الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القسم الأول من تفسير سورة الأحزاب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 611
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: القسم الأول من تفسير سورة الأحزاب   الأربعاء أبريل 29, 2015 2:02 am

سورة الأحزاب
مدنية
وآياتها ثلاث وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً(1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(3)}.
شرح الكلمات:
اتق الله : أي دم على تقواه بامتثالك أوامره واجتنابك نواهيه.
ولا تطع الكافرين : أي المشركين فيما يقترحون عليك.
والمنافقين : أي الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر بما يخوفونك به.
إن الله كان عليما حكيما : أي عليما بخلقه ظاهراً وباطناً حكيما في تدبيره وصنعه.
واتبع ما يوحى إليك من ربك : أي تقيد بما يشرع لك من ربك ولا تلتفت إلى ما يقوله خصومك لك من اقتراحات أو تهديدات.
وتوكل على الله : أي فوض أمرك إليه وامض في ما أمرك به غير مبال بشيء.
معنى الآيات:
لقد واصل المشركون اقتراحاتهم التي بدأوها بمكة حتى المدينة وهي عروض المصالحة بينه وبينهم بالتخلي عن بعض دينه أو بطرد بعض أصحابه، والمنافقون قاموا بدورهم في المدينة بتهديده صلى الله عليه وسلم بالقتل غيلة إن لم يكف عن ذكر آلهة المشركين في هذا الظرف بالذات نزل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ناداه ربه تعالى بعنوان النبوة تقريراً لها وتشريفاً له ولم يناده باسمه العلم كما نادى موسى وعيسى وغيرهما بأسمائهم فقال:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي اتق الله فخفه فلا تقبل اقتراح المشركين، ولا ترهب تهديد المنافقين بقتلك إن الله كان وما يزال عليماً بكل خلقه وما يحدثون من تصرفات ظاهرة أو باطنة حكيما في تدبيره وتصريفه أمور خلقه وعباده فهو تعالى لعلمه وحكمته لا يخذلك ولا يتركك، ولا يمكن أعداءك وأعداءه منك بحال.
وقوله {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} من تشريعات خاصة وعامة ولا تترك منها صغيرة ولا كبيرة إذ هي طريق فوزك وسلّم نجاحك أنت وأمتك تابعة لك في كل ذلك.
وقوله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} هذه الجملة تعليلية تحمل الوعد والوعيد إذ علم الله بأعمال العباد صالحها وفاسدها يستلزم الجزاء عليها فمتى كانت صالحة كان الجزاء حسناً وفي هذا وعده ومتى كانت فاسدة كان الجزاء سوءاً وفي هذا الوعيد.
وقوله {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} أمر تعالى رسوله وأمته تابعة له أن يتوكل على الله في أمره ويمضي في طريقه منفذاً أحكام ربه غير مبالٍ بالكافرين ولا بالمنافقين، وأعلمه ضمناً أنه كافيه متى توكل عليه وكفى بالله كافياً ووكيلا حافظاً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب تقوى الله بفعل المأمور به وترك المنهي عنه.
2- حرمة طاعة الكافرين والمنافقين فيما يقترحون أو يهددون من أجله.
3- وجوب اتباع الكتاب والسنة والتوكل على الله والمضي في ذلك بلا خوف ولا وجل.
4- نداؤه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعنوان النبوة تشريف له وتقرير لنبوته وناداه بعنوان الرسالة في موضعين من كتابه وذلك في سورة المائدة. وأمره أن يخبر البشرية كلها بأنه رسول الله إليهم وحدث عنه فوصفه بالرسالة "محمد رسول الله" ولم يناده باسمه العلم لشهرته وعدم الحاجة إليه وحتى لا يدعي أحد أنه هو المعني بهذا الاسم.
وله صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء كما جاء ذلك في حديث الموطأ: ((لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)).

وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثاني من تفسير سورة الأحزاب ))

{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(5)}.
شرح الكلمات:
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه : أي لم يخلق الله رجلا بقلبين كما ادعى بعض المشركين.
يروى أنه لما انهزمت قريش يوم بدر رأى أبو سفيان جميل بن معمر المدعي أن له قلبين رآه منهزماً وإحدى نعليه في رجله والآخر في يده، فسأله أبو سفيان ما حال الناس؟ قال انهزموا فقال له ما بال أحد نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت فانفضح في دعواه.
تظاهرون منهن أمهاتكم : يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي.
وما جعل أدعياءكم أبناءكم : أي ولم يجعل الدعيَّ ابناً لمن ادعاه.
ذلكم قولكم بأفواهكم : أي مجرد قول باللسان لاحقيقة له فى الخارج فلم تكن المرأة أماً ولا الدعي ابنا.
هو أقسط عند الله : أي أعدل.
فإخوانكم في الدين ومواليكم : أي أخوة الإسلام وبنو عمكم فمن لم يعرف أبوه فقولوا له: يا أخي أو ابن عمي.
ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به : أي لا حرج ولا إثم في الخطأ، فمن قال للدعي خطأ يا ابن فلان فلا إثم عليه.
ولكن ما تعمدت قلوبكم : أي الإثم والحرج في التعمد بأن ينسب الدعي لمن ادعاه.
وكان الله غفوراً رحيماً : ولذا لم يؤاخذكم بالخطأ ولكن بالتعمد.
معنى الآيات:
لما كان القلب محط العقل والإدراك كان وجود قلبين في جوف رجل واحد يحدث تعارضاً يؤدي إلى الفساد في حياة الإنسان ذي القلبين لم يجعل الله تعالى لرجل قلبين في جوفه كما ادعى بعض أهل مكة أن أبا معمر جميل بن معمر الفهري كان له قلبان لما شاهدوا من ذكائة ولباقته وحذقه وغره ذلك فقال إن لي قلبين أعقل بهما أفضل من عقل محمد صلى الله عليه وسلم فكانت الآية رداً عليه قال تعالى :
{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} وفيه إشارة إلى أنه لا يجمع بين حب الله تعالى وحب أعدائه وطاعة الله وطاعة أعدائه، وقوله :
{وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} أي لم يجعل الله تعالى المرأة المظاهر منها أماً لمن ظاهر منها كأن يقول لها أنت عليّ كظهر أمي وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار محرّماً للزوجة كالأم فأبطل الله تعالى ذلك وبيّن حكمه في سورة المجادلة، وأن من ظاهر من امرأته يجب عليه كفارة: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا.
وقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} أي لم يجعل الله الدعيّ ابنا إذ كانوا في الجاهلية وفي صدر الإسلام يطلقون على المتبنى ابناً فيترتب على ذلك كامل حقوق البنوة من حرمة التزوج بامرأته إن طلقها أو مات عنها، وقوله {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} أي ما هو إلا نطق بالفم ولا حقيقة في الخارج له إذ قول الرجل للدعيّ أنت ولدي لم يصيّره ولده وقول الزوج لزوجته أنت كأمي لم تكن أما له.
قوله تعالى {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} فلا يطلق على المظاهر منها لفظ أم، ولا على الدعيّ لفظ ابن، {وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} أي الأقوم والأرشد سبحانه لا إله إلا هو.
وقوله تعالى في الآية (5) من هذا السياق {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} أي ادعوا الأدعياء لآبائهم أي انسبوهم لهم يا فلان بن فلان. فإن دعوتهم إلى آبائهم أقسط وأعدل في حكم الله وشرعه. {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} فادعوهم باسم الأخوة الإسلامية فقولوا هذا أخي في الإسلام {وَمَوَالِيكُمْ} أي بنو عمكم فادعوهم بذلك فقولوا يا ابن عمي وإن كان الدعي ممن حررتموه فقولوا له مولاي {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي إثم أو حرج {فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} من قول أحدكم للدعي يا ابن فلان لمن ادعاه خطأ لسان بدون قصد، أو ظنا منكم أنه ابنه وهو في الواقع ليس ابنه ولكن الإثم في التعمد والقصد المعتمد، وقوله {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} أي غفورا لمن تاب رحيما لم يعاجل بالعقوبة من عصى لعله يتوب ويرجع.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- إبطال التحريم بالظهار الذي كان في الجاهلية.
2- إبطال عادة التبني، وما يترتب عليها من حرمة نكاح امرأة المتبنىّ.
3- وجوب دعاء الدعي المتبنّى بأبيه إن عرف ولو كان حماراً.
4- إن لم يعرف للمدعى أب دعي بعنوان الأخوة الإسلامية، أو العمومة أو المولوية.
5- رفع الحرج والإثم في الخطأ عموما وفيما نزلت فيه الآية الكريمة خصوصاً وهو دعاء الدعي باسم مدعيه سبق لسان بدون قصد، أو بقصد لأنه يرى أنه ابنه وهو ليس ابنه.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثالث من تفسير سورة الأحزاب ))

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً(6) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً(7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً(Cool}
شرح الكلمات:
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم : أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلب منهم هو أحق به من أنفسهم.
وأزواجه أمهاتهم : في الحرمة وسواء من طلقت أو مات عنها منهن رضي الله عنهن.
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض : أي في التوارث من المهاجرين والمتعاقدين المتحالفين.
إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا : بأن توصوا لهم وصيّة جائزة وهي الثلث فأقل.
كان ذلك في الكتاب مسطورا : أي عدم التوارث بالإيمان والهجرة والحِلْفِ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ.
وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم : أي اذكر لقومك أخذنا من النبيين ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ويدعوا إلى عبادته.
ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم: أي وأخذنا بخاصة منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وقدم محمد صلى الله عليه وسلم في الذكر تشريفاً وتعظيماً له.
وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً : أي شديداً والميثاق: العهد المؤكد باليمين.
ليسأل الصادقين عن صدقهم : أي أخذ الميثاق من أجل أن يسأل الصادقين وهم الأنبياء عن صدقهم في تبليغ الرسالة تبكيتاً للكافرين بهم.
وأعدّ للكافرين عذاباً أليماً : أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين عذاباً أليما أي موجعا.
معنى الآيات:
لما أبطل الله تعالى عادة التبني وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنه فكان يعرف بزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم وأصبح بذلك يدعى زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أعلم تعالى كافة المؤمنين أن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم في الحرمة فلا تحل امرأة النبي لأحد بعده صلى الله عليه وسلم.
ومعنى أن {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلبه منهم هو أحق به من أنفسهم، وبذلك أعطى الله تعالى رسوله من الرفعة وعلو الشأن ما لم يعط أحداً غيره جزاء له على صبره على ما أخذ منه من بنوّة زيد رضي الله عنه الذي كان يدعى بزيد بن محمد فأصبح يعرف بزيد بن حارثة.
وقوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} يريد في الإرث فأبطل تعالى بهذه الآية التوارث بالإيمان والهجرة والحلف الذي كان في صدر الإسلام وأصبح التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء لا غير.
وقوله {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} التوارث بالأرحام أي بالقرابات مكتوب في اللوح المحفوظ
وقوله {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً} أي إلا أن توصوا بوصيّة جائزة وهي الثلث لأحد من المؤمنين والمهاجرين ومن حالفتم فلا بأس فهي جائزة ولا حرمة فيها، وقوله {كَانَ ذَلِكَ} أي المذكور من التوارث بالقرابات لا غير وجواز الوصية بالثلث لمن أبطل إرثهم بالإيمان والهجرة والمؤاخاة، في اللوح المحفوظ وهو كتاب المقادير مسطوراً أي مكتوباً مسطراً فلا يحل تبديله ولا تغييره.
وقوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} أي اذكر يا رسولنا لقومك أخذنا الميثاق وهو العهد المؤكد باليمين من النبيين عامة بأن يعبدوا الله وحده ويدعوا أممهم إلى ذلك، ومن أولي العزم من الرسل خاصة وهم أنت يا محمد، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم .
وقوله {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} أعيد اللفظ تكراراً لتقريره، وليرتب عليه قوله {لِيَسْأَلَ} تعالى يوم القيامة {الصَّادِقِينَ} وهم الأنبياء {عَنْ صِدْقِهِمْ} في تبليغ رسالتهم تقريعاً لأممهم الذين كفروا وكذبوا.
فأثاب المؤمنين {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً وهو عذاب النار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب تقديم ما يريده الرسول من المؤمن على ما يريده المؤمن لنفسه.
2- حرمة نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأنهن أمهات المؤمنين وهو صلى الله عليه وسلم كالأب لهم.
3- بطلان التوارث بالمؤاخاة والهجرة والتحالف الذي كان في صدر الإسلام.
4- جواز الوصية لغير الوارث بالثلث فأقل.
5- وجوب توحيد الله تعالى في عبادته ودعوة الناس إلى ذلك.
6- تقرير التوحيد بأخذ الميثاق به على كافة الأنبياء والمرسلين.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الرابع من تفسير سورة الأحزاب ))

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً(9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً(11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً(12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً(13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً(14)}.
شرح الكلمات:
اذكروا نعمة الله عليكم : أي اذكروا نعمة الله أي دفاعنا عنكم لتشكروا ذلك.
جنود : أي جنود المشركين المتحزبين.
ريحا وجنوداً لم تروها : هي جنود الملائكة والريح ريح الصبا وهي التي تهب من شرق.
بما تعملون بصيراً : أي بصيراً بأعمالكم من حفر الخندق والاستعدادات للمعركة.
إذ جاءوكم من فوقكم : أي بنو أسد وغطفان أتوا من قبل نجد من شرق المدينة.
ومن أسفل منكم : أي من غرب وهم قريش وكنانة.
وإذ زاغت الأبصار : أي مالت عن كل شيء إلا عن العدو تنظر إليه من شدة الفزع.
وبلغت القلوب الحناجر : أي منتهى الحلقوم من شدة الخوف.
وتظنون بالله الظنون : أي المختلفة من نصر وهزيمة، ونجاة وهلاك.
هنالك ابتلي المؤمنون : أي ثم في الخندق وساحة المعركة أختبر المؤمنون.
وزلزلوا زلزالاً شديداً : أي حركوا حراكاً قويا من شدة الفزع.
والذين في قلوبهم مرض : أي شيء من النفاق لضعف عقيدتهم.
ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا : أي ما وعدنا من النصر ما هو إلا غروراً وباطلا.
يا أهل يثرب لا مقام لكم : أي يا أهل المدينة لا مقام لكم حول الخندق فارجعوا إلى دياركم.
إن بيوتنا عورة : أي غير حصينة.
إن يريدون إلا فرارا : أي من القتال إذ بيوتهم حصينة.
ولو دخلت عليهم : أي المدينة أي دخلها العدو الغازي.
ثم سئلوا الفتنة : أي ثم طلب إليهم الردة إلى الشرك لآتوها أي أعطوها وفعلوها.
وما تلبثوا بها إلا يسيرا : أي ما تريثوا ولا تمهلوا بل أسرعوا الإجابة وارتدوا.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} الآيات هذه قصة غزوة الخندق أو الأحزاب قصها تبارك وتعالى على المؤمنين في معرض التذكير بنعمه تعالى عليهم ليشكروا بالانقياد والطاعة لله ورسوله وقبول كل ما يشرع لهم لإكمالهم وإسعادهم في الحياتين.
واختلف في السنة التي كان فيها غزوة الأحزاب فقال قوم كانت سنة خمس وقال آخرون كانت سنة أربع وكانت في شوال، وسميت بغزوة الأحزاب لتحزب المشركين على قتال الرسول والمؤمنين فصاروا حزباً واحداً.
فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي يا من آمنتم بالله ربا وإلهاً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبالإسلام دينياً وشرعاً
{اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} المتمثلة في دفع أكبر خطر قد حاق بكم وهو اجتماع جيوش عدة على غزوكم في عقر داركم وهم جيوش قريش وأسد وغطفان وبنو قريظة من اليهود ألبهم عليهم وحزّب أحزابهم حيي بن أخطب النضري يريد الانتقام من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذ أجلوهم عن المدينة وأخرجوهم منها فالتحقوا بيهود خيبر وتيما، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم أمر بحفر الخندق تحت سفح جبل سلع غربي المدينة، وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه إذ كانت له خبرة حربية علمها من ديار قومه فارس.
وتم حفر الخندق في خلال شهر من الزمن وكان صلى الله عليه وسلم يعطي لكل عشرة أنفار أربعين ذراعاً أي عشرين متراً.
روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه وكان كثير الشعر فرأيته يرتجز بكلمات ابن رواحة يقول:
اللهم لولا أنت ما هدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا.
وما إن فرغوا من حفره حتى نزلت جيوش المشركين وكانوا قرابة اثني عشر ألفاً ولما رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وراء الخندق تحت جبل سلع قالوا هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها فتناوشوا بالنبال ورمى عمرو عبد ود القرشي بفرسه في الخندق فقتله علي رضي الله عنه .
ودام الحصار والمناوشة وكانت الأيام والليالي باردة والمجاعة ضاربة أطنابها قرابة الشهر.
وتفصيل الأحداث للقصة فيما ذكره تعالى فيما يلي:
فقوله تعالى {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} هي جنود المشركين من قريش ومن بني أسد وغطفان {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} لما جاءتكم جنود المشركين وحاصروكم في سفح السلع أرسلنا عليهم ريحاً وهي ريح الصبا المباركة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وهي الريح الغربية.
وفعلت بهم الصبا الأفاعيل حيث لم تبق لهم ناراً إلا أطفأتها ولا قدراً على الأثافي إلا أراقته، ولا خيمةً ولا فسطاطاً إلا أسقطته وأزالته حتى اضطروا إلى الرحيل وقوله: {وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة فأصابتهم بالفزع والرعب الأمر الذي أفقدهم كل رشدهم وصوابهم ورجعوا يجرون أذيال الخيبة والحمد لله .
وقوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} أي بكل أعمالكم من حفر الخندق والمشادات والمناورات وما قاله وعمله المنافقون لم يغب عليه تعالى شيء وسيجزيكم به المحسن بالإحسان والمسيء بالإساءة.
وقوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ} أي المشركون {مِنْ فَوْقِكُمْ} أي من الشرق وهم غطفان بقيادة عيينة بن حصن وأسد {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} وهم قريش وكنانة أي من الجنوب الغربي وهذا تحديد لساحة المعركة.
وقوله :{وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ} أي مالت عن كل شيء فلم تبق تنظر إلا إلى القوات الغازية من شدة الخوف، { وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي ارتفعت بارتفاع الرئتين فبلغت منتهى الحلقوم.
وقيل هذا من باب المبالغة على إضمار كادت أي ارتفعت من أماكنها لشدة الخوف حتى كادت تبلغ الحناجر جمع حنجرة، قال الشاعر:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
أي كادت تقطر، والحنجرة والحنجور حرف الحلق أي طرفه.
وقوله {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ} المختلفة من نصر وهزيمة وسلامة وعطب، وهذا تصوير للحال أبدع تصوير وهو كما ذكر تعالى حرفيّا.
وقوله تعالى {هُنَالِكَ} أي في ذلك المكان والزمان الذي حدق العدو بكم {ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} أي اختبرهم ربهم ليرى الثابت على إيمانه الذي لا تزعزعه الشدائد والفتن من السريع الانهزام والتحول لضعف عقيدته وقلة عزمه وصبره.
وقوله تعالى {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} أي أُزعجوا وحرّكوا حراكا شديداً لعوامل قوة العدو وكثرة جنوده، وضعف المؤمنين وقلة عددهم، وعامل المجاعة والحصار، والبرد الشديد وما أظهره المنافقون من تخاذل وما كشفت عنه الحال من نقض بني قريظة عهدهم وانضمامهم إلى الأحزاب وقوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُون وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي النفاق لضعف إيمانهم {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي من النصر {إِلَّا غُرُوراً} أي باطلا: وذلك أنهم لما كانوا يحفرون الخندق واستعصت عليهم صخرة فأبت أن تنكسر فدعي لها الرسول صلى لله عليه وسلم فضربها بالمعول ضربة تصدعت لها وبرق منها بريقٌ أضاء الساحة كلها فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون، ثم ضربها ثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير الفتح وكبر المسلمون وضرب ثالثة فكسرها وبرقت لها برقة كسابقتيها وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد سلمان فرقى من الخندق فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط فالتفت رسول الله إلى القوم فقال هل رأيتم ما رأى سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله فأعلمهم أنه على ضوء ذلك البريق رأى قصور مدائن كسرى كأنياب الكلاب وإن جبريل أخبرني أن أمتي ظاهرة عليها
كما رأيت في الضربة الثانية القصور الحمراء من أرض الروم وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها،
ورأيت في الثالثة قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا أبشروا أبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صدق.
فلما طال الحصار واشتدت الأزمة واستبد الخوف بالرجال قال المنافقون وضعفاء الإيمان {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} إذ قال معتب بن قشير يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً وخوفاً ما هذا الوعد إلا وعد غرور!!
وقوله {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} أي من المنافقين؛ وهو أُويس بن قيظي أحد رؤساء المنافقين {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ} أي المدينة قبل أن يبطل الرسول هذا الاسم لها ويسميها بالمدينة {لا مُقَامَ لَكُمْ} أي في سفح سلع عند الخندق {فَارْجِعُوا} إلى منازلكم داخل المدينة بحجة أنه لا فائدة في البقاء هنا دون قتال، وما قال ذلك إلا فراراً من القتال وهروباً من المواجهة.
وقوله تعالى {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} أي يطلبون الإذن بالعودة إلى منازلهم بالمدينة بدعوى أن بيوتهم عورة أي مكشوفة أمام العدو وهم لا يأمنون عليها وأكذبهم الله تعالى في قولهم فقال: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} أي ما يريدون بهذا الاعتذار إلا الفرار من وجه العدو، وقال تعالى فيهم ومن أصدق من الله قيلاً: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} المدينة {مِنْ أَقْطَارِهَا} أي من جميع نواحيها من شرق وغرب وشمال وجنوب
{ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ} أي طلب منهم العدو الغازي الذي حل عليهم المدينة الردة أي العودة إلى الشرك {لَآتَوْهَا} أعطوها فوراً {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرا} حتى يرتدوا عن الإسلام ويصبحوا كما كانوا مشركين والعياذ بالله من النفاق والمنافقين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- مشروعية التذكير بالنعم ليشكرها المذكَّرون بها فتزداد طاعتهم لله ورسوله.
2- عرض غزوة الأحزاب أو الخندق عرضاً صادقاً لا أمثل منه في عرض الأحداث للعبرة.
3- بيان أن غزوة الخندق كانت من أشد الغزوات وأكثرها ألماً وتعباً على المسلمين.
4- بيان أن حسن الظن بالله ممدوح، وأن سوء الظن به تعالى كفر ونفاق.
5- بيان مواقف المنافقين الداعية إلى الهزيمة ليكون ذلك درساً للمؤمنين.
6- تقرير النبوة المحمدية بإخبار الغيب التي أخبر بها رسول الله فكانت كما أخبر من فتح فارس والروم واليمن.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الخامس من تفسير سورة الأحزاب ))

{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً(15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً(16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً(17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً(18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً(19)}.
شرح الكلمات:
ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل : أي من قبل غزوة الخندق وذلك يوم أحد قالوا: والله لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ولا نولي الأدبار.
وكان عهد الله مسئولا : أي صاحب العهد عن الوفاء به.
وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً : أي وإذا فررتم من القتال فإنكم لا تمتعون بالحياة إلا قليلاً وتموتون.
من ذا الذي يعصمكم من الله : أي من يجيركم ويحفظكم من الله.
إن أراد بكم سوءاً : أي عذاباً تستاءون له وتكربون.
قد يعلم الله المعوقين منكم : أي المثبطين عن القتال المفشلين إخوانهم عنه حتى لا يقاتلوا مع رسول الله والمؤمنين.
هلم إلينا : أي تعالوا إلينا ولا تخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يأتون البأس إلا قليلاً : أي ولا يشهدون القتال إلا قليلاً دفعاً عن أنفسهم تهمة النفاق.
أشحة عليكم : أي بخلاء لا ينفقون على مشاريعكم الخيرية كنفقة الجهاد وعلى الفقراء.
تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت: أي تدور أعينهم من شدة الخوف لجبنهم كالمحتضر الذي يغشى عليه أي يغمى عليه من آلام سكرات الموت.
سلقوكم بألسنة حداد : أي آذوكم بألسنة ذربة حادة كأنها الحديد وذلك بكثرة كلامهم وتبجحهم بالأقوال دون الأفعال.
أشحة على الخير : أي بخلاء بالخير لا يعطونه ولا يفعلونه بل ولا يقولونه حتى القول.
أولئك لم يؤمنوا : أي إنهم لم يؤمنوا الإيمان الصحيح فلذا هم جبناء عند اللقاء بخلاء عند العطاء.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في عرض أحداث غزوة الأحزاب فقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} أي لقد عاهد أولئك المنافقون الله من قبل غزوة الأحزاب وذلك يوم فروا من غزوة أحد إذ كانت قبل غزوة الأحزاب بقرابة السنتين فقالوا والله لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن ولا نوليّ الأدبار، فذكرهم الله بعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم ثم نكثوه، {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} أي يسأل عنه صاحبه ويؤاخذ به. وقوله تعالى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} أي قل لهم يا رسولنا إنه لن ينفعكم الفرار أي الهروب من الموت أو القتل لأن الآجال محددة ومن لم يمت بالسيف مات بغيره فلا معنى للفرار من القتال إذا وجب وقوله :
{وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً} أي وإذا فررتم من القتال فإنكم لا تمتعون بالحياة إلا قليلا من الزمن ثم تموتون عند نهاية أعماركم وهي فترة قليلة، فالفرار لا يطيل أعماركم والقتال لا ينقصها، وقوله تعالى:
{قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي قل لهم يا رسولنا تبكيتاً لهم وتأنيباً وتعليما أيضا: من ذا الذي يعصمكم أي يجيركم ويحفظكم من الله {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً} أي ما يسوءكم من بلاء وقتل ونحوه:
{أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي سلامة وخيراً فليس هناك من يحول دون وصول ذلك إليكم لأن الله تعالى يجير ولا يجار عليه وقوله تعالى :
{وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} أي ولا يجد المخالفون لأمر الله العصاة له ولرسوله من دون الله ولياً يتولاهم فيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم إذا أراد الله إذلالهم وخذلانهم لسوء أفعالهم،
وقوله تعالى في الآية (18) في هذا السياق {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ} أخبرهم تعالى بأنه قد علم المعوقين أي المثبطين عن القتال والمخذلين بما يقولونه سراً في صفوف المؤمنين كالطابور الخامس في الحروب وهم أناس يذكرون في الخفاء عظمة العدو وقوته ويرهبون منه ويخذلون عن قتاله.
وقوله :{وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي تعالوا إلينا إلى المدينة واتركوا محمداً وأصحابه يموتون وحدهم فإنهم لا يزيدون عن أكلة جزور.
وقوله {وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً} أي لا يشهد القتال ويحضره أولئك المنافقون المثبطون والذين قالوا إن بيوتنا عورة إلا قليلاً إذ يتخلفون في أكثر الغزوات وإن حضروا مرة قتالاً فإنما هم يدفعون به معرة التخلف ودفعا لتهمة النفاق التي لصقت بهم.
وقوله تعالى :{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} وصفهم بالبخل بعد وصفهم بالجبن وهما شر صفات المرء أي الجبن والبخل أشحة عليكم أي بخلاء لا ينفقون معكم ولا على الجهاد ولا على الفقراء والمحتاجين
وقوله تعالى :{فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ} أي بسبب هجوم العدو {رَأَيْتَهُمْ} أيها الرسول {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} لائذين بك {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} من الخوف {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} وهو المحتضر يغمى عليه لما يعاني من سكرات الموت وهذا تصوير هائل لمدى ما عليه المنافقون من الجبن والخوف وعلة هذا هو الكفر وعدم الإيمان بالقدر والبعث والجزاء.
وقوله {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ} أي راحت أسبابه بانتهاء الحرب {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ} أي سلقكم أولئك الجبناء عند اللقاء أي ضربوكم بألسنة ذربة حادة كالحديد بالمطالبة بالغنيمة أو بالتبجح الكاذب بأنهم فعلوا وفعلوا. وهذا حالهم إلى اليوم وقوله {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي بخلاء على مشاريع الخير وما ينفق في سبيل الله فلا ينفقون لأنهم لا يؤمنون بالخلف ولا بالثواب والأجر وذلك لكفرهم بالله ولقائه. ولذا قال تعالى {أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواً(1)} فسجل عليهم وصف الكفر ورتب عليه نتائجه وقوله {فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها فلا يثابون عليها لأنها أعمال مشرك وأعمال المشرك باطلة، وقوله {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرا} أي إبطال أعمالهم وتخييبهم فيها وحرمانهم من جزائها يسير على الله ليس بالعسير. ولذ هو واقع كما أخبر تعالى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1- وجوب الوفاء بالعهد إذ نقض العهد من علامات النفاق.
2- ترك الجهاد خوفاً من القتل عمل غير صالح إذ القتال لا ينقص العمر وتركه لا يزيد فيه.
3- الشح والجبن من صفات المنافقين وهما شر الصفات في الإنسان.
4- الثرثرة وكثرة الكلام والتبجح بالأقوال من صفات أهل الجبن والنفاق.
5- الكفر محبط للأعمال.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السادس من تفسير سورة الأحزاب ))

{يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً(20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً(21) وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً(22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً(24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً(25)}.
شرح الكلمات:
يحسبون الأحزاب لم يذهبوا : أي يحسب أولئك المنافقون الجبناء الأحزاب وهم قريش وغطفان.
لم يذهبوا : أي لم يعودوا إلى بلادهم خائبين.
وإن يأت الأحزاب : أي مرة أخرى فرضاً.
يودوا لو أنهم بادون في الأعراب: أي من جبنهم وخوفهم يتمنون أن لو كانوا في البادية مع سكانها.
يسالون عن أبنائكم : أي إذا كانوا في البادية لو عاد الأحزاب يسألون عن أنبائكم أي أخباركم هل أنهزمتم أو انتصرتم.
ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً : أي ولو كانوا بينكم في الحاضرة ما قاتلوا معكم إلا قليلاً.
أسوة حسنة : أي قدوة صالحة تقتدون به صلى الله عليه وسلم في القتال والثبات في مواطنه.
هذا ما وعدنا الله ورسوله : من الابتلاء والنصر.
وصدق الله ورسوله : في الوعد الذي وعد به.
وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً : أي تصديقاً بوعد الله وتسليماً لأمر الله.
صدقوا ما عاهدوا الله عليه : أي وفوا بوعدهم.
فمنهم من قضى نحبه : أي وفى بنذره فقاتل حتى استشهد.
ومنهم من ينتظر : أي مازال يخوض المعارك مع رسول الله وهو ينتظر القتل في سبيل الله.
وما بدلوا تبديلاً : أي في عهدهم بخلاف المنافقين فقد نكثوا عهدهم.
ورد الله الذين كفروا بغيظهم : أي ورد الله الأحزاب خائبين لم يظفروا بالمؤمنين.
وكفى الله المؤمنين القتال : أي بالريح والملائكة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في سرد أحداث غزوة الأحزاب فقوله تعالى {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا} أي يحسب أولئك المنافقون الجبناء الذين قالوا إن بيوتنا عورة وقالوا لإخوانهم هلم إلينا أي اتركوا محمداً في الواجهة وحده إنهم لجبنهم ظنوا أن الأحزاب لم يعودوا إلى بلادهم مع أنهم قد رحلوا وهذا منتهى الجبن والخوف وقوله تعالى {وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ} أي مرة أخرى على فرض وتقدير {يَوَدُّوا} يومئذ {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ} أي خارج المدينة لشدة خوفهم من الأحزاب الغزاة، وقوله تعالى {يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} أي أخباركم هل ظفر بكم الأحزاب أو لا، {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ} أي بينكم ولم يكونوا في البادية {مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً} وذلك لجبنهم وعدم إيمانهم بفائدة القتال لكفرهم بلقاء الله تعالى وما عنده من ثواب وعقاب هذا ما تضمنته الآية الأولى (20)
وقوله تعالى في الآية الثانية (21) {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
أي: لقد كان لكم أيها المسلمون أي: من مؤمنين صادقين ومنافقين كاذبين في رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة أي قدوة صالحة فاقتدوا به في جهاده وصبره وثباته، فقد جاع حتى شد بطنه بعصابة وقاتل حتى شج وجهه وكسرت رباعيته ومات عمه وحفر الخندق بيديه وثبت في سفح سلع أمام العدو قرابة شهر فأتسوا به في الصبر والجهاد والثبات إن كنتم ترجون الله أي تنظرون ما عنده من خير في مستقبل أيامكم في الدنيا والآخرة وترجون اليوم الآخر أي ترتقبونه وما فيه من سعادة وشقاء، ونعيم مقيم أو جحيم وعذاب أليم. وتذكرون الله تعالى كثيرا في كل حالاتكم وأوقاتكم، فاقتدوا بنبيكم فإن الاقتداء به واجب لا يسقط إلا عن عجز والله المستعان.
وقوله تعالى في الآية الثالثة في هذا السياق (22) {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ} أي لما رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أحاطب بهم {قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}
بخلاف ما قاله المنافقون حيث قالوا {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} وقوله {وَمَا زَادَهُمْ} أي رؤيتهم للأحزاب على كثرتهم {إِلَّا إِيمَاناً} بصادق وعد الله {وَتَسْلِيماً} لقضائه وحكمه، وهذا ثناء عطر على المؤمنين الصادقين من ربهم عز وجل.
وقوله تعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} هذا ثناء آخر على بعض المؤمنين الذين لما تخلفوا عن بدر فتأسفوا ولما حصل انهزام لهم في أحد عاهدوا الله لئن أشهدهم الله قتالا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتلن حتى الاستشهاد فأخبر تعالى عنهم بقوله فمنهم من قضى نحبه أي وفى بنذره فقاتل حتى استشهد ومنهم من ينتظر القتل في سبيل الله، وقوله تعالى {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} أدنى تبديل في موقفهم فثبتوا على عهدهم بخلاف المعوقين من المنافقين فإنهم بدلوا وغيروا ما عاهدوا الله عليه .
وقوله تعالى {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} أي أجرى تعالى تلك الأحداث فكانت كما قدرها في كتاب المقادير، ليجزي الصادقين بصدقهم فيكرمهم وينعمهم في جواره ويعذب المنافقين بناره إن شاء ذلك فيميتهم قبل توبتهم، أو يتوب عليهم فيؤمنوا ويوحدوا ويدخلوا الجنة مع المؤمنين الصادقين وهو معنى قوله {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ} ذلك لهم قضاء وقدراً أو يتوب عليهم فيتوبوا فلا يعذبوا،
وقوله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً } إخبار منه تعالى عن نفسه بأنه كان ذا ستر على ذنوب التائبين من عباده رحيما بهم فلا يعاقبهم بعد توبتهم.
وقوله تعالى في آخر هذا السياق (25) {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وهم قريش وكنانة وأسد وغطفان ردهم بغيظهم أي بكربهم وغمهم حيث لم يظفروا بالرسول والمؤمنين ولم يحققوا شيئاً مما أمّلوا تحقيقه، وكفى الله المؤمنين القتال حيث سلط على الأحزاب الريح والملائكة فانهزموا وفروا عائدين إلى ديارهم لم ينالوا خيراً. وكان الله قوياً على إيجاد ما يريد إيجاده عزيزاً أي غالباً على أمره لا يمتنع منه شيء أراده.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير أن الكفر والنفاق صاحبهما لا يفارقه الجبن والخور والشح والبخل.
2- وجوب الائتساء برسول الله في كل ما يطيقه العبد المسلم ويقدر عليه.
3- ثناء الله تعالى على المؤمنين الصادقين لمواقفهم المشرفة ووفائهم بعهودهم.
4- ذم الانهزاميين الناكثين لعهودهم الجبناء من المنافقين وضعاف الإيمان.
5- بيان الحكمة في غزوة الأحزاب، ليجزي الله الصادقين ..... الخ.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم السابع من تفسير سورة الأحزاب ))
{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً(26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً(27)}
شرح الكلمات:
ظاهروهم : أي ناصروهم ووقفوا وراءهم يشدون أزرهم.
من صياصيهم : أي من حصونهم والصياصي جمع صيصيّة وهي كل ما يمتنع به.
وقذف في قلوبهم الرعب : أي ألقى الخوف في نفوسهم فخافوا.
وأرضاً لم تطأوها : أي لم تطأوها بعد وهي خيبر إذ فتحت بعد غزوة الخندق.
معنى الآيات:
قوله تعالى {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} هذا شروع في ذكر غزوة بني قريظة إذ كانت بعيد غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة في آخر شهر ذي القعدة .
وخلاصة الحديث عن هذه الغزوة أنه لما ذهب الأحزاب وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة وكان بنو قريظة قد نقضوا عهدهم وانضموا إلى الأحزاب من المشركين عونا لهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فلما ذهب الأحزاب وانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من الخندق إلى المدينة فما راع الناس إلا ومنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي إلى بني قريظة فلا يصلين أحدكم العصر إلا ببني قريظة وهي على أميال من المدينة وذلك أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ذلك اليوم فقال يا رسول الله وضعت السلاح إن يأمرك بالسير إلى بني قريظة فقام رسول الله وأمر مناديا أن ينادي بالذهاب إلى بني قريظة وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فحاصروهم قرابة خمس وعشرين ليلة وجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتنزلون على حكمي؟ فأبوا فقال أتنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فقالوا نعم فحَكَمَّهُ فيهم, فحَكَمَ بأن يُقتلَ الرجالُ وتُسبى الذراري والنساءُ وتُقسمَ الأموالُ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مقرراً للحكم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع السموات.
فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث من نساء بني النجار وخرج إلى سوق المدينة فحفر فيها خندقاً ثم جيء بهم وفيهم حيي بن أخطب الذي حزبّ الأحزاب وكعب بن أسيد رئيس بني قريظة، وأمر علياً والزبير بضرب أعناقهم وطرحهم في ذلك الخندق.
وبذلك انتهى الوجود اليهودي المعادي بالمدينة النبوية. والحمد لله.
فقوله تعالى {وَأَنْزَلَ} أي الله تعالى بقدرته {الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} أي ظاهروا الأحزاب وكانوا عونا لهم على الرسول والمؤمنين وهم يهود بني قريظة {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} أي أنزلهم من حصونهم الممتنعين بها، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} ولذا قبلوا التحكيم فحكم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم فيهم بقتل المقاتلة من الرجال وسبي النساء والذراري وهو معنى قوله تعالى {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} وهم الرجال {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} وهم النساء والأطفال، وقوله {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ} الزراعية {وَدِيَارَهُمْ} السكنية {وَأَمْوَالَهُمْ} الصامتة والناطقة وقوله {وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا} أي أورثكم أرضاً لم تطئوها بعد وهي أرض خيبر حيث غزاهم رسول الله في السنة السادسة بعد صلح الحديبية وفتحها الله عليهم
وقوله {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} تذييل المراد به تقرير ما أخبر تعالى به من نصر أوليائه وهزيمة أعدائه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان عاقبة الغدر فإن بني قريظة لما غدرت برسول الله انتقم منها فسلط عليها رسوله والمؤمنين فأبادوهم عن آخرهم ولم يبق إلا الذين لا ذنب لهم وهم النساء والأطفال.
2- بيان صدق وعد الله إذ أورث المسلمين أرضاً لم يكونوا قد وطئوها وهي خيبر والشام والعراق وفارس
وبلاد أخرى كبيرة وكثيرة.
3- تقرير أن قدرة الله لا تحد أبداً فهو تعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم الثامن من تفسير سورة الأحزاب ))

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً(28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً(30)}
شرح الكلمات:
قل لأزوجك : أي اللائي هن تحته يومئذ وهن تسع طلبن منه التوسعة في النفقة عليهن ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوسع به عليهن.
فتعالين : أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يومئذ قد اعتزلهن شهرا.
أمتعكن : أي متعة الطلاق المشروعة على قدر حال المطلق سعة وضيقا.
أسرحكن سراحا جميلا : أي أطلقكن طلاقاً من غير إضرار بكن.
تردن الله ورسوله والدار الآخرة : أي تردن رضا الله ورسوله والجنة.
فإن الله أعد للمحسنات : أي عشرة النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على الإحسان العام.
بفاحشة مبينة : أي بنشوز وسوء خلق يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يضاعف لها العذاب ضعفين : أي مرتين على عذاب غيرهن ممن آذين أزواجهن.
وكان ذلك على الله يسيراً : أي مضاعفة العذاب يسيرة هينة على الله تعالى.
معنى الآيات:
شاء الله تعالى أن يجتمع نساء الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأين نساء الأنصار والمهاجرين قد وُسّع عليهن في النفقة لوجود يسر وسعة رزق بين أهل المدينة، أن يطالبن بالتوسعة في النفقة عليهن أسوة بغيرهن وكن يومئذ تسعا .
وهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أمية، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجورية بنت الحارث المصطلقية، وصفيّة بنت حيي بن أخطب النضريّة رضي الله عنهن.
فأبلغت عائشة ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأثر لذلك، لعدم القدرة على ما طُلب منه وقعد في مشربة له واعتزلهن شهراً كاملا حتى أنزل الله تعالى آية التخيير وهي هذه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا}
من لذيذ الطعام والشراب وجميل الثياب وحلي الزينة ووافر ذلك كله فتعالين إلى مقام الرسول الرفيع {أُمَتِّعْكُنَّ} المتعة المشروعة في الطلاق {وَأُسَرِّحْكُنَّ} أي أطلّقكن {سَرَاحاً جَمِيلاً} أي لا إضرار معه، {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي رضاهما {وَالدَّارَ الْآخِرَةَ} أي الجنة {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ} أي هيأ وأحضر {لِلْمُحْسِنَاتِ} طاعة الله ورسوله {مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} وهو المقامات العالية في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في دار السلام.
وخيرهن صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمر الله في قوله:
{قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} وبدأ بعائشة فقال لها: إني أريد أن أذكر لك أمراً فلا تقضي فيه شيئاً حتى تستأمري أبويك أي تطلبين أمرهما في ذلك وقرأ عليها الآية فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، وتتابعن على ذلك فما اختارت منهنّ امرأة غير الله ورسوله والدار الآخرة فأكرمهن الله لذلك وأنزل على رسوله: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً}
وقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} أي بخصلة قبيحة ظاهرة كسوء عشرة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} يوم القيامة لأن أذيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبواب الكفر والعياذ بالله تعالى {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} أي وكان تضعيف العذاب على من أتت بفاحشة مبينة شيئا يسيراً على الله لا يعجزه حتى لا يفعله وهذا لأمرين:
الأول لأن أذيّة الرسول من أبواب الكفر.
والثاني لعلو مقامهن وشرفهن فإن ذا الشرف والمنزلة العالية يستقبح منه القبيح أكثر مما يستقبح من غيره.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- مشروعية تخيير الزوجات فإن اخترن الطلاق تطلّقن وإن لم تخترنه فلا يقع الطلاق.
2- كمال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عن الدنيا وزينتها.
3- مشروعية المتعة بعد الطلاق وهي أن تعطى المرأة شيئا من المال بحسب غنى المطلق وفقره لقوله تعالى {عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المْقْتِرِ قَدَرُهُ}
4- وجوب الإحسان العام والخاص، الخاص بالزوج والزوجة والعام في طاعة الله ورسوله.
5- بيان أن سيئة العالم الشريف أسوأ من سيئة الجاهل الوضيع. ولذا قالوا سيئات الأبرار حسنات المقربين كمثل من الأمثال السائرة للعظة والاعتبار.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

((القسم التاسع من تفسير سورة الأحزاب ))

الجزء الثاني والعشرون
{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً(31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً(32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً(ا34)}.
شرح الكلمات:
ومن يقنت منكن لله ورسوله : أي ومن يطع منكن الله ورسوله.
نؤتها أجرها مرتين : أي نضاعف لها أجر عملها الصالح حتى يكون ضعف عمل امرأة أخرى من غير نساء النبي.
وأعتدنا لها رزقاً كريما : أي في الجنة.
يا نساء النبي لستن كأحد من النساء : أي لستن في الفضل كجماعات النساء.
إن اتقيتن : بل أنتن أشرف وأفضل بشرط تقواكن لله.
فلا تخضعن بالقول : أي نظراً لشرفكن فلا ترققن العبارة.
فيطمع الذي في قلبه مرض : أي مرض النفاق أو مرض الشهوة.
وقلن قولا معروفاً : أي جرت العادة أن يقال بصوت خشن لا رقة فيه.
وقرن في بيوتكن : أي أقررن في بيوتكن ولا تخرجن منها إلا لحاجة.
ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى : أي ولا تتزين وتخرجن متبخترات متغنجات كفعل نساء الجاهلية الأولى قبل الإسلام.
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس: أي إنما أمركّن بما أمركن به من العفة والحجاب ولزوم البيوت ليطهركن من الأدناس والرذائل.
واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله الحكمة : أي الكتاب والسنة لتشكرن الله على ذلك بطاعته وطاعة رسوله.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين فبعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عن الحياة الدنيا وزينتها أصبحن ذوات رفعة وشأن عند الله تعالى، وعند رسوله والمؤمنين. فأخبرهن الرب تبارك وتعالى بقوله:
{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي تطع الله بفعل الأوامر وترك النواهي وتطع رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم فلا تعص له أمراً ولا تسيء إليه في عشرة، وتعمل صالحاً من النوافل والخيرات نؤتها أجرها مرتين أي نضاعف لها أجر عملها فيكون ضعف أجر عاملة أخرى من النساء غير أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} أي في الجنة فهذه بشارة بالحنة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين التسع اللائي نزلت هذه الآيات في شانهن رضي الله تعالى عنهنَّ.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (31).
وقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ } أي يا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين إنّكن لستن كجماعات النساء إن شرفكن أعظم ومقامكم أسمى وكيف وأنتن أمهات المؤمنين وزوجات خاتم النبيين فاعرفن قدركن بزيادة الطاعة لله ولرسوله، وقوله إن اتقيتن أي إن هذا الشرف حصل لكن بتقواكن لله فلازمن التقوى إنكن بدون تقوى لا شيء يذكر شأنكن شأن سائر النساء.
وبناء عليه {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أي لا تليّن الكلمات وترققن الصوت إذا تكلمتن مع الأجانب من الرجال.
وقوله تعالى: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} نفاق مع شهوة عارمة تجعله يتلذذ بالخطاب وقوله: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} وهو ما يؤدي المعنى المطلوب بدون زيادة ألفاظ وكلمات لا حاجة إليها.
وقوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي اقررن فيها بمعنى أثبتن فيها ولا تخرجن إلا لحاجة لا بد منها وقوله: {وَلا تَبَرَّجْنَ} أي إذا خرجتن لحاجة {تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} أي قبل الإسلام إذ كانت المرأة تتجمل وتخرج متبخترة متكسرة متغنجة في مشيتها وصوتها تفتن الرجال.
وقوله تعالى: {وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ} بأدائها مستوفاة الشروط والأركان والواجبات في أوقاتها مع الخشوع فيها
{وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} بفعل الأمر واجتناب النهي.
أمرهن بقواعد الإسلام وأهم دعائمه.
وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} أي إنما أمرناكن ونهيناكن إرادة إذهاب الدنس والإثم إبقاءً على طهركن يا أهل البيت النبوي.
وقوله تعالى: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} أي كاملا تاماً من كل ما يؤثم ويدسى النفس ويدنسها.
وقوله تعالى {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} من الكتاب والسنة وهذا أمر لهن على جهة والموعظة وتعدد النعمة.
وقوله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً} أي بكم يا أهل البيت خبيراً بأحوالكم فثقوا به وفوضوا الأمر إليه.
والمراد من أهل البيت هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة وابناها الحسن والحسين وعليّ الصهر الكريم رضي الله عن آل بيت رسول الله أجمعين وعن صحابته أجمعين.
من جهل الرافضة وما وضع لهم من قواعد في دينهم لإخراجهم من الإسلام وإبعادهم عن جماعة المسلمين قصرهم هذه الآية على علي وفاطمة والحسين دون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الخطاب في الآية لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحديث الكساء لا ينافي إدخال سائر نساء النبي في أهل بيته إذ ليس فيه صيغة من صيغ القصر المعروفة في لغة القرآن ونصه في صحيح مسلم عن عائشة قالت "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: "إ{نما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}".

هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- لا شرف إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
2- بيان فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وشرفهن.
1- حرمة ترقيق المرأة صوتها وتليين عباراتها إذا تكلمت مع أجنبي.
2- وجوب بقاء النساء في منازلهن ولا يخرجن إلا من حاجة لا بد منها.
3- حرمة التبرج وهي أن تتزين المرأة وتخرج بادية المحاسن متبخترة في مشيتها.
4- على المسلم أن يذكر ما شرفه الله به من الإيمان والإسلام ليترفع عن الدنايا والرذائل.
5- بيان أن الحكمة هي السنة النبوية الصحيحة.
6- الإشارة إلى وجود جاهلية ثانية وقد ظهرت منذ نصف قرن وهي تبرج النساء بالكشف عن الرأس والصدور
والسيقان وحتى الأفخاذ.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
القسم الأول من تفسير سورة الأحزاب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: