الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 [ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ] 3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 662
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: [ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ] 3   الأربعاء نوفمبر 25, 2015 12:22 pm

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثلاثون
[ عن أبي ثعلبة الخشبي جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ] حديث حسن رواه الدارقطني وغيره
قوله صلى الله عليه و سلم: [ فرض ] أي أوجب وألزم
وقوله صلى الله عليه و سلم [ فلا تنتهكوها ] أي فلا تدخلوا فيها وأما النهي عن البحث عما سكت الله عنه فهو موافق لقوله صلى الله عليه و سلم [ ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ] أخرجه أحمد (2/313). ومسلم (7/91)
قال بعض العلماء : كانت بنو إسرائيل يسألون فيجابون ويعطون ما طلبوا حتى كان ذلك فتنة لهم وأدى ذلك إلى هلاكهم.
وكان الصحابة رضي الله عنهم قد فهموا ذلك وكفوا عن السؤال إلا فيما لا بد منه وكان يعجبهم أن يجيء الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم فيسمعون ويعون .
وقد بالغ قوم حتى قالوا : لا يجوز السؤال في النوازل للعلماء حتى تقع وقد كان السلف يقولون في مثلها : دعوها حتى تنزل.
إلا أن العلماء لما خافوا ذهاب العلم : أصلوا وفرعوا ومهدوا وسطروا
واختلف العلماء في الأشياء قبل ورود الشرع بحكمها : أهل هي على الحظر أو على الإباحة أو الوقف ؟ على ثلاث مذاهب وذلك مذكور في كتب الأصول .
والله أعلم
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الحادي والثلاثون
[ عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدى رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس : فقال إزهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ]
حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة .
اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حث على التقلل من الدنيا والزهد فيها وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
[ كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ]
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [ حب الدنيا رأس كل خطيئة ]
هو من كلام مالك ابن دينار كذلك رواه ابن ابي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان بإسناده اليه
ورواه البيهقي في كتاب الزهد من كلام عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ولا اصله له من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الا مراسيل الحسن البصري
كما رواه البيهقي في شعب الايمان في الباب الحادي والسبعين منه
واعلم أن من في الدنيا ضيف
وما في يده عارية
وأن الضيف مرتحل
والعارية مردودة
والدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر
وهي مبغضة لأولياء الله محببة لأهلها فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه
وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه و سلم السائل إلى تركها بالزهد فيها ووعد على ذلك حب الله تعالى وهو رضاه عنه
فإن حب الله تعالى لعباده رضاه عنهم
وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له وترك حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شئ يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا .
عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف فحمد الله وذكره بما هو أهله ثم قال: من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه بين عينيه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله شمله وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له . "طب، وأبو بكر الخفاف في معجمه، وابن النجار".كنز العمال.
السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على بالية لا ينفد عذابها .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثاني والثلاثون
[ عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قال : لا ضرر ولا ضرار ] حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا ورواه مالك في الموطإ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها بعضا .
اعلم أن من أضر بأخيه فقد ظلمه والظلم حرام كما تقدم في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه [ يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ] وقال النبي صلى الله عليه و سلم:
[ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ]
وأما قوله صلى الله عليه و سلم [ لا ضرر ولا ضرار ]
فقال بعضهم : هما لفظان بمعنى واحد تكلم بهما جميعا على وجه التأكيد
وقال ابن حبيب : الضرر عند أهل العربية الإسم والضرار الفعل : فمعنى [ لا ضرار ] أي لا يدخل أحد على أحد ضررا لم يدخله على نفسه ومعنى [ لا ضرار ] لا يضار أحد بأحد
وقال المحاسني : الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وهذا وجه حسن .
وقال بعضهم : الضرر والضرار مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر من لا يضرك : والضرار : أن تضر من أضر بك من غير جهة الإعتداء بالمثل والإنتصار بالحق وهذا نحو قوله صلى الله عليه و سلم
[ أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ]
أخرجه البخارى فى التاريخ (4/360) وأبو داود (3/290 ، رقم 3535) ، والترمذى (3/564 ، رقم 1264) وقال : حسن غريب ، والحاكم (2/53 ، رقم 2296) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبى . والبيهقى (10/271 ، رقم 21092) .
وهذا معناه عند بعض العلماء : لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك كأن النهي إنما وقع على الإبتداء وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن : وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له.
واختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه ثم يظفر المجحود بمال للجاحد قد ائتمنه عليه أو نحو ذلك فقال بعضهم : ليس له أن يأخذ حقه في ذلك لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم[ أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ].
وقال آخرون : له أن ينتصر منه ويأخذ حقه من تحت يده واحتجوا بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان .
وللفقهاء في هذه المسألة وجوه واعتلالات ليس هذا موضوع ذكرها والذي يصح في النظر : أنه ليس لأحد يضر بأخيه سواء ضره أم لا إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له بالحق وليس ذلك ظلما ولا ضرارا إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة.
وقال الشيخ أبو عمرو بن صلاح رحمه الله : أسند الدارقطني هذا الحديث من وجوه مجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به فعن أبي داود قال : الفقه يدور على خمسة أحاديث وعد هذا الحديث منها قال الشيخ : فعد أبي داود له من الخمسة وقوله فيه : يشعر بكونه عنده غير ضعيف وقال فيه : هو على مثال ضرار وقتال وهو على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين
[ لاضرر ولا إضرار ] بهمزة مكسورة قبل الضاد ولا صحة لذلك
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الثالث والثلاثون
[ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر ]
حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في الصحيحين
الذي في الصحيحين من هذا الحديث : قال ابن أبي مليكة : كتب ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى باليمين على المدعى عليه وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ] .
قال صاحب الأربعين : روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما مرفوعا من رواية ابن عباس وهكذا رواه أصحاب كتب السنن وغيرهم وقال الأصيلي : لا يصح رفعه إنما هو من قول ابن عباس.
قال المصنف : إذا صح رفعه بشهادة الإمامين فلا يضر من وقفه ولا يكون ذلك تعارضا ولا اضطرابا .
وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام وأعظم مرجع عند التنازع والخصام ويقتضي أن لا يحكم لأحد بدعواه
قوله [ لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ] استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في سماع قول القتيل ( فلان قتلني ) أو ( دمي عند فلان ) لأنه إذا لم يسمع قول المريض : له عند فلان دينار أو درهم فلأن لا يسمع : دمي عند فلان بطريق الأولى ولا حجة لهم على مالك في ذلك لأنه لم يسند القصاص أو الدية إلى قول المدعي بل إلى القسامة على القتل ولكنه يجعل قول القتيل ( دمي عند فلان ) لوثا يقوى بينة المدعين حتى يبرأوا بالأيمان كسائر أنواع اللوث .
قوله : [ ولكن اليمين على المدعى عليه ] أجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في الأموال واختلفوا في غير ذلك :
فذهب بعضهم إلى وجوبها على كل مدعى عليه في حق أو طلاق أو نكاح أو عتق أخذا بظاهر عموم الحديث.
فإن نكل حلف المدعى وثبتت دعواه وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف على الطلاق والنكاح والعتق وإن نكل لزمه ذلك كله قال :
ولا يستحلف في الحدود .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ]
الحديث الرابع والثلاثون
[ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ]
رواه مسلم.
أورد مسلم هذا الحديث عن طارق بن شهاب قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال : الصلاة قبل الخطبة فقال : قد ترك ما هناك فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ من رأى منكم منكرا فليغيره إلى آخره ] وفي هذا الحديث دليل على أنه لم يعمل بذلك أحد قبل مروان.
فإن قيل : كيف تأخر أبو سعيد عن تغيير هذا المنكر حتى أنكره هذا الرجل ؟ قيل : يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرا أول ما شرع مروان في تقديم الخطبة وأن الرجل أنكره عليه ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام ويحتمل أنه كان حاضرا لكنه خاف على نفسه إن غير : حصول فتنة بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار .
ويحتمل أن أبا سعيد هَمَّ بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد
والله أعلم .
وقد جاء في الحديث الآخر الذي اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجاه في باب صلاة العيدين : أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان حين أراد أن يصعد المنبر وكانا جميعا فرد عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل فيحتمل أنهما قضيتان.
وأن قوله صلى الله عليه و سلم [ فليغيره ] فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق الكتاب والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين وأما قوله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }المائدة. فليس مخالفا لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية الكريمة أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم مثل قوله :
{ ولا تزر وازرة وزر أخرى }الأنعام.
وإذا كان كذلك فمما كلف به المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم .
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر ويقصر قال العلماء : ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يقبل في ظنه بل يجب عليه فعله قال الله تعالى:
{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) }الذاريات.
وقد تقدم أن عليه أن يأمر وينهى وليس عليه القبول قال الله تعالى:
{ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) } .
سورة المائدة.
قال العلماء : ولا يشترط في الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه
بل عليه الأمر وإن كان مرتكبا خلاف ذلك لأنه يجب عليه شيئان : أن يأمر نفسه وينهاها وأن يأمر غيره وينهاها فإذا أخذ بأحدهما لا يسقط عنه الآخر.
قالوا : ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولاية بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين وإنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه فإن كان من الأمور الظاهرة مثل الصلاة والصوم والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك فكل المسلمين علماء بها.
وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق بالإجتهاد ولم يكن للعوام فيه مدخل فليس لهم إنكاره بل ذلك للعلماء.
والعلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبين : أن كل مجتهد مصيب وهو المختار عند كثير من المحققين
وعلى المذهب الآخر : أن المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم موضوع عنه لكن على جهة النصيحة للخروج من الخلاف فهو حسن مندوب إلى فعله برفق.
قال الشيخ محي الدين رحمه الله : واعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا, وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعذاب قال الله تعالى :
{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
فينبغى لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضى الله عز و جل أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال :
{ ولينصرن الله من ينصره }
واعلم أن الأجر على قدر النصب ولا يتركه أيضا لصداقته ومودته : فإن الصديق للإنسان هو الذي يسعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه وعدوه من يسعى في ذهاب آخرته أو نقصها وإن حصل بسببه نفع في دنياه
وينبغى للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون من ذلك برفق ليكون أقرب إلى تحصيل المقصود
فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه .
ومما يتساهل الناس فيه من هذا الباب : ما إذا رأوا إنسانا يبيع متاعا أو حيوانا فيه عيب ولا يبينه فلا ينكرون ذلك ولا يعرفون المشتري بعيبه وهم مسؤولون عن ذلك فإن الدين النصيحة ومن لم ينصح فقد غش .
وقوله صلى الله عليه و سلم : [ فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ] معناه : فلينكره بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغيير لكنه هو الذي في وسعه وقوله [ وذلك أضعف الإيمان ] معناه - والله أعلم - أقله ثمرة .
وليس للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر البحث والتفتيش والتجسس واقتحام الدور بالظنون بل إن عثر على منكر غيره.
وقال الماوردى : ليس له أن يقتحم ويتجسس إلا أن يخبره من يثق بقوله أن رجلا خلا برجل ليقتله أو امرأة ليزنى بها فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدركه .
قوله [ وذلك أضعف الإيمان ] قد ذكر أن معناه أقله ثمرة وقد جاء في رواية أخرى [ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ] أي لم يبق وراء ذلك مرتبة أخرى والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام
وفي هذا الحديث دليل على أن من خاف القتل أو الضرب سقط عنه التغيير وهو مذهب المحققين سلفا وخلفا .
وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك.
والله تعالى أعلم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى]
الحديث الخامس والثلاثون
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره التقوى ههنا - ويشير إلى صدور ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ]
رواه مسلم .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ لا تحاسدوا ] الحسد : تمني زوال النعمة وهو حرام وفي حديث آخر عن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ ؛ فَإنَّ الحَسَدَ يَأكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ )) أَوْ قَالَ : (( العُشْبَ )) . رواه أَبُو داود .
فأما الغبطة فهي تمني حال المغبوط من غير أن يريد زولها عنه.
وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما كما قال النبى صلى الله عليه و سلم : [ لا حسد إلا في اثنتين ] أي لا غبطة .
أحمد ، والبخارى ، ومسلم ، والترمذى ، وابن ماجه ، وابن حبان.
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ ولا تناجشوا ] أصل النجش الختل : وهو الخداع ومنه قيل للصائد ( ناجش ) لأنه يختل الصيد ويحتال له .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ ولا تباغضوا ]
أي لا تتعاطوا أسباب التباغض : لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال النبى صلى الله عليه و سلم [ هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك ] يعني الحب والبغضاء.
أخرجه أَحْمد وَالْأَرْبَعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم.
والتدابر : المعاداة وقيل المقاطعة لأن كل واحد يؤتى صاحبه دبره
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ ولا يبع بعضكم على بيع بعض ] معناه أن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار : افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله أو أجود بثمنه أو يكون المتبايعان قد تقرر الثمن بينهما وتراضيا به ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه أو يعطيه بأنقص وهذا حرام بعد استقرار الثمن وأما قبل الرضى فليس بحرام ومعنى.
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ وكونوا عباد الله إخوانا ] أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ]
الخذلان : ترك الإعانة والنصرة ومعناه : إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ ولا يحقره ]
هو بالحاء المهملة والقاف : أي لا يتكبر عليه ويستصغره قال القاضي عياض ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء : أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أيمانه والصواب المعروف هو الأول
قوله صلى الله عليه و سلم [ التقوى ها هنا ]
ويشير إلى صدره ثلاث مرات وفي رواية : [ إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ]
معناه أن الأعمال الظاهرة لا تحصل التقوى وإنما تقع التقوى بما في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته ونظر الله تعالى - أي رؤيته محيطة بكل شئ.
ومعنى الحديث - والله أعلم : مجازاته ومحاسبته وأن الإعتبار في هذا كله بالقلب .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ]
فيه تحذير عظيم من ذلك لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في السموات وما في الأرض جميعا لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة .
ثم إن الله سبحانه سماه مسلما ومؤمنا وعبدا وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه إليه محمدا صلى الله عليه و سلم فمن حقر مسلما من المسلمين فقد حقر ما عظم الله عز و جل وكافيه ذلك.
فإن من احتقار المسلم للمسلم : أن لا يسلم عليه إذا مر ولا يرد عليه السلام إذا بدأه به .
ومنها : أن يراه دون أن يدخله الله الجنة أو يبعده من النار .
وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل والعدل على الفاسق فليس ذلك احتقارا يعنى المسلم بل لما اتصف به الجاهل من الجهل والفاسق من الفسق فمتى فارق ذلك راجعه إلى احتفاله به ورفع قدره.
والله أعلم.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى]
الحديث السادس والثلاثون
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ]
رواه مسلم بهذا اللفظ .
هذا الحديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك
ومعنى تنفيس الكربة إزلتها .
قوله قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ من ستر مسلما ] الستر عليه أن يستر زلاته والمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت.
أما إذا علم معصيته وهو متلبس بها فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة فالمعروف بذلك لا يستر عليه لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات وجسارة غيره على مثل ذلك
بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يخف من ذلك مفسدة وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب تجريحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة.
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ]
هذا الإجمال لا يسع تفسيره إلى أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه ينبغي أن لا يجبن عن إنفاذ قول أو صدع بحق إيمانا بأن الله تعالى في عونه.
وفي الحديث : فضل التيسير على المعسر وفضل السعي في طلب العلم ويلزم من ذلك فضل الإشتغال بالعلم والمراد العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى إن كان شرطا في كل عبادة .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ] هذا دليل على فضل الإجتماع على تلاوة القرآن في المساجد و [ السكينة ] ها هنا قيل : المراد بها الرحمة وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها وقال بعضهم : السكينة الطمأنينة والوقار وهذا أحسن وفي قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ وما اجتمع قوم ] هذا نكرة شائعة في جنسها كأنه يقول : أي قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ما ذكره من الفضل كله فإنه لم يشترط صلى الله عليه و سلم هنا فيهم أن يكونوا علماء ولا زهادا ولا ذوي مقامات.
ومعنى [ حفتهم الملائكة ] أي حافتهم من قوله عز و جل
{ حافين من حول العرش } الزمر. أي محدقين محيطين به مطفين بجوانبه فكأن الملائكة قريب منهم قربا حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان .
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ وغشيتهم الرحمة ] لا يستعمل ( غشي ) إلا في شئ شمل المغشى من جميع أجزائه
قال الشيخ شهاب الدين بن فرج : والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ وذكرهم الله فيمن عنده ] يقتضي أن يكون ذكر الله تعالى لهم في الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى]
الحديث السابع والثلاثون
[ عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ]
رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف.
فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى وتأمل هذه الألفاظ وقوله عنده إشارة إلى الإعتناء بها وقوله كاملة للتأكيد وشدة الإعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كتبها الله عنده حسنة كاملة فأكدها بـ ( كاملة ) وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها بـ ( واحدة ) ولم يؤكدها بـ ( كاملة ) فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه وبالله التوفيق .
قال الشراح لهذا الحديث : هذا حديث شريف عظيم بين فيه النبى صلى الله عليه و سلم مقدار تفضل الله عز و جل على خلقه : بأن جعل هم العبد بالحسنة وإن لم يعملها حسنة وجعل همه بالسيئة وإن لم يعملها حسنة وإن عملها سيئة واحدة فإن عمل الحسنة كتبها الله عشرا وهذا الفضل العظيم بأن ضاعف لهم الحسنات ولم يضاعف عليهم السيئات وإنما جعل الهم بالحسنات حسنة لأن إرادة الخير هو فعل القلب لعقد القلب على ذلك .
فإن قيل : فكان يلزم على هذا القول : أن يكتب لمن هم بالسيئة ولم يعملها سيئة لأن الهم بالشئ عمل من أعمال القلب أيضا
قيل : ليس كما توهمت فإن من كف عن الشر فقد فسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشر فجوزي على ذلك بحسنه وقد جاء في حديث آخر :
[ إنما تركها من جرائى ] أى من أجلى وهذا كقوله صلى الله عليه و سلم : [ على كل مسلم صدقة ] قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : [ فليمسك عن الشر فإنه صدقة ] ذكره البخارى في كتاب الأدب .
فأما إذا ترك السيئة مكرها على تركها أو عاجزا عنها فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى هذا الحديث.
قال الطبرى : وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من قال : إن الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة وتعلم اعتقاده لذلك ورد لمقالة من زعم أن الحفظة إنما تكتب ما ظهر من أعمال العبد أو سمع والمعنى : أن الملكين الموكلين بالعبد يعلمان ما يهم به بقلبه .
ويجوز أن يكون قد جعل الله تعالى لهم سبيلا إلى علم ذلك كما جعل لكثير من الأنبياء سبيلا في كثير من علم الغيب وقد قال الله في حق عيسى عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل : { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) } سورة آل عمران.
ونبينا صلى الله عليه و سلم قد أخبر بكثير من علم الغيب
فيجوز أن يكون قد جعل الله للملكين سبيلا إلى علم ما في قلب بني آدم من خير أو شر فيكتبانه إذا عزم عليه.
وقد قيل : إن ذلك بريح تظهر لهما من القلب.
وللسلف اختلاف في أى الذكرين أفضل :
ذكر القلب أو ذكر العلانية ؟ هذا كله قول ابن خلف المعروف بابن بطال .
وقال صاحب الإفصاح في كلام له : وإن الله تعالى لما صرم هذه الأمة أخلفها على ما قصر من أعمارها بتضعيف أعمالها فمن هم بحسنة احتسب له بتلك الهمة حسنة كاملة لأجل أنها همة مفردة وجعلها كاملة لئلا يظن ظان أن كونها مجرد همة تنقص الحسنة أو تهضمها : فبين ذلك بأن قال : [ حسنة كاملة ] وإن هم بالحسنة وعملها فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل وكتب له بالهمة حسنة ثم ضوعفت يعني : إنما يكون ذلك على مقدار خلوص النية وإيقاعها في مواضعها ثم قال : بعد ذلك [ إلى أضعاف كثيرة ] هنا نكرة وهي أشمل من المعرفة فيقتضي على هذا أن يحسب توجيه الكثرة على أكثر ما يكون ثم يقدر ليتناول هذا الوعد الكريم بأن يقول : إذا تصدق الآدمي بحبة بر فإنه يحسب له ذلك في فضل الله تعالى : أنه لو بذرت تلك الحبة في أزكى أرض وكأن لها من التعاهد والحفظ والري ما يقتضيه حالها ثم إستحصدت فظهر حاصلها ثم قدر لذلك الحاصل أن يدرس في أزكى أرض وكان التعاهد له على ما تقدم ذكره ثم هكذا في السنة الثانية ثم في السنة الثالثة والرابعة وما بعدها ثم يستمر ذلك إلى يوم القيامة فتأتي الحبة من البر والخردل والخشخاش أمثال الجبال الرواسي وإن كانت الصدقة مثقال ذرة من جنس الإيمان فإنه ينظر إلى ربح شئ يشتري في ذلك الوقت ويقدر أنه لو بيع في أنفق سوق في أعظم بلد يكون ذلك الشئ فيه أشد الأشياء نفاقا ثم تضاعف ويتردد هذا إلى يوم القيامة فتأتي الذرة بما يكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها : وعلى هذا جميع أعمال البر في معاملة الله عز و جل إذا خرجت سهامها عن نية خالصة وأفرغت في نوع قوس الإخلاص
ومن ذلك أيضا : أن فضل الله تعالى يتضاعف بالتحويل في مثل أن يتصدق الإنسان على فقير بدرهم فيؤثر الفقير بذلك الدرهم فقيرا آخر هو أشد منه فقرا فيؤثر به الثالث رابعا والرابع خامسا وهكذا فيما طال فإن الله تعالى يحسب للمتصدق الأول بالدرهم عشرة فإذا تحول إلى الثاني انتقل ذلك الذي كان للأول إلى الثاني فصار للثاني عشرة دراهم وللأول عن عشر مئات فإذا تصدق بها الثاني صارت له مائة وللثاني ألف وللأول ألف ألف وإذا تصدق بها صارت له مائة وللثاني عشرة آلاف فيضاعف إلى ما لا يعرف مقداره إلى الله تعالى .
ومن ذلك أيضا أن الله سبحانه وتعالى إذا حاسب عبده المسلم يوم القيامة وكانت حسناته متفاوتة فيهن الرفيعة المقدار وفيهن دون ذلك فإنه سبحانه بجوده وفضله يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا لأن جوده جل جلاله أعظم من أن يناقش من رضى الله عنه في تفاوت سعر بين حسنتين.
وقد قال جل جلاله : { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } سورة النحل.
كما أنه إذا قال العبد في سوق من أسواق المسلمين لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره رافعا بها صوته كتب الله له بذلك ألفي ألف حسنة ومحا عنه ألفي ألف سيئة وبنى له بيتا في الجنة على ما جاء في الحديث .
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : أَنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال : «مَنْ دخلَ السُّوقَ فقالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، لَهُ المُلكُ ، ولَهُ الحَمْدُ، يُحيي ويُمِيتُ، وهوَ حيٌّ لا يَمُوتُ ، بِيَدِهِ الخيرُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ ، كَتبَ الله لَهُ ألفَ أَلْفِ حسنةٍ ، ومحا عنه ألف ألفِ سَيِّئَةٍ ، ورفع له أَلف أَلف درجة».وفي روايةٍ عوَض الثالثة : «وبني له بيتا في الجنة».أخرجه الترمذي .
(الطيالسى ، وأحمد ، وابن منيع ، والدارمى ، والترمذى - غريب - وابن ماجه ، وأبو يعلى ، والطبرانى ، والحاكم ، وأبو نعيم فى الحلية.
وقال الألباني رحمه الله حسن .
وهذا الذي ذكرناه إنما هو على مقدار معرفتنا لا على مقدار فضل الله سبحانه وتعالى فإنه أعظم من أن يحده أو يحصره خلق .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى]
الحديث الثامن والثلاثون
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ] رواه البخاري
قال صاحب الإفصاح : في هذا الحديث من الفقه : أن الله سبحانه وتعالى قدم الإعذار إلى كل من عادي وليا : أنه قد آذنه بأنه محاربه بنفس المعاداة .
وولي الله تعالى هو الذي يتبع ما شرعه الله تعالى فليحذر الإنسان من إيذاء قلوب أولياء الله عز و جل.
ومعنى المعاداة : أن يتخذه عدوا ولا أرى المعنى إلا من عاداه لأجل ولاية الله .
أما إذا كانت لأحوال تقتضي نزاعا بين وليين لله محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق غامض فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث فإنه قد جرى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خصومة
وبين العباس وعلي رضي الله عنهما وبين كثير من الصحابة وكلهم كانوا أولياء لله عز و جل .
فقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى مما افترضته عليه ]
فيه إشارة إلى أنه لا تُقَدَمُ نافلةٌ على فريضةٍ.
وإنما سميت النافلةُ نافلةً إذا قضيت الفريضة وإلا فلا يتناولها إسم النافلة ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :
[ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ] لأن التقرب بالنوافل يكون بتلو أداء الفرائض ومتى أدام العبد التقرب بالنوافل أفضى ذلك به إلى أن يحبه الله عز و جل ثم قال :
[ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ]
إلى آخره فهذه علامة ولاية الله لمن يكون الله قد أحبه
ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع له بسماعه
ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره
ولا يمد يده إلى شئ ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه
ولا يسعى برجله إلا فيما أذن الشرع في السعي إليه
فهذا هو الأصل إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله غير أهل الذكر : توصيلا إلى أن يسمع لهم وكذلك في المبصرات والمتناولات والمسعى إليه تلك صفة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها أمين.
قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ ولئن استعاذني لأعيذنه ] يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه
ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : [ استعاذني ] ضبطوه بالنون والباء وكلاهما صحيح وقوله في أول الحديث [ فقد آذنته بالحرب ] بهمزة ممدودة : أي أعلنته أنه محارب لي .
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
[ شرح الأربعين - ابن دقيق العيد ] 3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: خطب دينية-
انتقل الى: