الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير الآيتين من سورة النساء -34-35-

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 611
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير الآيتين من سورة النساء -34-35-   السبت أكتوبر 29, 2016 8:50 pm

(تفسير سورة النساء)
الآيتان 34/35/
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً(34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً(35)}
شرح الكلمات:
{قَوَّامُونَ} : جمع قوام: وهو من يقوم على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً.
قوام: ومثله، قيام، وقيوم، وقيم. كلها بمعنى واحد مشتقة من القيام؛ لأن من شأن من يهتم بالشيء وتدبيره أن يقف عليه ويقوم.
{بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ} : بأن جعل الرجل أكمل في عقله ودينه وبدنه فصلح للقوامة.
{وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } : وهذا عامل آخر مما ثبتت به القوامة للرجال على النساء فإن الرجل بدفعه المهر وبقيامه بالنفقة على المرأة كان أحق بالقوامة التي هي الرئاسة.
أخذ من هذه الجملة الفقهاء: أن من عجز عن النفقة كان للزوجة فسخ النكاح لانعدام القوامة لها، التي بها استحق الرجل العصمة، وخالف أبو حنيفة: فلم يرَ الطلاق بالإعسار.
{فَالصَّالِحَاتُ} : جمع صالحة: وهي المؤدية لحقوق الله تعالى وحقوق زوجها.أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الصالحات بقوله: "خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتك أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" . وهو تفسير لقوله تعالى: {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ...}.
{قَانِتَاتٌ} : مطيعات لله ولأزواجهن.
{حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} : حافظات لفروجهن وأموال أزواجهن.
{نُشُوزَهُنَّ} : النشوز: الترفع عن الزوج وعدم طاعته.
{فَعِظُوهُنَّ} : بالترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية.
{فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} : أي: لا تطلبوا لهن طريقاً تتوصلون به إلى ضربهن بعد أن أطعنكم.
{شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} : الشقاق: المنازعة والخصومة حتى يصبح كل واحد في شق مقابل.
{حَكَماً} : الحكم: الحاكم، والمحكوم في القضايا للنظر والحكم فيها.

معنى الآيتين:
يروى في سبب نزول هذه الآية أن: سعد بن الربيع رضي الله عنه أغضبته امرأته فلطمها، فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه يريد القصاص فأنزل الله تعالى هذه الآية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} . فقال ولي المرأة: أردنا أمراً وأراد الله غيره، وما أراده الله خير.
ورضي بحكم الله تعالى وهو أن الرجل ما دام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتى من عقل أكمل من عقلها، وعلمه أغرز من علمها غالباً، وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهايتها أبعد من نظرها يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها فلما وجبت له الرئاسة عليها، وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربها بما لا يشين جارحة أو كيسر عضواً فيكون ضربه لها؛ كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه، وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال: {فَالصَّالِحَاتُ} ، وهن: اللائي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام {قَانِتَاتٌ} : أي: مطيعات لله تعالى، وللزوج، {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} أي: حافظات مال الزوج وعرضه لحديث: "وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله" {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} أي: بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستطيع حفظ شيء وإن قل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً، وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولاً نبته عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف.
وقوله تعالى: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} .
فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت، أي: ترفعت على زوجها ولم تؤدي إليه حقوقه الواجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي: ترفعهن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كأن يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي:
{فَعِظُوهُنَّ} أولاً، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها، فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي:
أن يهجرها الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معاً، وإن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي: أن يضربها ضرباً غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر عضواً.
لم يصرح الله تعالى بالضرب في كتابه إلا في الحدود، وهنا في ضرب الناشر، وهذا دليل على أن عصيان الزوجة لزوجها حرام، ويشهد لهذا حديث: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح" . رواه مسلم.
وأخيراً فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقاً إلى أذيتها لا بضرب ولا بهجران لقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي: الأزواج {فَلا تَبْغُوا} أي: تطلبوا {عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} لأذيتهن باختلاف الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهن.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} تذييل الكلام بما يشعر من أراد أن يعلو على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه.
هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة(34).
أما الآية الثانية(35) فقد تضمنت حكماً اجتماعياً آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام ذلك لصعوبة الحال، فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث ولي الزوجة حكماً من قبله، ويبعث ولي الزوج حكماً من قبله، أو يبعث الزوج نفسه حكماً وتبعث الزوجة أيضاً حكماً من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك، الكل جائز لقوله تعالى: {فَابْعَثُوا} وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلاً عالماً بصيراً حتى يمكنه الحكم والقضاء بالعدل. فيدرس الحكمان القضية أولاً مع طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوج من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على إصلاح ذات البين، فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضى الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم، فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤد ما و جب عليه، وإن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها، هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} ، و الخوف هنا بمعنى: التوقع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} ، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً} فإنه يعني الحكمين، {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ، أي: إن كان قصدهما الإصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتهما ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} . ذكر تعليلاً لما وعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليماً خبيراً ما عرف نيات الحكمين وما يجري في صدورهما من إرادة الإصلاح أو الإفساد.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.
2- وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.
3- بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانياً.النشوز: العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، ويقال: نشز الرجل ينشز إذا كان قاعداً فنهض قائماً. ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} ، أي: ارتفعوا وقوموا. فنشوز المرأة: ترفعها عن طاعة الزوج.
4- لا يحل اختلاف الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره.
5- مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً(34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً(35)}
شرح الكلمات:
{قَوَّامُونَ} : جمع قوام: وهو من يقوم على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً.
قوام: ومثله، قيام، وقيوم، وقيم. كلها بمعنى واحد مشتقة من القيام؛ لأن من شأن من يهتم بالشيء وتدبيره أن يقف عليه ويقوم.
{بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ} : بأن جعل الرجل أكمل في عقله ودينه وبدنه فصلح للقوامة.
{وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } : وهذا عامل آخر مما ثبتت به القوامة للرجال على النساء فإن الرجل بدفعه المهر وبقيامه بالنفقة على المرأة كان أحق بالقوامة التي هي الرئاسة.
أخذ من هذه الجملة الفقهاء: أن من عجز عن النفقة كان للزوجة فسخ النكاح لانعدام القوامة لها، التي بها استحق الرجل العصمة، وخالف أبو حنيفة: فلم يرَ الطلاق بالإعسار.
{فَالصَّالِحَاتُ} : جمع صالحة: وهي المؤدية لحقوق الله تعالى وحقوق زوجها.أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الصالحات بقوله: "خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتك أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" . وهو تفسير لقوله تعالى: {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ...}.
{قَانِتَاتٌ} : مطيعات لله ولأزواجهن.
{حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} : حافظات لفروجهن وأموال أزواجهن.
{نُشُوزَهُنَّ} : النشوز: الترفع عن الزوج وعدم طاعته.
{فَعِظُوهُنَّ} : بالترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية.
{فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} : أي: لا تطلبوا لهن طريقاً تتوصلون به إلى ضربهن بعد أن أطعنكم.
{شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} : الشقاق: المنازعة والخصومة حتى يصبح كل واحد في شق مقابل.
{حَكَماً} : الحكم: الحاكم، والمحكوم في القضايا للنظر والحكم فيها.

معنى الآيتين:
يروى في سبب نزول هذه الآية أن: سعد بن الربيع رضي الله عنه أغضبته امرأته فلطمها، فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه يريد القصاص فأنزل الله تعالى هذه الآية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} . فقال ولي المرأة: أردنا أمراً وأراد الله غيره، وما أراده الله خير.
ورضي بحكم الله تعالى وهو أن الرجل ما دام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتى من عقل أكمل من عقلها، وعلمه أغرز من علمها غالباً، وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهايتها أبعد من نظرها يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها فلما وجبت له الرئاسة عليها، وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربها بما لا يشين جارحة أو كيسر عضواً فيكون ضربه لها؛ كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه، وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال: {فَالصَّالِحَاتُ} ، وهن: اللائي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام {قَانِتَاتٌ} : أي: مطيعات لله تعالى، وللزوج، {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} أي: حافظات مال الزوج وعرضه لحديث: "وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله" {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} أي: بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستطيع حفظ شيء وإن قل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً، وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولاً نبته عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف.
وقوله تعالى: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} .
فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت، أي: ترفعت على زوجها ولم تؤدي إليه حقوقه الواجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي: ترفعهن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كأن يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي:
{فَعِظُوهُنَّ} أولاً، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها، فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي:
أن يهجرها الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معاً، وإن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي: أن يضربها ضرباً غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر عضواً.
لم يصرح الله تعالى بالضرب في كتابه إلا في الحدود، وهنا في ضرب الناشر، وهذا دليل على أن عصيان الزوجة لزوجها حرام، ويشهد لهذا حديث: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح" . رواه مسلم.
وأخيراً فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقاً إلى أذيتها لا بضرب ولا بهجران لقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي: الأزواج {فَلا تَبْغُوا} أي: تطلبوا {عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} لأذيتهن باختلاف الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهن.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} تذييل الكلام بما يشعر من أراد أن يعلو على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه.
هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة(34).
أما الآية الثانية(35) فقد تضمنت حكماً اجتماعياً آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام ذلك لصعوبة الحال، فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث ولي الزوجة حكماً من قبله، ويبعث ولي الزوج حكماً من قبله، أو يبعث الزوج نفسه حكماً وتبعث الزوجة أيضاً حكماً من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك، الكل جائز لقوله تعالى: {فَابْعَثُوا} وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلاً عالماً بصيراً حتى يمكنه الحكم والقضاء بالعدل. فيدرس الحكمان القضية أولاً مع طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوج من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على إصلاح ذات البين، فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضى الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم، فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤد ما و جب عليه، وإن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها، هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} ، و الخوف هنا بمعنى: التوقع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} ، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً} فإنه يعني الحكمين، {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ، أي: إن كان قصدهما الإصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتهما ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} . ذكر تعليلاً لما وعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليماً خبيراً ما عرف نيات الحكمين وما يجري في صدورهما من إرادة الإصلاح أو الإفساد.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.
2- وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.
3- بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانياً.النشوز: العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، ويقال: نشز الرجل ينشز إذا كان قاعداً فنهض قائماً. ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} ، أي: ارتفعوا وقوموا. فنشوز المرأة: ترفعها عن طاعة الزوج.
4- لا يحل اختلاف الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره.
5- مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير الآيتين من سورة النساء -34-35-
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: