الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة النساء من الآية /64/ الى الآية /80/

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


عدد المساهمات : 571
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير سورة النساء من الآية /64/ الى الآية /80/   الثلاثاء ديسمبر 27, 2016 10:10 pm

(تفسير سورة النساء)
الآيتان /64/65/
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً(64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما(65)}
شرح الكلمات:
{بِإِذْنِ اللَّهِ} : إذن الله: إعلامه بالشيء وأمره به.
{ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} : بالتحاكم إلى الطاغوت وتركهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} : طلبوا منه أن يغفر لهم بلفظ اللهم اغفر لنا، أو استغفروا الله.
{يُحَكِّمُوكَ} : يجعلونك حكماً بينهم ويفوضون الأمر إليك.
{فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} : أي: اختلفوا لاختلاط وجه الحق والصواب فيه بالخطأ والباطل.
شجر: اختلط واختلف، ومنه سمي الشجر شجراً لاختلاط أغصانه
{حَرَجاً} : ضيفاً وتحرجاً.
{مِمَّا قَضَيْتَ} : حكمت فيه.
{وَيُسَلِّمُوا} : أي: يذعنوا لقبول حكمك ويسلمون به تسليماً تاماً.
معنى الآيتين:
بعد تقرير خطأ وضلال من أراد أن يتحاكما إلى الطاغوت، كعب بن الأشرف اليهودي، وهما: اليهودي والمنافق في الآيات السابقة أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما أرسل رسولاً من رسله المئات إلا وأمر المرسل إليهم بطاعته واتباعه والتحاكم إليه وتحكيمه في كل ما يختلفون فيه، وذلك أمره وقضاؤه وتقديره فيما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن كما أخبر تعالى أن أولئك الظالمين لأنفسهم بتحاكمهم إلى الطاغوت وصدودهم عن التحاكم إليك أيها الرسول لو جاءوك متنصلين من خطيئتهم مستغفرين الله من ذنوبهم واستغفرت لهم أنت أيها الرسول، أي: سألت الله تعالى لهم المغفرة لو حصل منهم هذا لدل ذلك على توبتهم وتاب الله تعالى عليهم فوجدوه عز وجل {تَوَّاباً رَحِيماً} .
هذا معنى الآية(64) {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} .
وأما الآية الثانية(65) {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ3 حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما} فإن الله تعالى يقول {فَلا} أي: ليس الأمر كما يزعمون، ثم يقسم تعالى فيقول: {وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} أيها الرسول، أي: يطلبون حكمك فيما اختلفوا فيه واختلط عليهم من أمورهم ثم بعد حكمك لا يجدون في صدورهم أدنى شك في صحة حكمك وعدالته، في التسليم له والرضا به وهو معنى الحرج المتبقي في قوله، {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما} .
قيل أن هذه الآية: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} نزلت في الزبير والأنصاري في قضية سقي البستان، إذا اختلفا وأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسقي يا زبير أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك" . أي: الأول، فقال الأنصاري: أراك تحابي ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للزبير: "اسق ثم أحبس الماء حتى يبلغ الجدر" ، فنزلت الآية. والحديث في صحيح البخاري.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه.
2- بطلان من يزعم أن في الآية دليلاً على جواز طلب الاستغفار4 من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} الآية نزلت في الرجلين اللذين أرادا التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي وإعراضهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترط توبتهما إتيانهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفارهما الله تعالى، واستغفار الرسول لهما، وبذلك تقبل توبتهما، وإلا فلا توبة لهما، أما من عداهما فتوبته لا تتوقف على إتيانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لاستغفاره له وهذا محل إجماع بين المسلمين.
3- كل ذنب كبر أو صغر يعتبر ظلماً للنفس وتجب التوبة منه بالاستغفار والندم والعزم على عدم مراجعته بحال من الأحوال.
4- وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة وحرمة التحاكم إلى غيرهما.
5- وجوب الرضا بحكم الله ورسوله والتسليم به.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/11/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /66/67/68/69/70/.
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً(66) وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً(67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً(68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ4 أُولَئِكَ رَفِيقاً(69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً(70)}
لو حرف امتناع لامتناع أي امتناع شيء لامتناع غيره، إذ امتنع القتل لامتناع ا لكتب له.
روي أنه لما نزلت هذه الآية: {وَلو أنا كَتبْنا} قال أبو بكر الصديق: "لو أمرنا لفعلنا"، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .
شرح الكلمات:
{كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} : فرضنا عليهم وأوحينا.
{أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} : أي: قتل أنفسهم.
{مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} : أي: ما فعل القتل إلا قليل منهم.
قرئ: {إلا قليلا} بالنصب، و {إن لا قليل} بالرفع، وقراءة الرفع مراعى فيها اللفظ وهو أولى، ولذا هي أكثر وأشهر.
{مَا يُوعَظُونَ بِهِ} : أي: ما يؤمرون به وينهون عنه.
{وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} : أي: للإيمان في قلوبهم.
{وَالصِّدِّيقِينَ} : جمع صديق: وهو من غلب عليه الصدق في أقواله وأحواله لكثرة ما يصدق ويتحرى الصدق.
{وَالشُّهَدَاءِ} : جمع شهيد: من مات في المعركة ومثله من شهد بصحة الإسلام بالحجة والبرهان.
{وَالصَّالِحِينَ} : جمع صالح: من أدى حقوق الله تعالى وأدى حقوق العباد، وصلحت نفسه وصلح عمله وغلب صلاحه على فساده.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن أولئك النفر الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: يقتل بعضكم بعضاً كما حصل ذلك لبني إسرائيل لما فعلوا كما أنا لو كتبنا عليهم أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين في سبيلنا {مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ} منهم.
ثم قال تعالى داعياً لهم مرغباً لهم في الهداية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي: ما يذكرون به ترغيباً وترهيباً من أوامر الله تعالى لهم بالطاعة والتسليم لكان ذلك خيراً في الحال والمآل، {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} للإيمان في قلوبهم وللطاعة على جوارحهم، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والحسنة تنتج حسنة، والسيئة تتولد عنها سيئة. ويقول تعالى: {وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً} يريد لو أنهم استجابوا لنا وفعلوا ما أمرنا به من الطاعات، وتركوا ما نهيناهم عنه من المعاصي لأعطيناهم من لدنا أجراً يوم يلقوننا ولهديناهم في الدنيا {صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} ألا وهو الإسلام الذي هو طريق الكمال والإسعاد في الحياتين وهدايتهم إليه هي توفيقهم للسير فيه وعدم الخروج عنه. هذا ما دلت عليه الآيات:(66-67-68).
أما الآية(69) وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ1 وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} فقد روى ابن جرير في تفسيره: أنها نزلت حين قال بعض الصحابة يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِك} الآية.
وما أنعم الله تعالى عليه هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته عز وجل ومعرفة محابه ومساخطه والتوفيق لفعل المحاب وترك المساخط هذا في الدنيا، وأما ما أنعم به عليهم في الآخرة فهو الجوار الكريم في دار النعيم.
والصديقين هم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر به .
والشهداء: جمع شهيد، وهو من قتل في سبيل الله.
والصالحون: جمع صالح، وهو من أدى حقوق الله تعالى وحقوق عباده كاملة غير منقوصة.
وقوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} يريد وحسن أولئك رفقاء في الجنة يستمتعون برؤيتهم والحضور في مجالسهم، لأنهم ينزلون إليهم، ثم يعودون إلى منازلهم العالية ودرجاتهم الرفيعة.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ} يريد أن ذلك الالتقاء مع من ذكرتم لهم بفضل الله تعالى، لا بطاعتهم. وقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً} أي: بأهل طاعته وأهل معصيته وبطاعة المطيعين ومعصية العاصين، ولذلك يتم الجزاء عادلاً رحيماً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- قد يكلف الله تعالى بالشاق للامتحان والابتلاء؛ كقتل النفس والهجرة من البلد ولكن لا يكلف بما لا يطاق.
2- الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصيات.
5- الطاعات تثمر قوة الإيمان وتؤهل لدخول الجنان.
4- مواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة ثمرة من ثمار طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم.
في هذه الآية إشارة أصرح من عبارة: على خلافة أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الله تعالى الأنبياء ثم ثنى بالصديقين، وقد أجمع المسلمون على تسمية أبي بكر بالصديق، كما أجمعوا على تسمية محمد صلى الله عليه وسلم بالنبي، فدل على تعيين خلافة أبي بكر، إذ لم يقدم عليه أحد في الذكر سوى الأنببياء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/12/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /71/72/73/.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً(71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً(72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً(73)}
شرح الكلمات:
{خُذُوا حِذْرَكُمْ} : الحذر والحذر: الاحتراس والاستعداد لدفع المكروه بحسبه.
{فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ} : النفور: الخروج في اندفاع وانزعاج، والثبات: جمع ثبت، وهي: الجماعة.
حمل مجاهد وقتادة وابن جريج الآية على المنافقين، وحملها بعضهم على ضعفة الإيمان، وحملها على الجميع أقرب إلى الصحة والصواب، والله أعلم.
{لَيُبَطِّئَنَّ} : أي: يتبطأ في الخروج فلا يخرج.
{مُصِيبَةٌ} : قتل أو جراحات وهزيمة.
{شَهِيداً} : أي: حاضراً الغزوة معهم.
{فَضْلٌ} : نصر وغنيمة.
{مَوَدَّةٌ} : صحبة ومعرفة مستلزمة للمودة.
إذا كان الصاحب من ضعفة الإيمان فهو كذلك، وإن كان منافقاً فإن المودة هنا بمعنى: مجرد الصحبة لا غير لأن المنافق لا يحب المؤمن إلا نادراً.
{فَوْزاً عَظِيماً} : نجاة من معرة التخلف عن الجهاد، والظفر بالسلامة والغنيمة.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} ينادي الله تعالى عباده المؤمنين، وهم في فترة يستعدون فيها لفتح مكة وإدخاله في حظيرة الإسلام، خذوا الأهبة والاستعداد حتى لا تلاقوا عدوكم وأنتم ضعفاء، قوته أشد من قوتكم {فانفروا ثباتٍ} عصابة بعد عصابة وجماعة بعد أخرى {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} بقيادتكم المحمدية وذلك بحسب ما يتطلبه الموقف وتراه القيادة ثم أخبرهم وهو العليم أن منهم، أي: من عدادهم وأفراد مواطنيهم لمن والله ليبطئن عن الخروج إلى الجهاد نفسه وغيره معاً؛ لأنه لا يريد لكم نصراً لأنه منافق كافر الباطن وإن كان مسلم الظاهر ويكشف عن حال هذا النوع من الرجال الرخيص فيقول: {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ} أيها المؤمنون الصادقون {مُصِيبَةٌ} قتل أو جراح أو هزيمة قال في فرح بما أصابكم وما نجا منه: لقد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم حاضراً فيصيبني ما أصابهم، {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} أي: نصر وغنيمة {لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أي: معرفة ولا صلة يا ليتني متمنياً حاسداً -كنت معهم في الغزاة {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} بالنجاة من معرة التخلف والظفر بالغنائم والعودة سالماً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب أخذ الأهبة والاستعداد التام على أمة الإسلام في السلم والحرب سواء.
2- وجوب وجود خبرة عسكرية كاملة وقيادة رشيدة مؤمنة حكيمة عليمة.
3- وجود منهزمين روحياً مبطئين حسدة بين المسلمين وهم ضعاف الإيمان فلا يؤبه لهم ولا يلتفت إليهم.
//أخذ الحذر واجب لأنه سبب شرعه الله تعالى لتوقي المكروه، ولكنه لا يمنع المقدور، وأخطأت القدرية إذا قالوا: الحذر يرد القدر، ولولا أنه كذلك ما أمروا به، وهو خطأ اعتقادي، فالأسباب تؤتى طاعة لله تعالى، وأما دفع المقدور، أي: ما قدره الله على الإنسان فلابد من وقوعه، وفائدة الأخذ بالأسباب: إبعاد الخوف عن النفس وحصول شعور بالفوز والنجاة.//
// هل هذه الآية وهي متقدمة في النزول على آية التوبة: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} منسوخة بها؟. والجواب: أن فرض الجهاد على الكفاية، ولذا فلا نسخ، وإنما هذه في حال وتلك في أخرى، وهي: أن يرى الإمام النفير العام لا غير.//
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/13/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /74/75/76/
{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(74) وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً(75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً(76)}
شرح الكلمات:
{سَبِيلِ اللَّهِ} : الطريق الموصلة إلى إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده، ولا يضطهد مسلم في دينه، ولا من أجل دينه.
{يَشْرُونَ} : يبيعون، إذ يطلق الشراء على البيع أيضاً.
{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} : المستضعف الذي قام به عجز فاستضعفه غيره فآذاه لضعفه.
{الْقَرْيَةِ} : القرية في عرف القرآن: المدينة الكبيرة والجامعة والمراد بها هنا مكة المكرمة.
{فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} : أي: في نصرة الشرك ومساندة الظلم والعدوان ،ونشر الفساد.
معنى الآيات:
بعد ما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم وهو الأهبة للقتال أمرهم أن يقاتلوا فقال: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالآخِرَةِ} أي: يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة وهم المؤمنون حقاً فيقدمون أموالهم وأرواحهم طلباً للفوز بالدار الآخرة يقاتلون من لا يؤمن بالله ولا بلقائه بعد أن يدعوه إلى الإيمان بربه والتوبة إليه، ثم أخبرهم.
أن من يقاتل استجابة لأمره تعالى فيقتل، أي: يستشهد أو يغلب وينتصر على كلا الحالين فسوف يؤتيه الله تعالى أجراً عظيماً، وهو النجاة من النار ودخول الجنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى(74).
ظاهر الآية: التسوية بين من قتل شهيداً، وبين من انتصر ورجع بنفسه وهناك حديثان: أحداهما يقتضي التسوية وآخر ينفيها. فالأول: حديث أبي هريرة "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو علىَ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر وغنيمة" رواه مسلم.
والثاني: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" والجمع بينهما أن من غزا ناوياً الأجر والغنيمة ثم غنم وسلم نقص أجره في الآخرة، فلم تكن درجته كالذي استشهد ولم يغنم، ولا كالذي نوى الأجر دون الغنيمة أيضاً.
والسبب الفارق: هو اشتراك النية وعدم خلوصها.
أما الآية الثانية(75) فإن الله تعالى بعدما أمر عباده بالجهاد استحثهم على المبادرة وخوض المعركة بقوله: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
الاستفهام إنكاري؛ أي ينكر عليهم قعودهم على القتال في سبيل الله، أي: لانقاذ المؤمنين من فتنة المشركين وإنقاذ أولادهم من أن يشبوا ويكبروا على أحوال الكفر جاهلين بالإيمان والإسلام.
{وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ليعبد وحده ويعز أولياءه {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} الذين يضطهدون من قبل المشركين ويعذبون من أجل دينهم حتى صرخوا وجاروا بالدعاء إلى ربهم قائلين: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً} يلي أمرنا ويكفينا ما أهمنا، {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} ينصرنا على أعدائنا، أي: شيء يمنعكم أيها المؤمنون من قتال في سبيل الله، لُيعبد وحده، وليتخلص المستضعفون من فتنة المشركين لهم من أجل دينهم؟
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كنت أنا وأمي من المستضعفين". وفي رواية البخاري قال: "كنت أنا وأمي ممن عذر الله وأنا من الولدان وأمي من النساء"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت لهم فيقول: "اللهم أنجي الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة المستضعفين من المؤمنين" .
الإجماع على وجوب تخليص الأسرى من المسلمين بالقتال أو بالمال، ولا يحل تركهم تحت الكفر يضطهدهم ويعذبهم من أجل دينهم. وفي الحديث الصحيح: "فكوا العاني" وهو الأسير، وسمي العاني لما يعانية من آلام وأتعاب. والمسلمون اليوم أسرى تحت اليهود في فلسطين، والمسلمون تاركون لهم غير مهتمين بهم، وهو ذنب عظيم.
ثم في الآية الثالثة(75) أخبر تعالى عباده المؤمنين حاضاً لهم على جهاد أعدائه وأعدائهم بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لأنهم يؤمنون به وبوعده ووعيده {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} وهو الكفر والظلم لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى ولا بما عنده من نعيم، ولا بما لديه من عذاب ونكال {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} وهم الكفار، ولا ترهبوهم {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ} وما زال {ضَعِيفاً} ، فلا يثبت هو وأولياؤه من الكفرة، أمام جيش الإيمان أولياء الرحمن.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- فرضية القتال في سبيل الله ولأجل انقاذ المستضعفين من المؤمنين نصرة للحق وإبطالاً للباطل.
2- المقاتل في سبيل الله باع دنياه واعتاض عنها الآخرة، ولنعم البيع.
3- المجاهد يؤوب بأعظم صفقة سواء قتل، أو انتصر وغلب وهي الجنة.
4- لا يمنع المؤمنين من الجهاد خوف أعدائهم، لأن قوتهم من قوة الشيطان وكيد الشيطان ضعيف.
يطلق الطاغوت على ما عبد من دون الله، ويطلق على من دعا إلى عبادة غير الله؛ كالشيطان وغيره من الجن والإنس الذين يدعون إلى عبادة الأصنام والأشخاص وغيرها، وفي هذه الآية يناسب أن يكون الطاغوت هو الشيطان، لقوله: بعد أولياء الشيطان، وإطلاقنا: الطاغوت على الكفر والظلم مراعاة لحال الناس، فإن أكثرهم يقاتل نصرا للكفر الذي هو عليه أو لإبقاء ظلمه واستعلاؤه في الأرض.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/14/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /77/78/79/
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً(77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً(78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً(79)}
شرح الكلمات:
{كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} : أي: عن القتال وذلك قبل أن يفرض.
{كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} : فرض عليهم.
{يَخْشَوْنَ} : يخافون.
{لَوْلا أَخَّرْتَنَا} : هلا أخرتنا.
المراد من التأخير إلى أجل قريب: هو أن يتم استعدادهم للقتال لتوفر المال والرجال والعتاد لا إلى أجل الموت فإنه غير وارد في قولههم: هذا ولا معنى له، وهل قولهم كان في أنفسهم أو صرحوا به؟ كلاهما وارد وجائز الوقوع.
{فَتِيلاً} : الفتيل: خيط يكو في وسط النواة.
{بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} : حصون مشيدة بالشيد، وهو الجص.
{مِنْ حَسَنَةٍ} : الحسنة: ما سر، والسيئة: ما ضر.
معنى الآيات:
روى أن بعضاً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم طالبوا بالإذن لهم بالقتال ولم يؤذن لهم لعدم توفر أسباب القتال، فكانوا يؤمرون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ريثما يأذن الله تعالى لرسوله بقتال المشركين، ولما شرع القتال جبن فريق منهم عن القتال وقالوا: {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} متعللين بعلل واهية، فأنزل الله تعالى فيهم هاتين الآيتين(77)و(78) { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} أي: عن القتال {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ريثما يأذن الله بالقتال عندما تتوفر إمكانياته، فلما فرض القتال ونزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} جبنوا ولم يخرجوا للقتال، وقالوا: {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} يريدون أن يدافعوا الأيام حتى يموتوا ولم يلقوا عدواً خوراً، فأمر تعالى الرسول أن يقول لهم: { مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} فعيشكم في الدنيا مهما طابت لكم الحياة هو قليل {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} الله بفعل أمره وترك نهيه بعد الإيمان به وبرسوله، وسوف تحاسبون على أعمالكم وتجزون بها {وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} لا ينقص حسنة ولا بزيادة سيئة. هذا ما تضمنته الآية الأولى.
أما الآية الثانية فقد قال تعالى لهم ولغيرهم ممن يخشون القتال ويجبنون عن الخروج للجهاد: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} ، إذ الموت طالبكم ولابد أن يدرككم، كما قال تعالى لأمثالهم: { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} ، ولو دخلتم حصوناً4 ما فيها كوة ولا نافذة فإن الموت يدخلها عليكم ويقبض أرواحكم، ولما ذكر تعالى جبنهم وخوفهم ذكر تعالى سوء فهمهم وفساد ذوقهم فقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} يعني أنه إذا أصابهم خير من غنيمة أ خصب ورخاء، قالوا: {هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} لا شكراً لله وإنما لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من خير كان ببركته وحسن قيادته، وإن تصبهم سيئة فقر أو مرض أو هزيمة يقولون: {هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، أي: أنت السبب فيها.
قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل لهم {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الحسنة والسيئة، هو الخالق والواضع السنن لوجودها وحصولها. ثم عليهم في نفسياتهم الهابطة، فقال: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
أما الآية الثالثة والأخيرة في هذا السياق، وهي قوله تعالى: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} الآية، فإن الله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم فيخبره بأن الحسنة من الله تعالى، إذ هو الآمر بقولها أو فعلها وموجد أسبابها الموفق للحصول عليها، أما السيئة فمن النفس، إذ هي التي تأمر بها، وتباشرها مخالفة فيها أمر الله أو نهيه، فلذا لا يصح نسبتها إلى الله تعالى. وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} يُسلي به رسوله صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من أذى الناس وما يصادفه من سوء أخلاق بعضهم؛ كالذين ينسبون إليه السيئة تطيراً به فيخبره بأن مهمته أداء الرسالة، وقد أداها والله شاهد على ذلك ويجزيك عليه بما أنت أهله وسيجزي من رد رسالتك وخرج عن طاعتك وكفى بالله شهيداً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- قبح الاستعجال والجبن وسوء عاقبتهما.
2- الآخرة خير لمن اتقى من الدنيا.
وما أحسن ما قيل في معنى الآية شعراً:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار المقام نصيب
فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنها ... متاع قليل والزوال قريب
3- لا مفر من الموت ولا مهرب منه بحال1 من الأحوال.
4- الخير والشر كلاهما بتقدير الله تعالى.
5- الحسنة من الله والسيئة من النفس، إذ الحسنة أمر الله بأسبابها بعد أن أوجدها وأعان عليها، وأبعد الموانع عنها، والسيئة من النفس؛ لأن الله نهى عنها وتوعد على فعلها، ولم يوفق إليها ولم يعن عليها فهي من النفس لا من الله تعالى.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير سورة النساء من الآية /64/ الى الآية /80/
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: