الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 [ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ] 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


عدد المساهمات : 579
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: [ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ] 1   الأربعاء نوفمبر 25, 2015 12:15 pm

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الأول
[ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ]
رواه إماما المحدثين : أبو عبدالله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري وأبو الحسين مسلم ابن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري : في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة
هذا حديث صحيح متفق على صحته وعظيم موقعه و جلالته وكثرة فوائده رواه الإمام أبو عبدالله البخاري في غير موضع من كتابه ورواه أبو الحسين مسلم بن الحجاج في آخر كتاب الجهاد
وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام
وقال الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله : يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم قاله البيهقي وغيره
وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة
وروى عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن قال : يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه
وقال جماعة من العلماء : هذا الحديث ثلث الإسلام
واستحب العلماء أن تستفتح المصنفات بهذا الحديث وممن ابتدأ به في أول كتابه : الإمام أبو عبدالله البخاري وقال عبد الرحمن ابن مهدي : ينبغي لكل من صنف كتابا أن يبتدئ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية
وهذا حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله لأنه لم يروه عن النبي صلى الله عليه و سلم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن أبي وقاص ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي ولم يروه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ثم اشتهر بعد ذلك فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة
ولفظة ( إنما ) للحصر : تثبت المذكور وتنفي ما عداه وهي تارة تقتضي الحصر المطلق وتارة تقتضي حصرا مخصوصا ويفهم ذلك بالقرائن كقوله تعالى { إنما أنت منذر } فظاهره الحصر في النذارة والرسول لا ينحصر في ذلك بل له أوصاف كثيرة جميلة : كالبشارة وغيرها وكذلك قوله تعالى { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } فظاهره والله أعلم - الحصر باعتبار من آثرها وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سببا إلى الخيرات ويكون ذلك من باب التغليب فإذا وردت هذه اللفظة فاعتبرها فإن دل السياق والمقصود من الكلام الحصر في شئ مخصوص : فقل به وإلا فاحمل الحصر على الإطلاق ومن هذا قوله صلى الله عليه و سلم [ إنما الأعمال بالنيات ] والمراد بالأعمال : الأعمال الشرعية
ومعناه : لا يعتد بالأعمال بدون النية مثل الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والإعتكاف وسائر العبادات
فأما إزالة النجاسة فلا تحتاج إلى نية لأنها من باب الترك والترك لا يحتاج إلى نية
وذهب جماعة إلى صحة الوضوء والغسل بغير نية وفي قوله صلى الله عليه و سلم [ إنما الأعمال بالنيات ] محذوف واختلف العلماء في تقديره : فالذين اشترطوا النية قدروا : صحة الأعمال بالنيات والذين لم يشترطوها قدروا : كمال الأعمال بالنيات
وقوله [ وإنما لكل امرئ ما نوى ] قال الخطابي يفيد معنى خاصا غير الأول وهو تعيين العمل بالنية وقال الشيخ محي الدين النووي فائدة ذكره : أن تعيين المنوى شرط فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرهما ولو لا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أهم ذلك والله أعلم
وقوله [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ] المتقرر عند أهل العربية : أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد أن يتغايرا وههنا قد وقع الإتحاد وجوابه [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ] نية وقصدا [ فهجرته إلى الله ورسوله ] حكما وشرعا وهذا الحديث ورد على سبب لأنهم نقلوا : أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها [ أم قيس ] لا يريد بذلك فضيلة الهجرة فكان يقال له [ مهاجر أم قيس ] والله أعلم
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

=====================
[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثاني
[ عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه
وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال : صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه
قال : فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال : صدقت
قال : فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك
قال : فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل
قال : فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق
فلبثت مليا ثم قال يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ] رواه مسلم
هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه لما تضمنه من جمعه علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة : أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك فإن جبريل أتى معلما للناسب بحاله ومقاله
وقوله [ لا يرى عليه أثر السفر ] المشهور ضم الياء من [ يرى ] مبنيا لما لم يسم فاعله ورواه بعضهم بالنون المفتوحة وكلاهما صحيح
وقوله [ ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد ] هكذا هو المشهور الصحيح ورواه النسائي بمعناه
وقال [ فوضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه و سلم ] فارتفع الإحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم فإنه قال فيه [ فوضع كفيه على فخذيه ] وهو محتمل
وقد استفيد من هذا الحديث : أن الإسلام والإيمان حقيقتان متباينتان لغة وشرعا وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة وقد يتوسع فيهما الشرع فيطلق أحدهما على الآخر على سبيل التجوز
قوله [ فعجبنا له يسأله ويصدقه ] إنما تعجبوا من ذلك لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم لا يعرف إلى من جهته وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه و سلم ولا بالسماع منه ثم هو قد سأل سؤال عارف محقق مصدق فتعجبوا من ذلك
قوله [ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ]
الإيمان بالله : هو التصديق بأنه سبحانه موجود موصوف بصفات الجلالة والكمال منزه عن صفات النقص وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيما يشاء يفعل في ملكه ما يريد
والإيمان بالملائكة : هو التصديق بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
والإيمان برسل الله : هو أنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن الله رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمرهم الله به وأنه بجب احترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم
والإيمان باليوم الآخر : هو التصديق بيوم القيامة وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والحشر والنشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وأنهما دار ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين إلى غير ذلك مما صح من النقل
والإيمان بالقدر : هو التصديق بما تقدم ذكره وحاصله ما دل عليه قوله تعالى { والله خلقكم وما تعملون }
وقوله { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ونحو ذلك ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم في حديث ابن عباس
[ واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلى بشئ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ]
ومذهب السلف وأئمة الخلف : أن من صدق بهذه الأمور تصديقا جازما لا ريب فيه ولا تردد : كان مؤمنا حقا سواء كان ذلك عن براهين قاطعة أو عن اعتقادات جازمة
وقوله في الإحسان [ أن تعبد الله كأنك تراه الخ ] حاصله راجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حقوق الله ومراقبته واستحضار عظمته حال العبادات
قوله [ فأخبرني عن أماراتها ] بفتح الهمزة والأمارة : العلامة
و [ الأمة ] ههنا الجارية المستولدة و [ ربتها ] سيدتها وجاء في رواية [ بعلها ] وقد روي أن أعرابيا سئل عن هذه الناقة قال : أنا بعلها ويسمى الزوج : بعلا وهو في الحديث [ ربتها ] بالتأنيث واختلف في قوله [ أن تلد الأمة ربتها ]
فقيل : المراد به أن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح والتسري
وقيل : معناه أن تفسد أحوال الناس حتى يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ترددهن في أيدي المشترين فربما اشتراها ولدها ولا يشعر بذلك فعلى هذا الذي يكون من أشراط الساعة : غلبة الجهل بتحريم بيعهن وقيل معناه : أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته : من الإهانة والسب
و [ العالة ] بتخفيف اللام : جمع عائل : وهو الفقير
وفي الحديث كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ يؤجر ابن آدم في كل شئ إلا ما وضعه في هذا التراب ]
ومات رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة : أي لم يشيد بناءه ولا طوله ولا تأنق فيه
وقوله [ رعاه الشاء ] إنما خص رعاء الشاء بالذكر لأنهم أضعف أهل البادية معناه أنهم من ضعفهم وبعدهم عن أسباب ذلك بخلاف أهل الإبل فإنهم في الغالب ليسوا عالة ولا فقراء
وقوله [ فلبث مليا ] قد روي بالتاء يعني لبث عمر رضي الله عنه وروي [ فلبث ] بغير تاء يعني : أقام النبي صلى الله عليه و سلم بعد انصرافه وكلاهما صحيح المعنى
وقوله [ مليا ] هو بتشديد الياء أي زمانا كثيرا وكان ذلك ثلاثا هكذا جاء مبينا في رواية أبي داود وغيره
وقوله [ أتاكم يعلمكن دينكم ] أي قواعد دينكم أو كليات دينكم قاله الشيخ محي الدين في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم
أهم ما يذكر في هذا الحديث بيان الإسلام والإيمان والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله تعالى وذكر في بيان الإسلام والإيمان كلاما طويلا وحكى فيه أقوال جماعة من العلماء منها ما حكاه عن الإمام أبي الحسين المعروف بابن بطال المالكي أنه قال : مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص بدليل قوله تعالى { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ونحوها من الآيات
قال بعض العلماء : نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها
قالوا : وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وبين أصل وضعه في اللغة وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرا فالأظهر والله أعلم أن التصديق يزيد بكثرة النظر لظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان المصدقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا يغرنهم السفه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة منيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال فأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك وهذا لا يمكن إنكاره ولا يشك في نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن لا يساويه آحاد تصديق الناس ولهذا قال البخاري في صحيحه قال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل عليهم السلام
وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله أكثر من أن تحصر قال الله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم وحكي عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح في قوله صلى الله عليه و سلم [ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة إلخ ] ثم فسر الإيمان بقوله [ أن تؤمن بالله تعالى وملائكته إلخ ] قال رحمه الله : هذا بيان أصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان أصل الإسلام وهو الإستسلام والإنقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ثبت في الشهادتين وإنما أضاف إليها الصلاة والزكاة والصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يصح استسلامه
ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان
ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشئ مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بنية وكذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه و سلم [ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ]
واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام
قال : فخرج بما ذكرناه أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وقال : فهذا التحقيق واف بالتوفيق ونصوص الكتابة والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لمذهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم
والله أعلم
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]

الحديث الثالث
[ عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ]
رواه البخاري ومسلم
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى : يعني أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعده التي عليها بني وبها يقوم وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد مع أنه يظهر الدين ويقمع عناد الكافرين لأن هذه الخمس فرض دائم والجهاد من فروض الكفايات وقد يسقط في بعض الأوقات
وقد وقع في بعض الروايات في هذا الحديث تقديم الحج على الصوم وهو وهم والله أعلم لأن ابن عمر لما سمع المستعيد يقدم الحج على الصوم زجره ونهاه عن ذلك وقد قدم الصوم على الحج وقال : [ هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ] وفي رواية لابن عمر [ بني الإسلام على أن تعبد الله وتكفر بما سواه وإقام الصلاة إلخ ] وفي رواية أخرى : أن رجلا قال لعبد الله بن عمر : ألا نغزو ؟ فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ إن الإسلام بني على خمس ] ووقع في بعض الطرق [ على خمسة ] بالهاء وفي بعضها بلا هاء وكلاهما صحيح وهذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده فإنه قد جمع أركانه .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .


[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الرابع
[ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق :
(( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات :
بكتب رزقه
وأجله
وعمله
وشقي أو سعيد
فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها
وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ))]
رواه البخاري ومسلم
قوله [ وهو الصادق المصدوق ] أي الصادق في قوله المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم
قال بعض العلماء : معنى قوله [ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ] أن المني يقع في الرحم متفرقا فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة
وقد جاء عن ابن مسعود في تفسير ذلك : إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم تصير دما في الرحم فذلك جمعها وهو وقت كونها علقة قوله
[ ثم يرسل إليها الملك ] يعني الملك الموكل بالرحم قوله
[ وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة الخ ] ظاهر الحديث : أن هذا العامل كان عمله صحيحا وأنه قرب من الجنة بسبب عمله حتى بقي له على دخولها ذراع وإنما منعه من ذلك سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة فإذا الأعمال بالسوابق لكن لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة جاء في الحديث [ إنما الأعمال بالخواتيم ] يعني عندنا بالنسبة إلى اطلاعنا في معنى الأشخاص وفي بعض الأحوال
وأما الحديث الذي ذكره مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ] فإنه لم يكن عمله صحيحا في نفسه وإنما كان رياء وسمعة فيستفاد من ذلك الحديث ترك الإلتفات إلى الأعمال والركون إليها والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته
وقوله قبل ذلك [ ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله ] هو بالباء الموحدة في أوله على البدل من [ أربع كلمات ]
وقوله [ شقي أو سعيد ] مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهو شقي أو سعيد
وقوله صلى الله عليه و سلم [ فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة إلى قوله : فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ]
المراد : أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم وذلك من لطف الله سبحانه وسعة رحمته فإن إنقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير وأما إنقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ولله الحمد والمنة على ذلك وهو تجوز
وقوله [ إن رحمتي سبقت غضبي ] وفي رواية [ تغلب غضبي ]
وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها قال الله تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }
ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء قال الإمام السمعاني : سبيل معرفة هذا الباب : التوفيق من الكتابة والسنة دون محض القياس ومجر العقول فمن عدل عن التوفيق منه ضل وتاه في مجال الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار واختص سبحاه به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة
وواجب علينا أن نقف حيث حد لنا فلا نتجاوزه وقد حجب الله تعالى علم القدر عن العالم فلا يعلمه ملك ولا نبي مرسل
وقيل : إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل ذلك وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل اتكالا على ما سبق من القدر بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة كما في الحديث وقال الله تعالى :
{ فسنيسره لليسرى }
{ فسنيسره للعسرى }
قال العلماء : وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه : كل ذلك مما يجب الإيمان به وأما كيفية ذلك وصفته فعلمه إلى الله تعالى { لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } والله أعلم
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الخامس
[ عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ] رواه البخاري ومسلم
وفي رواية لمسلم [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ]
قال أهل اللغة : الرد هنا بمعنى المردود : أي فهو باطل غير معتد به وقوله [ ليس عليه أمرنا ] يعنى حكمنا
هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين وهو من جوامع الكلم التي أوتيها المصطفى صلى الله عليه و سلم فإنه صريح في رد كل بدعة وكل مخترع
ويستدل به على إبطال جميع العقود الممنوعة وعدم وجود ثمراتها واستدل بعض الأصوليين على أن النهي يقتضي الفساد والرواية الأخرى وهو قوله [ من عمل عملا ليس عليه أمر نا فهو رد ] صريحة في ترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها فإنه قد يحتج به بعض المعاندين إذا فعل البدعة فيقول : ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بهذه الرواية
وهذا الحديث مما ينبغي حفظه وإشاعته واستعماله في إبطال المنكرات فإنه يتناول ذلك كله
فأما تفريغ الأصول التي لا تخرج عن السنة فلا يتناولها هذا الرد ككتابة القرآن العزيز في المصاحف وكالمذاهب التي عن حسن نظر الفقهاء المجتهدين يردون الفروع إلى الأصول التي هي قول رسول الله صلى الله عليه و سلم
وكالكتب الموضوعة في النحو والحساب والفرائض وغير ذلك من العلوم مما مرجعه ومبناه على أقوال رسول الله صلى الله عليه و سلم وأوامره فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث السادس
[ عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :
إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس
فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام
كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه
ألا وإن لكل ملك حمى
ألا وإن حمى الله محارمه
ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ].
رواه البخاري ومسلم .
هذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة قال أبو داود السجستاني : الإسلام يدور على أربعة أحاديث ذكر منها هذا الحديث وأجمع العلماء على عظيم موقعه وكثير فوائده
قوله [ إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ]
يعني أن الأشياء ثلاثة أقسام : فما نص الله على تحليله فهو الحلال كقوله تعالى:
{ أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم }
وكقوله :{ وأحل لكم ما وراء ذلكم } ونحو ذلك.
وما نص الله على تحريمه فهو الحرام البين مثل قوله تعالى:
{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم }
{ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما }
وكتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وكل ما جعل الله فيه حدا أو عقوبة أو وعيدا فهو حرام
وأما الشبهات فهي كل ما تتنازعه الأدلة من الكتاب والسنة وتتجاذبه المعاني فالإمساك عنه ورع وقد اختلف العلماء في المشتبهات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث فقالت طائفة : هي حرام لقوله [ استبرأ لدينه وعرضه ] قالوا : ومن لم يستبرئ لدينه وعرضه فقد وقع في الحرام
وقال الآخرون : هي حلال بدليل قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث [ كالراعي يرعى حول الحمى ] فيدل على أن ذلك حلال وأن تركه ورع وقالت طائفة أخرى : المشتبهات المذكور في هذا الحديث لا نقول إنها حلال ولا إنها حرام فإنه صلى الله عليه و سلم جعلها بين الحلال البين والحرام البين فينبغي أن نتوقف عنها وهذا من باب الورع أيضا وقد ثبت في حديث الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص و عبد بن زمعة في غلام فقال سعد : يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه إبنه أنظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم فرأى شبها بينا بعتبة فقال [ هو لك ياعبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة ] فلم تره سودة قط
فقد حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالولد للفراش وأنه لزمعة على الظاهر وأنه أخو سودة زوج النبي صلى الله عليه و سلم لأنها بنت زمعة وذلك على سبيل التغليب لا على سبيل القطع ثم أمر سودة بالإحتجاب منه للشبهة الداخلة عليه فاحتاط لنفسه وذلك من فعل الخائفين من الله عز و جل إذ لو كان الولد ابن زمعة في علم الله عز و جل لما أمر سودة بالإحتجاب منه كما لم يأمرها بالإحتجاب من سائر إخوانها : عبد وغيره
وفي حديث عدى بن حاتم أنه قال : يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي عليه فأجد معه على الصيد كلبا آخر قال [ لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره ] فأفتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشبهة أيضا خوفا من أن يكون الكلب الذى قتله غير مسمى عليه فكأنه أهل لغير الله به وقد قال الله تعالى في ذلك { وإنه لفسق } فكان في فتياه صلى الله عليه و سلم دلالة على الإحتياط في الحوادث والنوازل المحتملة للتحليل والتحريم لاشتباه أسبابها وهذا معنى قوله صلى الله عليه و سلم [ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ] وقال بعض العلماء : المشتبهات ثلاثة أقسام :
منها ما يعلم الإنسان أنه حرام ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا ؟ كالذى يحرم على المرء أكله قبل الذكاة إذا شك في ذكاته لم يزل التحريم إلا بيقين الذكاة والأصل في ذلك حديث عدي المتقدم ذكره وعكس ذلك أن يكون الشئ حلالا فيشك في تحريمه كرجل له زوجة فشك في طلاقها أو أمة فيشك في عتقها فما كان من هذا القسم فهو على الإباحة حتى يعلم تحريمه والأصل في هذا الحديث عبدالله بن زيد فيمن شك في الحدث بعد أن تيقن الطهارة القسم
الثالث أن يشك في شئ فلا يدري أحلال أم حرام ؟ ويحتمل الأمرين جميعا ولا دلالة على أحدهما فالأحسن التنزه كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم في التمرة الساقطة حين وجدها في بيته فقال :
[ لو لا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ]
وأما إن جوز نقيض ما ترجح عنده بأمر موهوم لا أصل له كترك استعمال ماء باق على أوصافه مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه أو كترك الصلاة في موضع لا أثر فيه مخافة أن يكون فيه بول قد جف أو كغسل ثوب مخافة إصابة نجاسة لم يشاهدها ونحو ذلك فهذا يجب أن لا يلتفت إليه فإن التوقف لأجل التجويز هوس والورع منه وسوسة شيطان إذ ليس فيه من معنى الشبهة شئ والله أعلم
وقوله صلى الله عليه و سلم [ لا يعلمهن كثير من الناس ] أي لا يعلم حكمهن من التحليل والتحريم وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة لترددها بين أمور محتملة فإذا علم بأي أصل يلتحق زال كونها شبهة وكانت إما من الحلال أو من الحرام وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها يدل عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس
وقوله [ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ] مما يشتبه وأما قوله [ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ] فذلك يكون بوجهين أحدهما : أن من لم يتق الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات ويحمله التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام كما قال بعضهم : الصغيرة تجر الكبيرة والكبيرة تجر الكفر وكما روي
[ المعاصي بريد الكفر ]
الوجه الثاني : أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه لفقدان نور العلم ونور الورع فيقع في الحرام وهو لا يشعر به وقد يأثم بذلك إذا تسبب منه إلى تقصير وقوله صلى الله عليه و سلم
[ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ] هذا مثل ضربه لمحارم الله عز و جل وأصله أن العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها ويخرج بالتوعد بالعقوبة لمن قربها فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته عن ذلك الحمى لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه لأنه قد تنفرد الفاذة وتشذ الشاذة ولا ينضبط فالحذر : أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة يأمن فيها وقوع ذلك وهكذا محارم الله عز و جل من القتل والربا والسرقة وشرب الخمر والقذف والغيبة والنميمة ونحو ذلك : لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها :
و [ يوشك ] بكسر الشين مضارع ( أوشك ) بفتحها وهي من أفعال المقاربة و [ يرتع ] بفتح التاء معناها : أكل الماشية من المرعى وأصله إقامتها فيه وبسطها في الأكل وقوله صلى الله عليه و سلم
[ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ] الحديث و ( المضغة ) القطعة من اللحم وهي قدر ما يمضغه الماضغ يعني بذلك صغر جرمها وعظيم قدرها و [ صلحت ] وريناه بفتح اللام و
[ القلب ] في الأصل مصدر وسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الأعضاء لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه
وأنشد بعضهم في هذا المعنى :
( ما سمي القلب إلى من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل )
وخص الله تعالى جنس الحيوان بهذا العضو وأودع فيه تنظيم المصالح المقصودة فتجد البهائم على اختلاف أنواعها تدرك به مصالحها وتميز به مضارها من منافعها ثم خص الله نوع الإنسان من سائر الحيوان بالعقل وأضافه إلى القلب فقال تعالى:
{ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها } وقد جعل الله الجوارح مسخرة له ومطيعة فما استقر فيه ظهر عليها وعملت على معناه : إن خيرا فخير وإن شرا فشر
فإذا فهمت هذا ظهر لك قوله صلى الله عليه و سلم :
[ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ]
نسأل الله العظيم أن يصلح فساد قلوبنا يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث السابع
[ عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالSad الدين النصيحة قلنا : لمن ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ]
رواه مسلم .
ليس لتميم الداري رضي الله عنه غير هذا الحديث
و [ النصيحة ] كلمة جامعة معناها إرادة جملة الخير وحيازة لحظ المنصوح له وهي من وجيز الأسماء ومختصر الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة وكما قالوا في الفلاح : ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منها .
ومعنى قوله [ الدين النصيحة ] أي عماد الدين وقوامه : النصيحة كقوله [ الحج عرفة ] أي عماده ومعظمه .
وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقال الخطابي وغيره من العلماء : النصيحة لله تعالى معناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد وصفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه عن جميع النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته
والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به
والإعتراف بنعمته والشكر عليها والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف بالناس
قال الخطابي : وحقيقة هذه الأوصاف راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فإن الله سبحانه غني عن نصح الناصح
وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فبالإيمان أن كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شئ من كلام الناس ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين
والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والإعتبار بمواضعه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن عمومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته.
وأما النصيحة لرسوله صلى الله عليه و سلم : فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته في أمره ونهيه ونصرته حيا وميتا ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه وإعظام حقه وتوقيره وإحياء طريقته وسنته
وإجابة دعوته ونشر سنته ونفي التهمة عنها واستئثار علومها والتفقه في معانيها والدعاء إليها والتلطف في تعليمها وإعظامها وإجلالها والتأدب عند قراءتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم
وإجلال أهلها لانتسابهم إليها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك .
وأما النصيحة لأئمة المسلمين : فمعاونتهم على الحق وطاعتهم وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف
وإعلامهم بما غفلوا عنه وتبليغهم من حقوق المسلمين
وترك الخروج عليهم بالسيف وتأليف قلوب الناس لطاعتهم والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأن يدعو لهم بالصلاح .
وأما نصيحة عامة المسلمين - وهم من عدا ولاة الأمر - فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وإعانتهم عليها وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم
وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه
والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة والله أعلم .
والنصيحة فرض كفاية إذا قام بها من يكفى سقط عن غيره
وهي لازمة على قدر الطاقة .
والنصيحة في اللغة : الإخلاص يقال : نصحت العسل إذا صفيته
وقيل غير ذلك والله أعلم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثامن
عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُول الله ، وَيُقيمُوا الصَّلاةَ ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلاَّ بحَقِّ الإسْلاَمِ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله تَعَالَى )) .
رواه البخاري ومسلم .
هذا حديث عظيم وقاعدة من قواعد الدين وقد روى هذا الحديث أنس وقال [ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ]
وجاء في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة [ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به ] وذلك موافق لرواية عمر في المعنى
وأما معاني هذا الحديث فقال العلماء بالسير :
لما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده وكفر من كفر من العرب عزم أبو بكر على قتالهم وكان منهم من منع الزكاة ولم يكفر وتأول في ذلك فقال له عمر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلى الله وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله ] إلى آخر الحديث فقال الصديق : إن الزكاة حق المال وقال : والله لو منعوني عناقا - وفي رواية : عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلهم على منعه فتابعه عمر على قتال القوم .
قوله [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ]
قال الخطابي وغيره : المراد بهذا أهل الأوثان ومشركو العرب ومن لا يؤمن دون أهل الكتاب ومن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده وكذلك جاء في الحديث الآخر [ وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ]
وقال الشيخ محي الدين النووي : ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة [ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ] ومعنى قوله [ وحسابهم على الله ] أي فيما يسترونه ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة ذكر ذلك الخطابي
قال : وفيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر أهل العلم .
وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل وهي رواية عن الإمام أحمد. وفي قوله [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ] دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في نحو أهل القبلة وهذا خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل لأن النبي صلى الله عليه و سلم اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيح يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي والله أعلم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث التاسع
[ عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( مانهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) ]
رواه البخاري ومسلم .
لفظ هذا الحديث في كتاب مسلم عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : [ يا أيها الناس قد فرض الله الحج عليكم فحجوا ] فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال النبي صلى الله عليه و سلم [ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ] ثم قال [ ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه ].
والرجل الذي سأله هو الأقرع بن حابس : كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية واختلف الأصوليون في الأمر هل يقتضي التكرار ؟ فاختار أكثر الفقهاء والمتكلمين أنه لا يقتضي التكرار وقال آخرون : لا يحكم باقتضائه ولا منعه بل يتوقف فيما زاد على مرة على البيان
وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف : فإنه سأل فقال : أكل عام ؟ ولو كانت مطلقة يقتضي التكرار أو عدمه لم يقل له النبي صلى الله عليه و سلم [ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ] بل ولم يكن حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع .
وأما قوله [ ذروني ما تركتكم ] فهو ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار .
ويدل هذا اللفظ أيضا على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل ورود الشرع وهو الصحيح عند كثير من الأصوليين.
وقوله [ لو قلت نعم لوجبت ] دليل للمذهب الصحيح في أنه صلى الله عليه و سلم كان له أن يجتهد في الأحكام وأنه لا يشترط في حكمه أن يكون بوحي .
وقوله صلى الله عليه و سلم [ وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ] هذا من قواعد الإسلام المهمة ومما أوتيه صلى الله عليه و سلم من جوامع الكلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة إذا عجز عن بعض أركانها أوبعض شروطها أتى بالباقي
وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء غسل الممكن
وكذلك إذا وجبت فطرة جماعة ممن يلزمه نفقتهم وكذلك أيضا في إزالة المنكرات إذا لم يمكنه إزالة جميعها فعل الممكن وأشباه ذلك مما لا ينحصر وهو مشهور في كتب الفقه
وهذا الحديث كقوله تعالى :{ فاتقوا الله ما استطعتم }
وأما قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } فقيل منسوخة بقوله : { اتقوا الله ما استطعتم }
قال بعضهم : والصحيح أنها ليست منسوخة بها بل هي مفسرة لها ومبينة للمراد منها قالوا : وحق تقاته وهو امتثال أمره واجتناب نواهيه والله سبحانه لم يأمر إلا بالمستطاع فإن الله تعالى قال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .
وقال تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج }
وأما قوله عليه الصلاة و السلام [ وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ] فهذا على إطلاقه لكن إن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة ونحوه فهذا لا يكون منهيا عنه في هذا الحال.
وأما في غير حال العذر فلا يكون ممتثلا لمقتضى النهي حتى يترك كل ما نهى عنه ولا يخرج عنه بترك فعل واحد بخلاف الأمر وهذا الأصل إذا فهم فهو مسألة مطلق الأمر : هل يحمل على الفور أو على التراخى على المرة الواحدة أو التكرار ؟ ففى هذا الحديث أبواب من الفقه والله أعلم .
وقوله [ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ] وذكر ذلك بعد قوله [ ذرنى ما تركتكم ] أراد : لاتكثروا السؤال فربما يكثر الجواب عليه فيضاهي ذلك قصة بنى إسرائيل لما قيل لهم [ اذبحوا بقرة ] فإنهم لو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ وبادر إلى ذبح أي بقرة كانت أجزأت عنهم لكن لما أكثروا السؤال وشددوا شدد عليهم وذموا على ذلك فخاف النبى صلى الله عليه و سلم مثل ذلك على أمته .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث العاشر
[ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ] رواه مسلم
قيل [ الطيب ] في صفات الله بمعنى المنزه عن النقائص
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهى عن الإنفاق من غيره وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغى أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه
وأن من أراد الدعاء كان أولى بالإعتناء بذلك من غيره
وفيه أن العبد إذا أنفق نفقة طيبة فهي التي تزكو وتنمو وأن الطعام اللذيذ غير المباح يكون وبالا على آكله ولا يقبل الله عمله
وقوله [ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ] إلى آخره :
معناه - والله أعلم - يطيل السفر في وجوه الطاعات : لحج وجهاد وغير ذلك من وجوه البر ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حراما فكيف هو بمن هو منهمك في الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخيرات ؟ !
وقوله [ يمد يديه ] أى يرفعهما بالدعاء لله مع مخالفته وعصيانه
قوله [ وغذي بالحرام ] هو بضم الغين المعجمة وتخفيف الذال المكسورة
وقوله [ فأنى يستجاب له ؟ ]
وفي رواية [ فأنى يستجاب لذلك ] يعني من أين يستجاب لمن هذه صفته فإنه ليس أهلا للإجابة لكن يجوز أن يستجيب الله تعالى له تفضلا ولطفا وكرما والله أعلم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]

الحديث الحادي عشر
[ عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته رضي الله عنهما قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ]
رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي : حديث حسن صحيح
قوله [ يريبك ] يروى بفتح الياء وضمها والفتح أفصح وأشهر ويجوز الضم يقال : رابنى الشئ وأرابنى ومعناه : أترك ما شككت فيه واعدل إلى ما لا تشك فيه هذا راجع إلى معنى الحديث السادس وهو قوله
[ إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ]
وقد جاء في حديث آخر أن النبى صلى الله عليه و سلم قال :
[ لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس ] وهذه درجة أعلى من ذلك .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثانى عشر
[ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ]
حديث حسن رواه الترمذي وغيره وهكذا
وقد رواه قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وصحح طرقه ثم قال في الحديث :
هذا من الكلام الجامع للمعانى الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة ونحو ذلك قول أبي ذر في بعض حديثه : ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه فيما يعنيه وذكر مالك أنه بلغه أنه
قيل للقمان : ما بلغ بك ما نرى - يريدون الفضل - ؟ فقال : صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنينى.
وروي عن الحسن قال : من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه قال : قال أبو داود : أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث وذكر منها هذا الحديث والله أعلم.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثالث عشر
[ عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ]
رواه البخاري ومسلم
هكذا جاء في صحيح البخارى [ لأخيه ] من غير شك وجاء في صحيح مسلم [ حتى لأخيه - أو لجاره ] على الشك
قال العلماء يعني لا يؤمن من الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة والمراد : يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائى :
[ حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ]
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ معناه : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شئ من النعمة وذلك سهل قريب على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين .
وقال أبو الزناد : ظاهر هذا الحديث التساوى وحقيقته التفضيل لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين ألا ترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ؟ فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة
ويحكى أن الفضيل بن عياض قال لسفيان بن عيينة : إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك فما أديت لله الكريم النصيحة فكيف وأنت تود أنهم دونك ؟
وقال بعض العلماء : في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة فينبغى أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث إنهما نفس واحدة كما جاء في الحديث الآخر [ المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ]
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الرابع عشر
[ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ]
رواه البخاري ومسلم
وفي بعض الروايات المتفق عليها : [ لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث ]
فقوله [ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ]
كالتفسير لقوله [ مسلم ]
وكذا قوله [ المفارق للجماعة ] كالتفسير لقوله [ التارك لدينه ] وهؤلاء الثلاثة مباحو الدم بالنص والمراد بالجماعة : المسلمون وإنما فراقهم بالردة عن الدين وهي سبب لإباحة دمه .
وقوله : [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام .
قال العلماء : ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما والله أعلم .
والظاهر أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في دفع أذاه وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة ويكون المراد : لا يحل تعمد قتله قصدا إلا في هؤلاء الثلاثة والله أعلم
وقد استدل بعضهم على أن تارك الصلاة يقتل لتركها لأن تركها يسمى من هذه الثلاثة .
وفي المسألة خلاف بين العلماء : منهم من يكفر تارك الصلاة
ومنهم من لا يكفره واستدل بعض من يكفره بالحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه و سلم : [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ]
قال : فوجه الدليل أنه وقف العصمة على مجموع الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمرتب على أشياء لا يحصل إلا بمجموعها وينتفى بانتفائها وهذا إن قصد به الإستدلال بالمنطوق - وهو قوله : [ أمرت أن أقاتل الناس الخ ] فإنه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية - فقد ذهل وسهى لأنه فرق بين المقاتلة على الشئ والقتل عليه فإن المقاتلة مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين ولا يلزم من وجوب المقاتلة على الصلاة وجوب القتل عليها إذا تركها من غير أن يقاتلنا والله أعلم
وقوله [ الثيب الزاني ] هو المحصن ويدخل فيه الذكر والأنثى وهو حجة على ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني الرجم بشروطه المذكورة في أبواب الفقه.
وقوله [ النفس بالنفس ] موافق لقوله تعالى:
{ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ويعني به النفوس المكتافئة في الإسلام والحرية بدليل قوله صلى الله عليه و سلم:
[ لا يقتل مسلم بكافر ] .
وكذلك الحرية شرط في المكافأة عند مالك والشافعي وأحمد
وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمى وأن الحر يقتل بالعبد وقد يستدلون بهذا الحديث والجمهور على خلاف ذلك.
والله أعلم و أجل وأكرم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الخامس عشر
[ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ] رواه البخاري ومسلم
قوله [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ] يعني من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله
[ فليقل خيرا أو ليصمت ] لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد في فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه
وأهم ما عليه من ذلك : ضبط جوارحه التي هي رعاياه وهو مسئول عنها كما قال تعالى { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }
وقال تعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }
وآفات اللسان كثيرة
وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم [ هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ]
وقال : [ كل كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى وأمر بمعروف ونهي عن منكر ]
فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى الله في لسانه فلا يتكلم إلا بخير أو يسكت .
قال بعض العلماء : جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث : ذكر منها قوله صلى الله عليه و سلم [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ]
قال أهل اللغة : يقال صمت يصمت - بضم الميم - صمتا وصموتا وصماتا وقال بعضهم في معنى هذا الحديث : إذا أراد الإنسان أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه فليتكلم وإلا فليمسك عن الكلام سواء ظهر أنه حرام أو مكروه أو مباح
فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة أن ينجر إلى المحرم أو المكروه وقد يقع ذلك كثيرا قال الله تعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }
واختلف العلماء في أنه هل يكتب على الإنسان جميع ما يلفظ به وإن كان مباحا أو لا يكتب عليه إلى ما فيه الجزاء من ثواب أو عقاب ؟
وإلى القول الثاني ذهب ابن عباس وغيره فعلى هذا تكون الآية الكريمة مخصوصة أي : ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء
وقوله صلى الله عليه و سلم [ فليكرم جاره فليكرم ضيفه ] فيه تعريف لحق الجار والضيف وبرهما وحث على حفظ الجوارح وقد أوصى الله تعالى في كتابه بالإحسان إلى الجار وقال صلى الله عليه و سلم
[ ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ] والضيافة من الإسلام وخلق النبيين والصالحين وقد أوجبها بعض العلماء .
وأكثرهم على أنها من مكارم الأخلاق وقال صاحب الإفصاح : في هذا الحديث من الفقه أن يعتقد الإنسان أن إكرام الضيف عبادة لا ينقصها أن يضيف غنيا ولا يغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسر مما عنده فإكرامه أن يسارع إلى البشاشة في وجهه ويطيب الحديث له وعماد أمر الضيافة إطعام الطعام فينبغي أن يبادر بما فتح الله من غير كلفة وذكر كلاما في الضيافة ثم قال : وأما قوله [ فليقل خيرا أو ليصمت ] فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت والصمت خير من قول الشر وذلك أنه أمره بلام الأمر لقول الخير وبدأ به على الصمت ومن قول الخير : الإبلاغ عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه و سلم وتعليم المسلمين والأمر بالمعروف عن علم وإنكار المنكر عن علم والإصلاح بين الناس وأن يقول للناس حسنا ومن أفضل الكلمات كلمة حق عند من يخاف ويرجى في ثبات وسداد
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث السادس عشر
[ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أوصني قال لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب ] رواه البخاري
قال صاحب الإفصاح : من الجائز أن النبي صلى الله عليه و سلم علم من هذا الرجل كثرة الغضب فخصه بهذه الوصية وقد مدح النبي صلى الله عليه و سلم الذي يملك نفسه عند الغضب فقال:
[ ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ] ومدح الله تعالى الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:
[ من كظم غيظه وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله عز و جل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره من الحور ما شاء ]
وقد جاء في الحديث [ إن الغضب من الشيطان ].
ولهذا يخرج به الإنسان من اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويرتكب المذموم وينوي الحقد والبغضاء وغير ذلك من القبائح المحرمة كل ذلك من الغضب أعاذنا الله منه.
وقد جاء في حديث سليمان بن صرد
[ إن الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب ] وذلك أن الشيطان هو الذي يزين الغضب وكل من حرص على ما تحمد عاقبته فإنه الشيطان يغويه ويبعده من رضى الله عز و جل فالإستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث السابع عشر
[ عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ] رواه مسلم
[ القتلة ] بكسر القاف : وهي الهيئة والحالة و [ الذبحة ] بكسر الذال ويضم وقد جاء في بعض رويات هذا الحديث [ فأحسنوا الذبح ] بغير هاء وهو بالفتح : مصدر وبالهاء والكسر : الهيئة والحالة.
وقوله :[ وليحد أحدكم شفرته ] هو بضم الياء من أحد يقال : أحد السكين وحدها وإستحدها
قوله: [ فأحسنوا القتلة ] عام في القتل من الذبائح.
والقتل قصاصا أو في حد ونحو ذلك.
وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة .
ومعنى إحسان القتل : أن يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب وإحسان الذبح في البهائم : أن يرفق بالبهيمة ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع وأن يوجهها إلى القبلة ويسمى ويحمد ويقطع الحلقوم والودجين ويتركها إلى أن تبرد والإعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على نعمه فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثامن عشر
[ عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ] رواه الترمذي وقال : حديث حسن وفي بعض النسخ : حسن صحيح
مناقب أبي ذر كثيرة أسلم ورسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة وأمره أن يلحق بقومه فلما رأى حرصه على المقام معه بمكة وعلم أنه لا يقدر على ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ] وهذا موافق لقوله تعالى:
{ إن الحسنات يذهبن السيئات }
وقوله صلى الله عليه و سلم: [ وخالق الناس بخلق حسن ] معناه : عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به واعلم أن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
[ إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ] وحسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين : لا يجزون بالسيئة السيئة بل يعفون ويصفحون ويحسنون مع الإساءة إليهم
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث التاسع عشر
[ عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات : إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله.
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
وفي رواية غير الترمذي [ إحفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ]
مناقب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر وقد دعا له النبي صلى الله عليه و سلم فقال:
[ اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ]
ودعا له بأن يؤتى الحكمة مرتين وثبت عنه أن رأى جبريل مرتين وهو بحر هذه الأمة وحبرها : وقد رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم أهلا للوصية مع صغره فقال له [ إحفظ الله يحفظك ] ومعناه : كن مطيعا لربك مؤتمرا بأوامره منتهيا عن نواهيه وقوله:
[ إحفظ الله تجده تجاهك ] أي اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته فإنك تجده تجاهك في الشدائد كما جرى للثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى غار فانحدرت صخرة فانطبقت عليهم فقالوا : أنظروا ما عملتم من الأعمال الصالحة فاسألوا الله تعالى بها فإنه ينجيكم فذكر كل واحد منهم سابقة سبقت له مع ربه فانحدرت عنهم الصخرة فخرجوا يمشون وقصتهم مشهورة في الصحيح
وقوله صلى الله عليه وسلم:
[ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ]
أرشده إلى التوكل على مولاه وأن لا يتخذ إليها سواه ولا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قل منها وما كثر وقال الله تعالى :
{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه }
فبقدر ما يركن الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أوبقلبه أو بأمله فقد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه وكذلك الخوف من غير الله وقد أكد النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فقال:
[ واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ]
وكذلك في الضر وهذا هو الإيمان بالقدر والإيمان به واجب خيره وشره وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والإستعانة به ؟ وكذلك إجابة الخليل عليه الصلاة و السلام جبريل عليه السلام حين سأله وهو في الهواء : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا وقوله:
[ رفعت الأقلام وجفت الصحف ] هذا تأكيد أيضا لما تقدم : أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل.
ثم قال: [ واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ]
فنبهه على أن الإنسان في الدنيا - ولا سيما الصالحون - معرضون للمصائب لقوله عز و جل :
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } .
وقال تعالى: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث العشرون
[ عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ] رواه البخاري
معنى قوله [ من كلام النبوة الأولى ] أن الحياء لم يزل ممدوحا مستحسنا مأمورا به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين وقوله:
[ فاصنع ما شئت ] فيه وجهان أحدهما : أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهديد ولم يرد به الأمر كقوله تعالى:
[ اعملوا ما شئتم ] فإنه وعيد : لأنه قد بين لهم ما يأتونه وما يتركون وكقول النبي صلى الله عليه و سلم :
[ من باع الخمر فليشقص الخنازير ] (أحمد ، وأبو داود ، والطبرانى ، والبيهقى عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه).
_أي يذبحها بالمشقص ويأكلها وهو نصل عريض يعني من استحل بيعها استحل أكلها ولم يأمره بذبحها لكنه تحذير وتعظيم لاثم بائع الخمر_
لم يكن في هذا إباحة تشقيص الخنازير الوجه الثاني : أن معناه : ائت كل ما لم يستحيا منه إذا ظهر فاعله ونحو هذا قوله صلى الله عليه و سلم [ الحياء من الإيمان ] معناه : أنه لما كان يمنع صاحبه من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك ويحمله على الطاعات صار بمنزلة الإيمان لمساواته له في ذلك
والله أعلم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الحادي والعشرون
[ عن أبي عمرو - وقيل أبي عمرة - سفيان ابن عبد الله رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسال عنه أحدا غيرك قال قل آمنت بالله ثم استقم ] رواه مسلم
معنى قوله [ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك ]
أي علمني قولا جامعا لمعاني الإسلام واضحا في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأتقي به فأجابه صلى الله عليه و سلم بقوله [ قل آمنت بالله ثم استقم ]
هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه و سلم فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها فإنه أمره أن يجدد إيمانه بلسانه متذكرا بقلبه وأمره أن يستقيم على أعمال الطاعات والإنتهاء عن جميع المخالفات : إذ لا تأتي الإستقامة مع شئ من الإعوجاج فإنها ضده وهذا كقوله تعالى :
{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } الآية : أي آمنوا بالله وحده ثم استقاموا على ذلك وعلى الطاعة إلى أن توفاهم الله عليها
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب ومعناه : اعتدلوا على أكثر طاعة الله عقدا وقولا وفعلا وداموا على ذلك وهذا معنى قوله أكثر المفسرين وهي معنى الحديث إن شاء الله تعالى وكذلك قوله سبحانه { فاستقم كما أمرت } قال ابن عباس : ما نزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم في جميع القرآن آية كانت أشق عليه من هذه الآية لذلك قال صلى الله عليه و سلم : [ شيبتني هود وأخواتها ]
قال الأستاذ أبو القاسم القشيرى رحمه الله تعالى : الإستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده قال :
وقيل الإستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة العادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق
ولذلك قال النبى صلى الله عليه و سلم : [ استقيموا ولن تحصوا ] وقال الواسطي : الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن : الإستقامة.
والله تعالى أعلم وأجل وأكرم.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ] 1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: خطب دينية-
انتقل الى: