَاحِرٌ كَذَّابٌ}.
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب أي كيف يسع العباد إله واحد إن هذا لأمر يتعجب منه غاية العجب، لأنهم قاسوا الغائب وهو الله تعالى على الشاهد وهو الإنسان الضعيف فوقعوا في أفحش خطأ وأقبحه.
وقوله تعالى {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ} وهم يقولون لبعضهم بعضاً امشوا واصبروا على آلهتكم {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي منا إمضاؤه وتنفيذه.
قالوا هذا وما بعده من القول لما اجتمعوا بالرسول صلى الله عليه وسلم في منزل عمه أبي طالب لمفاوضة الرسول في شأن دعوته فلما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله قاموا من المجلس وانطلقوا يمشون ويقولون ما أخبر تعالى به عنهم {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} أي على عبادتها فلا تتخلوا عنها {إِنَّ هَذَا} أي الدعوة إلى
لا إله إلا الله لشيء كبير يراد منا إمضاؤه وتنفيذه لصالح غيرنا.
ما سمعنا بهذا أي بالتوحيد في الملة الآخرة أي الدين الأخير وهو ما جاء به عيسى بن مريم عليه السلام. {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} أي ما هذا الذي يدعو إليه محمد إلا كذب اختلقه لم ينزل عليه ولم يوح به إليه. وواصلوا كلامهم قائلين: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} أي القرآن {مِنْ بَيْنِنَا} وليس هو بأكبرنا سنا ولا بأشرفنا نسباً.
فكيف يكون هذا؟ وقوله تعالى {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي} أي لم يكن بالقوم جهل بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله وسلامة عقله، وإنما حملهم على ذلك هو شكهم في القرآن وما ينزل به من الحق ويدعو إليه من الهدى، وهذا أولاً وثانيا إنهم لما يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوا عذاب الله على تكذيبهم ما كذبوا، وسوف يذوقونه ولكن لا ينفعهم يومئذ تصديق ولا إيمان.
وقوله تعالى {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} أي بل أعندهم خزائن رحمة ربك يا رسولنا العزيز أي الغالب الوهاب أي الكثير العطاء من النبوة وغيرها وعندئذ لهم أن يعطوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولكن فهل لهم من خزائن ربك شيء والجواب لا إذاً فلم ينكرون هبة الله لمحمد بالنبوة والوحي والرسالة.
وقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي بل لهم ملك السموات والأرض وما بينهما؟ إذا كان هذا لهم {فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} سببا بعد سبب حتى ينتهوا إلى السماء السابعة ويمنعوا الوحي النازل على محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. ومن أين لهم ذلك وهم الضعفاء الحقيرون إنهم كما قال تعالى فيهم {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} أي جند حقير من جملة أحزاب الباطل والشر مهزوم هنالك ببدر ويوم الفتح بإذن الله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- لله تعالى أن يقسم بما شاء بخلاف العبد لا يقسم إلا بربّه تعالى.
2- بيان ما كان عليه المشركون من كبرياء وعداء للنبي صلى الله عليه وسلم.
3- بيان جهل المشركين في استنكارهم للا إله إلا الله محمد رسول الله.
4- تحدي الرب تعالى للمشركين إظهاراً لعجزهم ودعوته لهم إلى النزول إلى الحق وقبوله.
5- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك.
6- ذم كلمة الأحزاب ومدلولها إذ لا تأتي الأحزاب بخير.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثاني من تفسير سورة ص ))

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ(12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ(13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ(14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ(15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ(16) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ(17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ(18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ(19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ(20)}
شرح الكلمات:
كذبت قبلهم : أي قبل هؤلاء المشركين من قريش.
وفرعون ذو الأوتاد : أي صاحب أوتاد أربعة يشد إليها من أراد تعذيبه.
وأصحاب الأيكة : أي الغيضة وهم قوم شعيب.
إن كل إلا كذب الرسل : أي ما كل واحد منهم إلا كذب الرسل ولم يصدقهم فيما دعوا إليه.
فحق عقاب : أي وجبت عقوبتي عليهم.
صحية واحدة : هي نفخة إسرافيل في الصور نفخة.
مالها من فواق : أي ليس لها من فتور ولا انقطاع حتى تهلك كل شيء.
عجل لنا قطنا : أي صك أعمالنا لنرى ما أعدت لنا إذ القط الكتاب.
ذا الأيد : أي القوة والشدة في طاعة الله تعالى.
إنه أواب : أي رجاع إلى الله في كل أموره.
بالعشي والإشراق : أي بالمساء بعد العصر إلى الغروب والإشراق من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى.
والطير محشورة : أي والطيور مجموعة.
وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب: أي وأعطينا داود الحكمة. وهي الإصابة في الأمور والسداد فيها وفصل الخطاب: الفقه في القضاء ومن ذلك البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.
معنى الآيات:
السياق الكريم في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد المشركين علهم يتوبون إلى الله ويرجعون قال تعالى {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل قومك يا محمد {قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} أي صاحب الأوتاد التي كان يشد إليها من أراد تعذيبه ويعذبه عليها كأعواد المشانق،
{وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْأَيْكَةِ} أي الغيضة وهي الشجر الملتف وهم قوم شعيب {أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} أي الطوائف الكافرة الهالكة
{إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ} أي ما كل واحدة منها إلا كذبت الرسل
{فَحَقَّ عِقَابِ} أي وجب عقابي لهم فعاقبتهم، وما ينظر هؤلاء من قومك {إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} أي من فتور ولا انقطاع حتى يهلك كل شيء ولا يبقى إلا وجه الله ذو الجلال والإكرام.
وقوله تعالى {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} قالوا هذا لما نزل {فأما من أوتي كتابه بيمنه} الآيات من سورة الحاقة.
قال غلاة الكافرين كأبي جهل وغيره استهزاءً، ربنا عجل لنا قطنا أي كتابنا لنرى ما فيه من حسنات وسيئات قبل يوم القيامة والحساب والجزاء وهم لا يؤمنون ببعث ولا جزاء، وإنما قالوا هذا استهزاء وعناداً أو مكابرة فلذا قال تعالى لرسوله:
{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} أي القوة في دين الله {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي رجاع إلى الله تعالى اذكره لتتأسى به في صبره وقوته في الحق وقوله تعالى {إِنَّا سَخَّرْنَا} الآيات بيان لإنعام الله تعالى على داود لتعظم الرغبة في الاقتداء به، والرغبة إلى الله تعالى فيما لديه من إفضالات {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ} أي إذا سبح داود في المساء من بعد العصر إلى الغروب وفي الإشراق وهو وقت الضحى سبحت الجبال معه أي رددت تسبيحه كرامة له والطير محشورة أي وسخرنا الطير محشورة أي مجموعة تردد التسبيح معه، وقوله {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي كل من الجبال والطير أواب أي رجاع يسبح لله تعالى.
وقوله {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي وقوينا ملك داود بمنحنا إياه كل أسباب القوة المادية والروحية. {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} وهي النبوة والإصابة في الأمور والسداد فيها قولا كان أو فعلاً.
{وَفَصْلَ الْخِطَابِ} أي حسن القضاء والبصيرة فيه، والبيان الشافي في كلامه، فبه اقتده يا رسولنا.
هداية الآيات
من هداة الآيات:
1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر على أذى قريش وتكذيبها وعنادها.
2- تهديد قريش إذا أصرت على التكذيب بأشد أنواع العقوبات.
3- بيان استهزاء المشركين واستخفافهم بأخبار الله تعالى وشرائعه.
4- مشروعية الأسوة والاقتداء بالصالحين.
5- بيان آية تسخير الله تعالى الجبال والطير لداود تسبح الله تعالى معه.
6- حسن صوت داود في قراءته وتسبيحه.
7- مشروعية صلاة الإشراق والضحى.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثالث من تفسير سورة ص ))

{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ(21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ(22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ(24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ(25)}
شرح الكلمات:
هل أتاك : الاستفهام هنا للتعجب أي حمل المخاطب على التعجب.
نبأ الخصم : أي خبر الخصم الغريب في بابه العجيب في واقعه.
إذ تسوروا المحراب : أي محراب مسجده إذ منعوا من الدخول من الباب فقصدوا سوره ونزلوا من أعلى السور.
بغى بعضنا على بعض : أي تعدّى بعضنا على بعض.
فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط : أي احكم بالعدل ولا تجر في حكمك.
واهدنا إلى سواء الصراط : أي أرشدنا إلى العدل في قضيتنا هذه ولا تمل بنا إلى غير الحق.
إن هذا أخي : أي على ديني في الإسلام.
فقال أكفلنيها : أي اجعلني كافلها بمعنى تنازل لي عنها وملكنيها.
وعزني في الخطاب : أي غلبني في الكلام الجدلي فأخذها مني.
لقد ظلمك بسؤال نعجتك : أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه.
من الخلطاء ليبغي بعضهم : أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا.
وظن داود أنما فتناه : أي أيقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره.
فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب : أي طلب المغفرة من ربه بقوله أستغفر الله وسقط ساجداً على الأرض وأناب أي رجع تائباً إلى ربه.
وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب : أي وحسن مرجع عندنا وهي الجنة والدرجات العلا فيها.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تسلية الرسول وحمله على الصبر على ما يعاني من كفار قريش من تطاول وأذى فقال له ربه تعالى:
{هَلْ أَتَاكَ} إلى آخر الآيات.
وذلك أن داود عليه السلام ذكر مرة في نفسه ما أكرم الله تعالى به إبراهيم وإسحق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنى مثله فقيل له إنهم امتحنوا فصبروا فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا به ويعطى كالذي أعطوا إن هو صبر فاختبره الله تعالى بناء على رغبته فأرسل إليه ملكين في صورة رجلين فتسورا عليه المحراب كما يأتي تفصيله في الآيات وهو قوله تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ} يا رسولنا نبأ الخصم وهما ملكان في صورة رجلين، ولفظ الخصم يطلق على الواحد والأكثر كالعدو فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي، وهذا عدوي وهؤلاء عدوي.
وقوله {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} أي اطلعوا على سور المنزل الذي هو المحراب في عرف بني إسرائيل ولم يدخلوا من الباب لأن الحرس منعهم من ذلك، لأن لداود عليه السلام وقتاً ينقطع فيه للعبادة فلا يسمح بمقابلة أحد .
وقوله {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ} وهو في محرابه {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} أي ارتاع واضطرب نفسا {قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ} أي نحن خصمان {بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} أي اعتدى بعضنا على بعض جئنا نتحاكم إليك {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ} أي ولا تجر في الحكم {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} أي إلى وسط الطريق فلا تمل بنا عن الحق.
ثم عرضا عليه القضية فقال أحدهما وهو المظلوم عارضاً مظلمته {إِنَّ هَذَا أَخِي} أي في الإسلام {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي ملكنيها أضمها إلى نعاجي، {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أي وغلبني في الكلام والجدال وأخذها مني.
فقال داود عليه السلام على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} وعلل لذلك بقوله {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ} أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة {لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وهم أهل الإيمان والتقوى فإنهم يسلمون من مثل هذه الاعتداءات، {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} أي وهم قليل جداً، وهنا طار الملكان من بين يدي داود عرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربه كما رغب إليه وأنه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة أرته أن ما ناله إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم، وهنا استغفر داود ربه
{وَخَرَ رَاكِعاً وَأَنَابَ} يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربه في كل أمره كله، وذكر تعالى أنه قبل توبته وعفا عنه فقال تعالى {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى} أي لقربة عندنا {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي مرجع وهو الدرجات العلا في دار الأبرار، جعلنا الله تعالى من أهلها بفضله ورحمته.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- فائدة عرض مثل هذا القصص تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده وحمله على الصبر.
2- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذا القصص لا يتأتى له قصه إلا بوحي إلهي.
3- تقرير جواز تشكل الملائكة في صورة بني آدم.
4- حرمة إصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخصمين معاً إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود عليه السلام.
5- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب.
6- مشروعية السجود عند قراءة هذه الآية {وخرّ راكعاً وأناب}.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الرابع من تفسير سورة ص ))

{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(29)}
شرح الكلمات:
إنا جعلناك خليفة : أي خلفت من سبقك تدبر أمر الناس بإذننا.
ولا تتبع الهوى : أي هوى النفس وهو ما تميل إليه مما تشتهيه.
فيضلك عن سبيل الله : أي عن الطريق الموصل إلى رضوانه.
إن الذين يضلون عن سبيل الله : يخطئون الطريق الموصل إلى رضوانه وهو الإيمان والتقوى.
بما نسوا يوم الحساب : أي بنسيانهم يوم القيامة فلم يتقوا الله تعالى.
باطلاً : أي عبثاً لغير حكمة مقصودة من ذلك الخلق.
ذلك ظن الذين كفروا : أي ظن أن السموات والأرض وما بينهما خلقت عبثاً لا لحكمة مقصودة منها ظن الذين كفروا.
فويل للذين كفروا من النار : أي من واد في النار بعيد غوره كريه ريحه لا يطاق.
مبارك : أي لا تفارقه البركة يجدها قارئه والعامل به والحاكم بما فيه.
وليتذكر أولوا الألباب : أي ليتعظ به أصحاب العقول الراجحة.
معنى الآيات :
ما زال السياق في ذكر قصة داود عليه السلام للعظة والاعتبار وتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى:
{يَا دَاوُدُ} أي وقلنا له أي بعد توبته وقبولها يا داود {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} خلفت من قبلك من الأنبياء تدبر أمر الناس {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} أي بالعدل الموافق لشرع الله ورضاه، {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} وهو ما تهواه نفسك دون ما شرع الله، {فَيُضِلَّكَ } أي اتباع الهوى يضلك عن سبيل الله المفضي بالعباد إلى الإسعاد والكمال وذلك أن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الإلهية انتظمت بها مصالح العباد ونفعت العامة والخاصة أما إذا كانت على وفق الهوى وتحصيل مقاصد النفس للحاكم لا غير أفضت إلى تخريب العالم بوقوع الهرج والمرج بين الناس وفي ذلك هلاك الحاكم والمحكومين.
وقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} القائم على الإيمان والتقوى وإقامة الشرع والعدل هؤلاء {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في الدنيا والآخرة {بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} أي بسبب نسيانهم ليوم القيامة فتركوا العمل له وهو الإيمان والتقوى، التقوى التي هي فعل الأوامر الإلهية واجتناب النواهي في العقيدة والقول والعمل.
وقوله تعالى في الآية (27) {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} ينفي تعالى ما يظنه المشركون وهو أن خلق الكون لم يكن لحكمة اقتضت خلقه وإيجاده وهي أن يعبد الله تعالى بذكره وشكره المتمثل في الإيمان والتقوى.
وقوله {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي ظن أن الله خلق السماء والأرض وما بينهما لا لحكمة مقصودة وهي عبادة الله تعالى بما يشرع لعباده من العبادات القلبية والقولية والفعلية ظن الذين كفروا من كفار مكة وغيرهم. ثم توعدهم تعالى على كفرهم وظنهم الخاطئ الذي نتج عنه كفرهم وعصيانهم فقال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} أي ويل للذين كفروا من واد في جهنم بعيد الغور كريه الريح.
وقوله تعالى في الآية (28) {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}
هذا أولاً ردٌ لما زعمه المشركون من أنهم يعطون في الآخرة من النعيم مثل ما يعطى المؤمنون.
وثانيا ينفي تعالى أن يسويَ بين من آمن به واتبع هداه فأطاعه في الأمر والنهي, وبين من أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي كما نفى أن يجعل المتقين الذين آمنوا واتقوا فتركوا الشرك والمعاصي كالفجار الذين فجروا أي خرجوا عن طاعة الله ورسوله فلم يؤمنوا ولم يوحدوا فعاشوا كفاراً فجاراً وماتوا على ذلك.
أي فحاشا لله رب العالمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين أن يسوي بين أهل الإيمان والتقوى وبين أهل الشرك والمعاصي بل ينعم الأولين في دار النعيم، ويعذب الآخرين في سواء الجحيم وقوله تعالى في الآية (29)
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} أي هذا كتاب مبارك أنزلناه على رسولنا ليدبروا آياته بمعنى يتأملوها ويترووها بعقولهم فيحصلوا على هداية القلوب والعقول فيؤمنوا بالله ويعملوا بطاعته فينجوا ويسعدوا.
وليذكر أولوا الألباب أي وليتعظ بمواعظه وينزجر بزواجره أولو الألباب أي العقول السليمة
ووصف الكتاب وهو القرآن بالبركة هو كما أخبر الله لا تفارق القرآن البركة وهي الخير الدائم فكل من قرأه متدبراً عرف الهدى ومن قرأه تقرباً حصل على القرب وفاز به ومن قرأه حاكماً عدل في حكمه.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- وجوب الحكم بالعدل على كل من حكم ولا عدل في غير الشرع الإلهي.
2- حرمة اتباع الهوى لما يفضي إليه بالعبد إلى الهلاك والخسار.
3- تقرير البعث والجزاء.
4- إبطال ظن من يظن أن الحياة الدنيا خلقت عبثاً وباطلا.
5- تنزيه الرب تعالى عن العبث والظلم.
6- فضيلة العقول لمن استعملها في التدبر والتذكر.
7- بركة القرآن لا تفارقه أبداً وما طلبها أحد إلا وجدها.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الخامس من تفسير سورة ص ))

{وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ(33)}
شرح الكلمات:
ووهبنا لداود سليمان : أي ومن جملة هباتنا لداود الأواب أن وهبنا له سليمان ابنه.
نعم العبد إنه أواب : أي سليمان رجاع إلى ربه بالتوبة والإنابة.
الصافنات الجياد : أي الخيل الصافنات أي القائمة على ثلاث الجياد أي السوابق.
حب الخير : أي حب الخيل عن ذكر ربي وهي صلاة العصر لانشغاله باستعراض الخيل للجهاد.
حتى توارت بالحجاب : أي استترت الشمس في الأفق وتغطت عن أعين الناظرين.
ردوها علي : أي ردوا الخيل التي استعرضتها آنفا فشغلتني عن ذكر ربي.
فطفق مسحا بالسوق : أي فأخذ يمسح بسوق تلك الخيل وأعناقها.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر إفضال الله على داود عليه السلام حيث قال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ} فذكر تعالى أنه وهبه سليمان وأثنى على سليمان بأنه نعم العبد لله، وعلل لتلك الأفضلية بقوله: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي كثير الأوبة إلى الله تعالى، وهي الرجوع إلى الله بذكره واستغفاره عند الغفلة والنسيان العارض للعبد، وأشار تعالى إلى ذلك بقوله {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} أي الخيل القوية على السير التي إذا وقفت تأبى أن تقف على أربع كالحمير بل تقف على ثلاث وترفع الرابعة، والجياد هي السريعة العدو، وهذا العرض كان استعراضاً منه لها إعداداً لغزو أراده فاستعرض خيله فانشغل بذلك عن صلاة العصر فلم يشعر إلا وقد غربت الشمس وهو معنى قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ} أي استترت الشمس {بِالْحِجَابِ} أي بالأفق الذي حجبها عن أعين الناظرين.
فندم لذلك وقال {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أي الخيل {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} وصلى العصر، ثم عاد إلى إكمال الاستعراض فردها رجاله عليه فجعل يمسح بيده سوقها وأعناقها حتى أكمل استعراضها هذا وجه الأوبة التي وصف بها سليمان عليه السلام في قوله تعالى {إِنَّهُ أَوَّابٌ}.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- الولد الصالح هبة إلهية لوالده فليشكر الله تعالى من وهب ذلك.
2- الثناء على العبد بالتوبة الفورية التي تعقب الذنب مباشرة.
3- جواز استعراض الحاكم القائد قواته تفقداً لها لما قد يحدثه فيها.
4- إطلاق لفظ الخير على الخيل فيه تقرير أن الخيل إذا ربطت في سبيل الله كان طعامها وشرابها حسنات لمن ربطها في سبيل الله كما في الحديث الصحيح "الخيل لثلاث ... ".
5- ربط الطائرات النفاثة في الحظائر اليوم والمدرعات وإعدادها للقتال في سبيل الله حل محل ربط الجياد من الخيل في سبيل الله.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السادس من تفسير سورة ص ))

{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ(34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ(40)}
شرح الكلمات:
ولقد فتنا سليمان : أي ابتليناه.
وألقينا على كرسيه جسداً : أي شق ولد ميت لا روح فيه.
ثم أناب : أي رجع إلى ربه وتاب إليه من عدم استثنائه في يمينه.
وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي : أي أعطني ملكاً لا يكون لسواي من الناس.
فسخرنا له الريح : أي استجبنا له فسخرنا له الريح تجري بأمره.
رخاء حيث أصاب : أي لينة حيث أراد.
والشياطين كل بناء وغواص : أي وسخرنا له الشياطين من الجن منهم البناء ومنهم الغواص في البحر.
مقرنين في الأصفاد : أي مشدودين في الأصفاد أيديهم إلى أعناقهم في السجون المظلمة وذلك إذا تمردوا وعصوا أمراً من أوامره.
هذا عطاؤنا : أي وقلنا له هذا عطاؤنا.
فامنن أو أمسك : أي أعط من شئت وما شئت وامنع كذلك.
بغير حساب : أي منّا لك.
وإن له عندنا لزلفى : أي وإن لسليمان عندنا لقربة يوم القيامة.
وحسن مآب : أي مرجع في الجنة في الدرجات العلا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر إنعام الله على آل داود فقد أخبر تعالى هنا عما منّ به على سليمان فأخبر تعالى أنه ابتلاه كما ابتلى أباه داود وتاب سليمان كما تاب داود ولم يسقط ذلك من علو منزلتهما وشرف مقامهما قال تعالى في الآية (34) {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} أي ابتليناه، وذلك أنه كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لأطأن الليلة مائة جارية تلد كل جارية ولداً يصبح فارساً يقاتل ي سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله أي لم يستثن ووطئ نساءه في تلك الليلة فعوقب لعدم استثنائه فلم يلدن إلا واحدة جاءت بولد مشلول بالشلل النصفي فلما وضعته أمه أتوا به إلى سليمان ووضعوه على كرسيه. وهو معنى قوله تعالى {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} سليمان إلى ربه فاستغفر وتاب فتاب الله عليه .
نص الحديث عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)).
متفق عليه وأخرجه النسائي نحوا من هذه الرواية.
وقال {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}
أي لا يكون مثله لسواي من الناس وتوسل إلى الله في قبول دعائه بقوله {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} فاستجاب الله تعالى له فسخر له الريح تجري بأمره حيث يريدها لأنها تحمل بساطه أو سفينته الهوائية التي غدوها شهر ورواحها شهر رخاء أي ليّنة حيث أصاب أي أراد، كما سخر له شياطين الجن منهم البناء الذي يقوم بالبناء للدور والمصانع ومنهم الغواص في أعماق البحر لاستخراج اللآلي، ومنهم من إذا عصاه وتمرد عليه جمع يديه إلى عنقه بصفد ووضعه تحت الأرض.
هذا ما جاء في قول الله تعالى {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}
وقوله تعالى {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي أعطيناه ما طلب منا وقلنا له هذا عطاؤنا لك فامنن أي أعط ما شئت لمن شئت وامنع ما شئت عمن شئت بغير حساب منا عليك.
وفوق هذا وإن لك عندنا يوم القيامة للقربة وحسن المرجع وهو قوله تعالى {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير قول بعضهم حسنات الأبرار سيئات المقربين إذ عدم الاستثناء في قوله لأطأن الليلة مائة جارية الحديث
عوقب به فلم تلد امرأة من المائة إلا واحدة وولدت طفلاً مشلولاً، وعوقب به نبينا صلى الله عليه وسلم فانقطع عنه الوحي نصف شهر وأكربه ذلك لأنه لم يستثن عندما سئل عن ثلاث مسائل وقال غدا أجيبكم.
2- مشروعية التوبة من كل ذنب صغيراً كان أو كبيرا.
3- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى.
4- بيان إنعام الله تعالى على عبده سليمان.
5- بيان تسخير الله تعالى لسليمان الريح والجن وهذا لم يكن لأحد غيره من الناس.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السابع من تفسير سورة ص ))

{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ(41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ(42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ(43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(44)}
شرح الكلمات:
واذكر عبدنا أيوب : أي اذكر يا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عبدنا أيوب بن عيصو بن إسحق بن إبراهيم.
بنصب وعذاب : أي بضر وألم شديد نسب هذا للشيطان لكونه سببا وتأدبا مع الله تعالى.
اركض برجلك : أي اضرب برجلك الأرض تنبع عين ماء.
هذا مغتسل بارد وشراب : أي وقلنا له هذا ماء بارد تغتسل منه، وتشرب فتشفى.
ضغثا : أي حزمة من حشيش يابس.
ولا تحنث : بترك ضربها.
نعم العبد : أي أيوب عليه السلام.
إنه أواب : أي رجاع إلى الله تعالى.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر قصص الأنبياء ليثبت به فؤاد نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى له {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} وهو أيوب بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام {إِذْ نَادَى رَبَّهُ} أي دعاه قائلاً {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي ألم شديد، وذلك بعد مرض شديد دام مدة تزيد على كذا سنة وقال في ضراعة أخرى ذكرت في سورة الأنبياء {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} قال تعالى {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} وقوله {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أي لما أراد الله كشف الضر عنه قال له اركض برجلك أي اضرب برجلك الأرض ينبع منها ماءٌ فاشرب منه واغتسل تشف ففعل فشفي كأن لم يكن به ضر البتة.
وقوله تعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} أي عوضه الله تعالى عما فقد من أهل وولد، وقوله {رَحْمَةً مِنَّا} أي كان ذلك التعويض لأيوب {رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي عبرة لأولي القلوب الحية الواعية يعلمون بها أن الله قد يبتلي أحب عباده إليه ليرفعه بذلك درجات عالية ما كان ليصل إليها دون ابتلاء في ذات الله والصبر عليه.
وقوله {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} أي قلنا له خذ بيدك ضغثا أي حزمة من حشيش يابس واضرب به امرأتك ضربة واحدة إذ في الحزمة مائة عود وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة لما حصل منها من تقصير في يوم من أيام حياتهما، فأفتاه ربه تعال بما ذكر في هذه الآية.
وقوله تعالى {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} أي قد اختبرناه بالمرض وفقد الأهل والمال والولد فوجدناه صابراً، وبذلك أثنى عليه بقوله {نِعْمَ الْعَبْدُ} أي أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجاع إلى ربه في كل أمره لا يعرف إلا الله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من طريق هذا القصص الذي لا يتأتى إلا بالوحي الإلهي.
2- قد يبتلي الله تعالى من يحبه من عباده ليزيد في علو مقامه ورفعة شأنه.
3- فضل الصبر وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة.
4- مشروعية الفتيا وهي خاصة بأهل الفقه والعلم.
5- وجوب الكفارة على من حنث في يمينه.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثامن من تفسير سورة ص ))

{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ(45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ(46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ(47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ(48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ(49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ(50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ(51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ(52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ(53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54)}
شرح الكلمات:
واذكر عبادنا : أي اذكر صبرهم على ما أصابهم فإن لك فيه أسوة.
أولي الأيدي : أي أصحاب القوى في العبادة.
والأبصار : أي البصائر في الدين بمعرفة الأسرار والحكم.
بخالصة : أي هي ذكر الدار الآخرة والعمل لها.
لمن المصطفين الأخيار : أي من المختارين الأخيار جمع خيّر.
هذا ذكر : أي لهم بالثناء الحسن الجميل هنا في الدنيا.
وإن للمتقين : أي هم وغيرهم من سائر المؤمنين والمؤمنات.
لحسن مآب : أي مرجع أي عندما يرجعون إلى ربهم بالوفاة.
متكئين فيها : أي على الأرائك.
يدعون فيها بكل فاكهة: أي يطالبون فيها بفاكهة وذكر الفاكهة دون الطعام والشراب إيذاناً بأن طعامهم وشرابهم لمجرد التلذذ لا للتغذية كما في الدنيا.
قاصرات الطرف : أي حابسات العيون على الأزواج فلا ينظرون إلى غيرهم.
أتراب : أي أسنانهن متساوية وهي ثلاث وثلاثون سنة.
ماله من نفاد : أي ليس له انقطاع أبداً.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر الأنبياء وما أكرموا به على صبرهم ليكون ذلك مثبتا للنبي صلى الله عليه وسلم على دعوته والصبر عليها والتحمل في سبيل الوصول بها إلى غاياتها فقال تعالى له {وَاذْكُرْ} أي يا نبينا
{عِبَادَنَا} لتتأسى بهم وهم {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}ولد و {وَيَعْقُوبَ} حفيده {أُولِي} أي أصحاب {الْأَيْدِي} أي القوى في العبادة والطاعة {وَالْأَبْصَارِ} أي أبصار القلوب وذلك بالفقه في الدين ومعرفة أسرار التشريع، وقوله تعالى {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ} أي خصصناهم {بِخَالِصَةٍ} أي بخاصة امتازوا بها هي ذكر الدار أي الدار الآخرة بالعمل لها والدعوة إليها بالإيمان والتقوى،
وقوله {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ} أي المختارين {الْأَخْيَارِ}
جمع خيّر وهو المطبوع على الخير.
وقوله {وَاذْكُرْ} أي نبينا للائتساء {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ} وقوله {وَكُلٌّ} أي من داود ومن ذكر بعده من الأنبياء كانوا من الأخيار، وقوله {هَذَا ذِكْرٌ} أي لهم بالثناء الحسن لهم في الدنيا، {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ}
هم وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات {لَحُسْنَ مَآبٍ} أي مرجع وهو الجنة حيث يرجعون إلى الله تعالى بعد الموت، وفسر ذلك المرجع بقوله تعالى {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي إقامة {مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} أي على الأرائك الأسرة بالحجلة، {يَدْعُونَ فِيهَا} أي يطالبون فيها {بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} ولم يذكر الطعام إشارة إلى أن مآكلهم ومشاربهم لمجرد التلذذ لا للتغذي بها كما في الدنيا، وقوله {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} يخبر تعالى أن لأولئك المتقين في الجنة قاصرات الطرف أي نساء قاصرات الطرف حابسات له على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم من الأزواج وقوله {أَتْرَابٌ} أي في سن واحدة وهي ثلاث وثلاثون سنة.
وقوله {هَذَا مَا تُوعَدُونَ} أي يقال لهم هذا ما توعدون {لِيَوْمِ الْحِسَابِ} أي هذا المذكور من النعيم هو ما يعدكم به ربكم يوم القيامة.
وقوله {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} أي ليس له انقطاع ولا فناء.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- فضيلة القوة في العبادة والبصيرة في الدين وفي الحديث "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير". أخرجه مسلم في صحيحه.
2- فضل ذكر الدار الآخرة وتذكرها دائماً لأنها تساعد على الطاعة.
3- فضل التقوى وأهلها وبيان ما اعد لهم يوم الحساب.
4- نعيم الآخرة لا ينفد كأهلها لا يموتون ولا يهرمون.
5- فضيلة الائتساء بالصالحين والاقتداء في الخير بهم وهم أولوا القوة في العبادة والبصيرة في الدين.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم التاسع من تفسير سورة ص ))

{هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ(55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ(56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ(57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ(59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ(60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ(61) وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ(62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ(63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ(64)}
شرح الكلمات:
هذا : المذكور للمتقين.
وإن للطاغين : أي الذين طغوا في الكفر والشر والفساد.
لشر مآب : أي جهنم يصلونها.
فبئس المهاد : أي الفراش الذي مهدوه لأنفسهم في الدنيا بالشرك والمعاصي.
هذا فليذوه : أي العذاب المفهوم مما بعده فليذوقوه.
حميم : أي ماء حار محرق.
وغساق : أي قيح وصديد يسيل من لحوم وفروج الزناة في النار.
وآخر من شكله أزواج : أي وعذاب آخر كالحميم والغساق أصناف.
هذا فوج مقتحم معكم: أي يقال لهم عند دخولهم النار هذا فوج مقتحم معكم.
لا مرحبا بهم : أي لا سعة عليهم ولا راحة لهم إنهم صالوا النار.
قالوا : أي الأتباع للطاغين: بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا.
قالوا ربنا من قدم لنا هذا : أي الأتباع أي من كان سببا في عذابنا هذا في جهنم فزده عذابا.
وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً : أي قال الطاغون وهم في النار ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا يعنون فقراء المسلمين كبلال وعمار وصهيب.
أتخذناهم سخرياً : أي كنا نسخر منهم في الدنيا.
أم زاغت عنهم الأبصار: أي أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ فلم نرهم.
إن ذلك لحق تخاصم أهل النار: أي إن ذلك المذكور لأهل النار لحق ثابت وهو تخاصم أهل النار.
معنى الآيات:
بعد ذكر نعيم أهل الإيمان والتقوى ناسب ذكر شقاء أهل الكفر والفجور وهو أسلوب الترهيب والترغيب الذي امتاز به القرآن الكريم في هداية العباد.
فقال تعالى {هَذَا } أي ما تقدم ذكره من نعيم أهل السعادة
{وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} وهم المشركون الظلمة كأبي جهل وعتبة بن معيط والعاص بن وائل {لَشَرَّ مَآبٍ} أي لأسوأ مرجع وأقبحه وهو {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} هي يمهدها الظالمون لأنفسهم. وقوله تعالى {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} أي هذا حميم وغساق فليذوقوه والحميم الماء الحار المحرق والغساق ما سال من جلود ولحوم وفروج الزناة من أهل النار كالقيح والصديد
وقوله {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ} أي وعذاب آخر من شكل الأول {أَزْوَاجٌ} أي أصناف عديدة .
وقوله تعالى {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ} أي يقال عند دخولهم النار هذا فوج أي فريق مقتحم معكم في النار، فيقول الطاغون {لا مَرْحَباً بِهِمْ} أي لا سعة ولا راحة لهم { إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} أي داخلوها محترقون بحرها ولهبها، فيرد الأتباع عليهم قائلين: {بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ} أي لا سعة ولا راحة {أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} إذ كنتم تأمروننا بالشرك والكفر والفجور قال تعالى {فَبِئْسَ الْقَرَارُ} أي الذي انتهى إليه الطاغون وأتباعهم في النار، وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله {قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا} أي العذاب {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ} أي يا ربنا ضاعف لهم العذاب مرتين لأنهم هم الذين قدموه لنا يوم كانوا يدعوننا إلى الشرك والباطل ويحضوننا عليه.
وقوله تعالى {وَقَالُوا} أي الطغاة {مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ} بيننا {أَتَّخَذْنَاهُمْ} في الدنيا {سِخْرِيّاً} نسخر منهم يعنون فقراء المسلمين كبلال وعمّار وصهيب وخبيب، أمفقودون هم {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ} أبصارنا فلم نرهم،
قال تعالى {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} أي إن ذلك الكلام الذي دار بين أهل النار حق وصدق هو تخاصم أهل النار فاسمعوه أيها المشركون اليوم آيات تتلى وغدا يوم الحساب حقائق تشاهدوه وغصص تتجرع وحسرات تمزق الأكباد والقلوب.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- ذم الطغيان وهو مجاوزة الحد في الظلم والكفر وبيان جزاء أهله ويوم القيامة.
2- بيان ما يجري من خصام بين أهل النار للعظة والاعتبار.
3- شكوى الأتباع ممن اتبعوهم في الضلال ومطالبتهم بمضاعفة العذاب لهم.
4- تذكر أهل النار فقراء المسلمين الذين كانوا يعدونهم متخلفين ورجعيين لأنهم كانوا لا يأتون الفجور والشرور مثلهم.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم العاشر من تفسير سورة ص ))

{قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ(67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ(68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ(69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(74)}
شرح الكلمات:
قل : أي يا رسولنا لمشركي قومك أي مخوفاً من عذاب الله.
وما من إله إلا الله الواحد القهار: أي وليس هناك من إله قط إلا الله الواحد القهار.
العزيز الغفار: أي الغالب الذي لا يمانع في مراده الغفار للتأئبين من عباده.
قل هو نبأ عظيم : أي قل يا رسولنا لكفار مكة القرآن نبأ عظيم وخبر جسيم.
أنتم عنه معرضون : لا ترغبون في سماعه ولا في تدبر معانيه.
بالملأ الأعلى : أي بالملائكة عندما شووِروا في خلق آدم.
إذ قال ربك للملائكة : أي اذكر لهم تدليلا على أنه يوحى إليك القرآن إذ قال ربك للملائكة.
خالق بشرا من طين: أي خالق آدم من مادة الطين وقيل فيه بشر لبدوّ بشرته.
من روحي : الروح جسم لطيف يسري في الجسم سريان النار في الفحم أو الماء في الشجر أو الكهرباء في الأسلاك.
إلا إبليس : أي لم يسجد.
استكبر : عن السجود لآدم كبراً وحسداً له.
معنى الآيات:
بعد كل ذلك العرض للقصص ولما في الجنة والنار وما تقرر به من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء أمر تعالى رسوله أن يقول لمشركي قريش {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} أي مخوف من عذاب الله الواجب لكل من كفر به وكذب بآياته ولقائه وترك عبادته وعبد الشيطان عدوه، كما أخبركم مقررا أنه ليس هناك من إله قط إلا الله الواحد في ذاته وصفاته وربوبيته وعبادته القهار لكل قاهر والجبار لكل جبار رب السموات والأرض وما بينهما أي مالك لها متصرف فيها دون شريك له في ذلك.
العزيز الانتقام ممن كفر به وعصاه الغفار لمن أناب إليه واتبع هداه. وقوله تعالى {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} أي يأمر تعالى رسوله أن يقول للمشركين من أهل مكة هو أي القرآن وما حواه من تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء وعرض القصص والأحداث ووصف الجنة والنار نبأ عظيم أي خبر ذو شأن عظيم أنتم عنه معرضون تأبون سماعه والإيمان به والاهتداء بهديه.
بدعوى أني اختلقته وافتريته وهي حجة داحضة وأدلتكم في ذلك واهية. كيف يكون ما أتلوه عليكم من القرآن افتراء مني عليكم وعلى الله ربي وربكم، وإنه ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون عندما قال الله للملائكة {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} وقال {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} فقال الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} كيف عرفت أنا هذا وحدثت به لو لم يكن وحياً من الله أوحاه إليّ.
يا قوم إنه ما يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين أي بين النذارة.
فلم يوح إليّ الأمر بالتسلط عليكم وأخذكم بالشدة لأستعبدكم وتكونوا خولا لي وخدماً لا، لا. إنما يوحى إليّ لتقرير حقيقة واحدة وهي أني نذير لكم ولغيركم من عذاب الله المعدّ لمن كفر به وأشرك في عبادته، وفسق عن طاعته.
وقوله تعالى في الآية (71) {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} هو آدم عليه السلام {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} فحيى وصار بشراً سوياً {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} أي خروا على الأرض ساجدين له طاعة لأمرنا وتحيّة لعبدنا، {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} سواء من كان منهم في السموات أو في الأرض {إِلَّا إِبْلِيسَ} استكبر عن السجود لآدم لزعمه الكاذب أنه خير منه لكونه من النار وآدم من طين، ولحسده أيضاً حيث فضله وفُضّل عليه، وكان بذلك الكبر والحسد من الكافرين إذ جحد معلوماً من طاعة الله بالضرورة وكيف وهو يتلقى الخطاب من الله تعالى بلا واسطة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير التوحيد بأدلته.
2- تقرير النبوة والوحي بشواهده من نبأ الملأ الأعلى.
3- عداوة إبليس لآدم وأن الحامل عليها الحسد والكبر وهما من شر صفات العبد.
4- تقرير أن من القياس ما هو شر وباطل كقياس إبليس إذ قاس النار على التراب فرأى أن النار أفضل فهلك بذلك، إذ التراب أفضل، النار تحرق والتراب يحيي، وشتان ما بين الموت والحياة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الحادي عاشر والأخير من تفسير سورة ص ))

{قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ(75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ(80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ(84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ(85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)}
شرح الكلمات:
لما خلقت بيدي : أي للذي خلقته بيدي وهو آدم فدل ذلك على شرفه.
أستكبرت أم كنت من العالين : أستكبرت الآن أم كنت من قبل من العالين المتكبرين والاستفهام للتوبيخ والتقريع لإبليس.
فاخرج منها : أي من الجنة.
فإنك رجيم : أي مرجوم مطرود.
وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين : أي طرده من الجنة وألحقه لعنة وهي الطرد من الرحمة إلى يوم الدين أي الجزاء وهو يوم القيامة.
قال رب فأنظرني : أي أخر موتي وأبق عليّ حيّا إلى يوم يبعثون أي الناس.
إلى يوم الوقت المعلوم : أي إلى النفخة الأولى وهي نفخة الموت والفناء.
إلا عبادك منهم المخلصين: أي الذين استخلصهم للإيمان بك وعبادتك ومجاورتك في الجنة.
قل ما أسألكم عليه من أجر : لا أسألكم على البلاغ أجراً تعطونه لي.
وما أنا من المتكلفين : أي المتقولين القرآن وما أنذركم به من تلقاء نفسي.
إن هو إلا ذكر للعالمين : أي ما أتلوه من القرآن وما أقوله من الهدى إلا ذكر للعالمين.
ولتعلمن نبأه بعد حين: أي ولتعلمن أيها المكذبون نبأ القرآن الذي أنبأ به من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين بعد حين.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر ما دار بين الرب تعالى وعدوه إبليس من حديث في الملأ الأعلى إذ قال تعالى بعد أن امتنع إبليس من السجود لآدم: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أي أيُّ شيء جعلك تمتنع من السجود لآدم وقد أمرتك بذلك {أَسْتَكْبَرْتَ} أي الآن {أَمْ كُنْتَ} من قبل {مِنَ الْعَالِينَ} أي المستكبرين، وهذا الاستفهام من الله تعالى توبيخ لإبليس وتقريع له.
وأجابه إبليس بما أخبر تعالى به عنه في قوله {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فاستعمل اللعين القياس الفاسد المردود عند أرباب العقول، إذ النار لم تكن أبداً خيرا من الطين، النار تحرق ونهايتها رماد، والطين لا يحرق ومنه سائر أنواع المغذيات التي بها الحياة الحبوب والثمار والفواكه والخضر واللحوم وحسبه أنه أصل الإنسان ومادة خلقته. فأيّ شرف للنّار أعظم لو كان اللعين يعقل.
وهنا قال تعالى له {فَاخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي مطرد مبعد لا ينبغي أن تبقى في رحمة الله، {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} لا تفارقك على مدى الحياة وهي بُعد من رحمتي طوال الحياة.
وهنا قال اللعين لما آيس من الرحمة {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي} أي أبق عليّ حياً لا تمتني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} حتى يتمكن من إغواء بني آدم، ولا يموت إذا ماتوا في النفخة الأولى فلا يذوق هو الموت وعلم الله ما أضمره في نفسه فرد عليه بقوله {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} أي الممهلين المبقى على حياتهم {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} وهو النفخة الأولى حتى يموت مع سائر الخلائق ولما علم اللعين أنه أنظر قال في صفاقة وجه ووقاحة قول مقسماً بعزة الله {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} فاستثنى اللعين عباد الله المؤمنين المتقين الذين استخلصهم الله لطاعته وجواره في دار كرامته.
وهنا قال تعالى رداً على اللعين {قَالَ فَالْحَقُّ} أي أنا الحق {وَالْحَقَّ أَقُولُ} {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ} أي من الإنس والجن أجمعين.
وإلى هنا انتهى ما دار من خصومة في الملأ الأعلى، وكيف عرف محمد صلى الله عليه وسلم هذا وأخبر به لولا أنه وحي يوحى إليه. وهنا قال تعالى لرسوله قل لقومك المكذبين برسالتك {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على البلاغ {مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ(1)} الذين يتقولون على الله ويقولون ما لم يقل {إِنْ هُوَ} أي القرآن {إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} من الإنس والجن يذكرون به فيؤمنون ويهتدون {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} أي ولتعرفن صدق ما أخبر به من وعد ووعيد وصلاحية ما تضمنه من تشريع بعد حين، وقد عرف بعضهم ذلك يوم بدر، ويوم الفتح، ويوم مؤتة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- ذم الكبر والحسد وحرمتهما وبيان جزائهما.
2- مشروعية القياس إن كان قياساً صحيحاً، وبيان أخطار القياس الفاسد.
3- مشروعية القسم بالله وبصفاته وأسمائه.
4- بيان أن من كتب الله سعادتهم لا يقوى الشيطان على إغوائهم وإضلالهم.
5- لا يجوز أخذ الأجرة على بيان الحق والدين.
6- ذم التكلّف المفضي إلى الكذب والتقول على الله والرسول والمؤمنين.
7- ظهر مصداق ما أخبر به القرآن بعد حين قصير وطويل.
ملاحظة:
(التكلف) هو معالجة الكلفة وهو ما يشق على المرء عمله أو علمه أو قوله لعدم قدرته على ذلك.
روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال من سئل عما لا يعلم فليقل لا أعلم، ولا يتكلف فإن قوله لا أعلم علم وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}.
روي أن للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم. وروى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في بعض أسفاره على رجل جالس على مقراة له وقال له عمر يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك*؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور، كما روى مالك في الموطأ أن عمر خرج في ركب معهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً فقال عمرو بن العاص يا صاحب الحوض هل ترد السباع حوضك؟ فقال عمر يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا.
* المقراة: الحوض يجمع فيه الماء.
هذا أخر ما تيسر من تفسر سورة ص والله أعلم وأجل وأكرم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير سورة (ص)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: