الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير من سورة النساء من الآية /80/ الى الآية /101/

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 651
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير من سورة النساء من الآية /80/ الى الآية /101/   الثلاثاء ديسمبر 27, 2016 10:13 pm

(تفسير سورة النساء)
الآيات /80/81/82/83/
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً(80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(81) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً(83)}
شرح الكلمات:
{حَفِيظاً} : تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها.
{طَاعَةٌ} : أي: أمرنا طاعة لك.
{بَرَزُوا} : خرجوا.
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ} : تدبر القرآن، قراءة الآية أو الآيات وإعادتها المرة بعد المرة ليفقه مراد الله تعالى منها.
{أَذَاعُوا بِهِ} : أفشوه معلنينه للناس.
{يَسْتَنْبِطُونَهُ} : يستخرجون معناه الصحيح.
الاستنباط مأخوذ من: استنبط الماء، إذا استخرجه من الأرض، والنبط: الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أو ما يحفر. وسمي النبط نبطاً؛ لأنهم يستخرجون ما في الأرض، والاستنباط لغة الاستخراج، وفي هذه الآية دليل على الاجتهاد.
معنى الآيات:
في قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ} إنذار إلى الناس كافة في أن من لم يطع الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم ما أطاع الله تعالى.
في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني ".
إن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الله ونهيه من نهي الله تعالى فلا عذر لأحد في عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَمَنْ تَوَلَّى} أي: عن طاعتك فيما تأمر به وتنهى عنه، فدعه ولا تلتفت إليه إذ لم نرسلك لتحصي عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتجزيهم بها، إن عليك إلا البلاغ، وقد بلغت فاعذرت.
وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} أي: ويقول أولئك المنافقون المتطيرون بك السيئو الفهم لما تقول: طاعة أي: أمرنا طاعة لك، أي: ليس لنا ما نقول إذا قلت ولا ما نأمر به إذا أمرت، فنحن مطيعون لك {فَإِذَا بَرَزُوا} أي: خرجوا من مجلسك بدل طائفة منهم غير الذي تقول واعتزموه دون الذي وافقوا عليه أمامك، وفي مجلسك، والله تعالى يكتب بواسطة ملائكته الكرام الكاتبين ما يبيتونه من الشر والباطل.
بيتوا: زوروا وبدلوا، إن التبييت: هو تدبر الأمر بالليل حيث اتساع الوقت والفراغ من العمل وقلة العيون، وبيتوا العدو: أتوه ليلاً، قال الشاعر:
أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء.
وعليه {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ولا تبال بهم {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} فهو حسبك وكافيك ما يبيتونه من الشر لك.
وقوله تعالى في الآية الثانية(82) {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} يؤنيهم بإعراضهم وجهلهم وسوء فهمهم، إذ لو تدبروا القرآن وهو يُتلى عليهم وسمعوه صباح مساء لعرفوا أن الرسول حق وأن ما جاء به حق فآمنوا وأسلموا وحسن إسلامهم، وانتهى نفاقهم الذي أفسد قلوبهم وعفن آرائهم، إن تدبر القرآن بالتأمل فيه وتكرار آياته مرة بعد أخرى يهدي إلى معرفة الحق
من الباطل وأقرب ما يفهمونه لو تدبروا القرآن كلام الله تعالى وليس كلام بشر، إذ لو كان كلام بشر لوجد فيه التناقض والاختلاف والتضاد، ولكنه كلام خالق البشر، فلذا هو متسق الكلم متآلف الألفاظ والمعاني محكم الآي هادٍ إلى الإسعاد والكمال، فهو بذلك كلام الله حقاً ومن شرف بإنزاله عليه رسول حق ولا معنى أبداً للكفر بعد هذا والإصرار عليه، ومنافقة المسلمين فيه. هذا معنى قوله تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} .
في هذه الآية: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}
مع آية سورة القتال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}
دليل على وجوب تدبر القرآن لفهم معانيه، لاعتقاد الحق والعمل به، وفيه رد على من زعم أنه لا يؤخذ من القرآن إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسيره، ودليل على وجوب النظر والاستدلال وإبطال التقليد.
وقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} وهي الآية الرابعة(83) فإن الله تعالى يخبر عن أولئك المرضى بمرض النفاق ناعياً عليهم إرجافهم وهزائمهم المعنوية فيقول: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} أي: إذا وصل من سرايا الجهاد خبر بنصر أو هزيمة سارعوا بإفشائه وإذاعته، وذلك عائد إلى مرض قلوبهم لأن الخبر وأطلق عليه لفظ الأمر؛ لأن حالة الحرب غير حالة السلم إذا كان بالنصر المعبر عنه بالأمن فهم يعلنونه حسداً أو طمعاً، وإذا كان بالهزيمة المعبر عنها بالخوف يعلنونه فزعاً وخوفاً؛ لأنهم جبناء كما تقدم وصفهم، قال تعالى في تعليمهم وتعليم غيرهم ما ينبغي أن يكون عليه المجاهدون في حال الحرب. {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ} القائد الأعلى، {وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم أمراء السرايا المجاهدة {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: لاستخرجوا سر الخبر وعرفوا ما يترتب عليه فإن كان نافعاً أذاعوه، وإن كان ضاراً أخوفه. ثم قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أيها المؤمنون {لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} في قبول تلك الإشاعات المغرضة والإذاعات المثبطة {إِلا قَلِيلاً} منكم من ذوي الآراء الصائبة والحصافة العقلية، إذ مثلهم لا تثيرهم الدعاوى، ولا تغيرهم الأراجيف، ككبار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يطاع لذاته وإنما يطاع لذات الله عز وجل.
2- وجوب تدبر القرآن لتقوية الإيمان.
3- آية أن القرآن وحي الله وكلامه سلامته من التناقض والتضاد في الألفاظ والمعاني.
4- تقرير مبدأ أن أخبار الحرب لا تذاع إلا من قبل القيادة العليا حتى لا يقع الاضطراب في صفوف المجاهدين والأمة كذلك.
5- أكثر الناس يتأثرون بما يسمعون إلا القليل من ذوي الحصافة العقلية والوعي السياسي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/16/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /84/85/86/
{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً(84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً(85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً(86)}
شرح الكلمات:
{وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} : حثهم على الجهاد وحرضهم على القتال.
{بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : قوتهم الحربية.
روَأَشَدُّ تَنْكِيلاً} : أقوى تنكيلاً، والتنكيل: ضرب الظالم بقوة حتى يكون عبرة لمثله فينكل عن الظلم.
الشفاعة : الوساطة في الخير أو في الشر فإن كانت في الخير فهي الحسنة وإن كانت في الشر فهي السيئة.
{كِفْلٌ مِنْهَا} : نصيب منها.
{مُقِيتاً} : مقتدراً عليه وشاهداً عليه حافظاً له.
{بِتَحِيَّةٍ} : تحية الإسلام، هي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
{أَوْ رُدُّوهَا} : أي: يقول: وعليكم السلام.
{حَسِيباً} : محاسباً على العمل مجازياً به خيراً كان أو شراً.
معنى الآيات:
ما زال السياق في السياسة الحربية، ففي هذه الآية: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} يأمر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين لأجل إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده وينتهي اضطهاد المشركين للمؤمنين وهو المراد من قوله {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وقوله: {لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ} أي: لا يكلفك ربك إلا نفسك وحدها، أما من عداك فليس عليك تكليفه، ولكن حرض المؤمنين على القتال معك فحثهم على ذلك ورغبهم فيه.
وقوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وهذا وعد من عند الله تعالى بأن يكف بأس الذين كفروا فيسلط عليهم رسوله والمؤمنين فيبددوا قوتهم ويهزموهم فلا يبقى لهم بأس ولا قوة وقد فعل، وله الحمد والمنة، وهو تعالى {أَشَدُّ بَأْساً} م كل ذي بأس {وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً} من غيره بالظالمين من أعدائه.
هذا ما دلت عليه الآية(84).
أما الآية(85) وهي قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً} فهو إخبار منه تعالى بأن من يشفع شفاعة حسنة بأن يضم صوته مع مطالب بحق أو يضم نفسه إلى سرية تقاتل في سبيل الله، أو يتوسط لأحد في قضاء حاجته فإن للشافع قسطاً من الأجر والمثوبة، كما أن {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً} بأن يؤيد باطلاً أو يتوسط في فعل شر أو ترك معروف يكون عليه نصيب من الوزر، لأن الله تعالى على كل شيء مقتدر وحفيظ عليم. هذا ما دلت عليه الآية المذكورة.
أما الآية الأخيرة(86) فإن الله تعالى يأمر عباده المؤمنين بأن يردوا تحية من يحييهم بأحسن منها فإن لم يكن بأحسن فبالمثل، فمن قال: السلام عليكم، فليقل الراد: وعليكم السلام ورحمة الله، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله. فليرد عليه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} فيه تطمين للمؤمنين على أن الله تعالى يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أنه كلف بالقتال وحده وفعل.
2- ليس من حق الحاكم أن يجند المواطنين تجنيداً إجبارياً، وإنما عليه أن يحضهم على التجنيد ويرغبهم فيه بوسائل الترغيب.
3- فضل الشفاعة في الخير، وقبح الشفاعة في الشر.
4- تأكيد سنة التحية، ووجوب ردها بأحسن أو بمثل.
5- تقرير ما جاء في السنة بأن السلام عليكم: يعطي عليها المسلم عشر حسنات ورحمة الله: عشر حسنات. وبركاته: عشر كذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/17/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /87/88/89/90/91/
{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً(88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً(89) إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً(90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً(91)}
شرح الكلمات:
{لا إِلَهَ إِلا هُوَ} : لا معبود بحق إلا هو.
اسم الجلالة: {الله} مبتدأ، و{لا إله إلا الله} جملة معترضة، وجملة القسم واقعة موقع الخبر.
{فِئَتَيْنِ} : جماعتين الواحدة فئة، أي: جماعة.
الفئة: الطائفة، اشتق لفظها من الفيء الذي هو الرجوع، إذ أفرادها يرجع بعضهم إلى بعض، وأصلها فيء، فحذفت الياء من وسطها لكثرة الاستعمال فصارت: فئة، بعد زيادة هاء التأنيث عوضاً عن الياء المحذوفة.
{أَرْكَسَهُمْ} : الارتكاس: التحول من حال حسنة إلى حال سيئة؛ كالكفر بعد الإيمان، أو الغدر بعد الأمان وهو المراد هنا.
{سَبِيلاً} : أي: طريقاً إلى هدايتهم.
{وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} : الولي: من يلي أمرك، والنصير: من ينصرك على عدوك.
{يَصِلُونَ} : أي: يتصلون بهم بموجب عقد معاهدة بينهم.
{مِيثَاقٌ} : عهد.
{حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} : ضاقت.
{السَّلَمَ} : الاستسلام والانقياد.
{الْفِتْنَةِ} : الشرك.
{ثَقِفْتُمُوهُمْ} : وجدتموهم متمكنين منهم.
{ سُلْطَاناً مُبِيناً} :حجة بينة على جواز قتالهم.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى الآيات قبل هذه أنه تعالى المقيت والحسيب، أي: القادر على الحساب والجزاء، أخبر عز وجل أنه الله الذي لا إله إلا هو، أي: المعبود دون سواه لربوبيته على خلقه، إذ الإله الحق ما كان رباً خالقاً رازقاً مدبراً بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، وأنه جامع الناس ليوم لا ريب في إتيانه وهو يوم القيامة.
هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ} ، ولما كان هذا خبراً يتضمن وعداً ووعيداً أكد تعالى إنجازه، فقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً} اللهم إنه لا أحد أصدق منك.
أما الآيات الأربع الباقية، وهي(88) و(89)و(90) و(91) فقد نزلت لسبب معين وتعالج مسائل حربية معينة، أما السبب الذي نزلت فيه فهو اختلاف المؤمنين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في طائفة من المنافقين أظهروا الإسلام وهم ضليعون في موالاة الكافرين، وقد يكونون في مكة2، وقد يكونون في المدينة، فرأى بعض الأصحاب أن من الحزم الضرب على أيديهم وإنهاء نفاقهم، ورأى آخرون تركهم والصبر عليهم ما داموا يدعون الإيمان لعلهم بمرور الأيام يتوبون.
فلما اختلفا واشتد الخلاف في شأنهم أنزل الله تعالى هذه الآيات فقال: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}
ومعنى الآية، أي: شيء صيركم في شأن المنافقين فئتين؟ والله تعالى قد أركسهم في الكفر بسبب ما كسبوه من الذنوب العظام. أتريدون أيها المسلمون أن تهدوا من أضل الله، وهل يقدر أحد على هداية من أضله الله؟ وكيف، ومن يضلل الله حسب سنته في إضلال البشر لا يوجد له هادٍ، ولا سبيل لهدايته بحال من الأحوال.
ثم أخبر تعالى عن نفسية أولئك المنافقين المختلف فيهم فقال وهي الآية الثالثة(89) {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} أي: أحبوا من قلوبهم كفركم لتكونوا مثلهم، وفيه لازم وهو انتهاء الإسلام، وظهور الكفر وانتصاره.
ومن هنا قال تعالى محرماً موالاتهم إلى أن يهاجروا فقال: {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} تعولون عليهم في نصرتكم على إخوانهم في الكفر. ظاهر هذا السياق أن هؤلاء المنافقين هم بمكة وهو كذلك.
وقوله تعالى: {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صلاتهم بدار الكفر فيفتر عزمهم ويراجعوا الصدق في إيمانهم فيؤمنوا فإن هاجروا ثم تولوا عن الإيمان الصحيح إلى النفاق الكفر فأعلنوا الحرب عليهم {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} ؛ لأنهم بارتكاسهم لا خير فيهم ولا يعول عليهم.
ثم في الآية(90) استثنى لهم الرب تعالى صنفين من المنافقين المذكورين فلا يأخذونهم أسرى ولا يقاتلونهم، الصنف الأول الذين ذكرهم تعالى بقوله {إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ} أي: يلجأون {إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} فبحكم استجارتهم بهم طالبين الأمان منهم فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم. والصنف الثاني قوم ضاقت صدورهم بقتالكم، وقتال قومهم فهؤلاء الذين لم يستسيغوا قتالكم ولا قتال قومهم إن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم فلا تأخذوهم ولا تقتلوهم واصبروا عليهم، إذ لو شاء الله تعالى لسلطهم عليكم فلقاتلوكم هذا الصنف هو المعنى بقوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} فما دام الله تعالى قد كفهم عنكم فكفوا أنتم عنهم.
هذا معنى قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} . أي: المسالمة والمهادنة {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً}. لأخذهم وقتالهم.
هذا وهناك صنف آخر ذكر تعالى حكم معاملته في الآية الخامسة والأخيرة(91)، وهي قوله تعالى: ستجدون قوماً آخرين غير الصنفين السابقين { يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} فهم إذاً يلعبون على الحبلين كما يقال {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} أي: إلى الشرك {أُرْكِسُوا فِيهَا} أي: وقعوا فيها منتكسين، إذ هم منافقون، إذ كانوا معكم عبدوا الله وحده، وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأوثان لمجرد دعوة يدعونها يلبون فيرتدون إلى الشرك،
وهو معنى قوله تعالى: {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} ، وقوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} أي: إن لم يعتزلوا قتالكم ويلقوا إليكم السلام، وهو الإذعان والانقياد لكم، ويكفوا أيديهم فعلاً عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} أي: حجة واضحة على جواز أخذهم وقتلهم حيثما تمكنتم منهم وعلى أي حال. هذا ما دلت عليه الآيات الخمس مع العلم أن الكف عن قتال المشركين قد نسخ بآيات براءة إلا أن لإمام المسلمين أن يأخذ بهذا النظام عند الحاجة إليه فإنه نظام رباني ما أخذ به أحد وخاب أو خسر، ولكن خارج جزيرة العرب إذ لا ينبغي أن يجتمع فيها دينان.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب توحيد الله تعالى في عبادته.
2- الإيمان بالبعث والجزاء.
3- خطة حكيمة لمعاملة المنافقين بحسب الظروف والأحوال.
4- تقرير النسخ في القرآن.
الهجرة: هجرتان، هي لمنافقي المدينة. الخروج إلى الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهجرة لمنافقي مكة، وهي إلى المدينة للإقامة بها. والهجرة أنواع: منها ترك المعاصي، لحديث: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ورسوله" ومنها هجرة الفساق وأهل البدع ليتوبوا من ذنوبهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/18/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيتان /92/93/
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً(93)}
قيل: نزلت هذه الآية في عياش ابن أبي ربيعة، إذ قتل الحارث بن زيد العامري، لإحنة كانت بينهما، وكان الحارث قد أسلم، ولم يعلم عياش بإسلامه فكان قتله خطأ، وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أي: فعليه تحرير رقبة.
شرح الكلمات:
{إِلا خَطَأً} : أي: إلا قتلاً خطأ، وهو أن لا يتعمد قتله؛ كأن يرمي صيداً فيصيب إنساناً.
{رَقَبَةٍ} : أي: مملوك عبداً كان أو أمة .
لابد أن تكون الرقبة مؤمنة، وهل يجب أن تكون بالغة؟ إذ الإيمان يتم بالبلوغ، والذي عليه مالك: أنها تجزئ إذا كانت سليمة الأعضاء ولو لم تكن بالغة، وهو الراجح.
{مُسَلَّمَةٌ} : مؤداة وافية.
لقد بينت السنة أن دية الخطأ على العاقلة ولا خلاف فيها.
{إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا} : أي: يتصدقوا بها على القاتل فلا يطالبوا بها ولا يأخذوها منه.
{مِيثَاقٌ} : عهداً مؤكد بالأيمان.
{مُتَعَمِّداً} : مريداً قتله وهو ظالم له.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى في الآيات السابقة قتال المنافقين متى يجوز ومتى لا يجوز ناسب ذكر قتل المؤمن الصادق في إيمانه خطأ وعمداً وبيان حكم ذلك، فذكر تعالى في الآية الأولى(92) أنه لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا في حال الخطأ، أما في حال العمد فلا يكون ذلك منه ولا يتأتى له وهو مؤمن؛ لأن الإيمان نور يكشف عن مدى قبح جريمة قتل المؤمن وما وراءها من غضب الله تعالى وعذابه فلا يقدم على ذلك اللهم إلا في حال الخطأ.
فهذا وارد وواقع.
وحكم من قتل خطأ أن يعتق رقبة ذكراً كانت أو أنثى مؤمنة وأن يدفع الدية لأولياء القتيل إلا أن يتصدقوا بها فلا يطالبوا بها ولا يقبلونها.
والدية مائة من الإبل، أو ألف دينار ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة.
ومن الغنم: ألف شاة، وهل الإبل تخمس خلاف، ومذهب الشافعي ومالك أنها تخمس؛ فعشرون حقه، وعشرون جزعه، وعشرون بنات مخاص، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكور. وتغلظ دية العمد، بأن يكون أربعون منها في بطونها أولاده، وشبه العمد: ما كان بأداة لا تقتل عادة؛ كالعصا ونحوها لحديث: "ألا أن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" .
أكثر أهل العلم: أن دية المرأة على نصف دية الرجل، وإن دية الجنين إذا سقط حياً دية كاملة، وإذا سقط ميتاً فديته غرة عبد أو أمة، ومعنى: غرة: أن يكون أبيض لا أسود فيقوم العبد وتعطي قيمته دية.
هذا معنى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا}
فالنفي في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً} ليس نفي الفعل حتى يقال: ما نفاه الله لا يجوز وجوده، وإنما هو نفي الحال والشأن لا الفعل، فليتأمل.
فإن كان القتيل مؤمناً ولكن من قوم هم عدو للمسلمين محاربين، فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، إذ لا تعطى الدية لعدو يستعين بها على حرب المسلمين.
وإن كان القتيل من قوم كافرين وهو مؤمن أو كافر ولكن بيننا وبين قومه معاهدة، على القاتل تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله، فمن لم يجد الرقبة فصيام شهرين متتابعين، فذلك توبته لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}
{تَوبة} منصوب على المصدر، أي: تاب الله عليه توبة.
أي: مشروعية الكفارة في قتل الخطأ كانت توبة من الله على العبد القاتل خطأ.
وعلة الكفارة أنه لم يتحرز ولم يتحفظ فلذا وقع منه القتل، فكان لابد من مكفر لما لحقه من الإثم بالتفريط.
أما القاتل عمداً فلا كفارة تجزئه.
وهل له من توبة؟ عليه أن يتوب، ومن توبته أن يعتق أو يتصدق ويصوم رجاء أن يتوب الله عليه.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}
عليماً بما يحقق المصلحة لعباده حكيماً في تشريعه فلا يشرع إلا ما كان نافعاً ومحققاً غير ضار، ومحققاً للخير في الحال والمآل.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية(93) فإنها بينت حكم من قتل مؤمناً عمداً عدواناً، وهو أن الكفارة لا تغني عنه شيئاً لما قضى الله تعالى له باللعن والخلود في جهنم إذ قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} إلا أن الدية أو القصاص لازمان ما لم يعف أولياء الدم فإن عفوا عن القصاص ورضوا بالدية أعطوها وإن طالبوا بالقصاص اقتصوا، إذ هذا حقهم وأما حق الله تعالى: فإن القتيل عبده خلقه ليعبده، فمن قتله، فالله تعالى رب العبد خصمه وقد توعده بأشد العقوبات وأفظعها، والعياذ بالله تعالى وذلك حقه قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- بيان أن المؤمن الحق لا يقع منه القتل العمد للمؤمن.
2- بيان جزاء القتل الخطأ وهو تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله.
3- إذا كان القتيل مؤمناً وكان من قوم كافرين محاربين، فالجزاء تحرير رقبة ولا دية.
4- إذا كان القتيل من قوم بين المسلمين مثياق، فالواجب الدية وتحرير رقبة.
5- من لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين.
6- القتل العمد عدوان يجب له أحد شيئين: القصاص, أو الدية
حسب رغبة أولياء الدم وإن عفوا فلهم ذلك وأجرهم على الله تعالى، وعذاب الآخرة وعيد إن شاء الله أنجزه وإن شاء عفا عنه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/19/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآية /94/
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(94)}
شرح الكلمات:
{إِذَا ضَرَبْتُمْ} : خرجتم تضربون الأرض بأرجلكم غزاة ومسافرين.
{فَتَبَيَّنُوا} : فتثبتوا حتى لا تقتلوا مسلماً تحسبونه كافراً.
{السَّلامَ} : الاستسلام والانقياد.
السلم: بكسر السين، والسلم: بفتح السين واللام، والسلام واحد. والسلم بالكسر هنا أولى؛ لأنه بمعنى: الانقياد والطاعة.
{تَبْتَغُونَ} : تطلبون.
{فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} : بالهداية فاهتديتم وأصبحتم مسلمين.
معنى الآية الكريمة:
روي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فلقوا رجلاً يسوق غنماً من بني سليم، فلما رآهم سلم عليهم قائلاً: السلام عليكم. فقالوا له: ما قلتها إلا تقية لتحفظ نفسك ومالك وقتلوه.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل ديته إلى أهله ورد غنمه وهو كذلك.
فنزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}
يريد خرجتم مسافرين للغزو والجهاد {فَتَبَيَّنُوا} ممن تلقونهم في طريقكم هل هم مسلمون فتكفوا عنهم، أو كافرين فتقاتلوهم.
{وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ} أعلن إسلامه لكم بالشهادة أو بالسلام {لَسْتَ مُؤْمِناً} فتكذبونه في دعواه الإسلام لتنالوا منه: { تَبْتَغُونَ} بذلك {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: متاعها الزائل فإن كان قصدكم الغنيمة فإن عند الله مغانم كثيرة فأطيعوه وأخلصوا له النية والعمل يرزقكم ويغنمكم خير ما تأملون وترجون.
متاع الدنيا: عرضاً؛ لأنه عارض زائل، ويطلق العرض بفتح الراء على الدراهم والدنانير، وبإسكان الراء على المتاع من أثاث وغيره، فلذا كل عرض بإسكان الراء، عرض بفتحها ولا ينعكس، وفي الحديث الصحيح: "ليس الغني عن كثرة العرض، إنما الغني غني النفس" . رواه مسلم.
وقوله: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} أي: مثل هذا الرجل الذي قتلتموه رغبة في غنمه كنتم تستخفون بإيمانكم خوفاً من قومكم {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} بأن أظهر دينه ونصركم فلم تعودوا تخفون دينكم. وعليه فتبينوا مستقبلاً، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكدوا من كفره وقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تذييل يحمل الوعد والوعيد، الوعد لمن أطاع، والوعيد لمن عصى، إذ لازم كونه تعالى خبيراً بالأعمال أنه يحاسب عليه ويجزي بها، وهو على كل شيء قدير.
هداية الآية
من هداية الآية:
1- مشروعية السير في سبيل الله غزواً وجهاداً.
2- وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ.
لأن قتل النفس عظيم، ولذا لما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمن قتل: من قال لا إله إلا الله ظاناً أنه قالها تقيه، قال: "هلا شققت عن قلبه" ، قاله ثلاثاً. ولذا لو أن كافراً صلى معنا ولم يقل: لا إله إلا الله لم نقتله حتى نطلب إليه قولها، فإن قالها وإلا قتل حينئذ، هذا الكافر المحارب لا المعاهد والمستئمن.
3- ذم الرغبة في الدنيا لا سيما إذا كانت تتعارض مع التقوى.
بل فضيلة السير في سبيل الله سواء للجهاد أو لطلب علم أو صلة رحم أو حج أو عمرة أو إبلاغ دعوة وتعليم علم، أو زيارة مؤمن لما ورد في ذلك من الأجر العظيم.
4- الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/20/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيتان /95/96/
{لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً(95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(96)}
شرح الكلمات:
{أُولِي الضَّرَرِ} : هم العميان والعرج والمرضى.
{دَرَجَةً} : منزلة عالية في الجنة.
{الْحُسْنَى} : الجنة.
معنى الآيتين:
روى أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ...} الآية. أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله فما برح حتى نزلت {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فأدخلت بين جملتي {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ...} .
ومعنى الآية: إن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله ونفسه ومن لا يجاهد بخلاً بماله, وضناً بنفسه، واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا لحسن نياتهم، وعدم استطاعتهم، فلذا قال: {وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} التي هي: الجنة، وقوله: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} أي: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لعذر درجة، وإن كان الجميع لهم الجنة، وهي الحسنى.
وقوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ} لغير عذر {أَجْراً عَظِيماً} وهو الدرجات العالية مع المغفرة والرحمة، وذلك لأن الله تعالى كان أزلاً وأبداً غفوراً رحيما، ولذا غفر لهم ورحمهم، اللهم اغفر لنا وارحمنا معهم.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- بيان فضل المجاهدين على غيرهم من المؤمنين الذين لا يجاهدون.
روي في الصحاح أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وقال صلى الله عليه وسلم: "من رمى بسهم فله أجره درجة". فقال رجل يا رسول الله: وما الدرجة. قال: "إما إنها ليست بعتبة بابك ما بين الدرجتين مائة عام" .
2- أصحاب الأعذار الشرعية ينالون أجر المجاهدين إن كانت لهم رغبة في الجهاد ولم يقدروا عليه لما قام بهم من أعذار وللمجاهدين فعلاً درجة تخصهم دون ذوي الأعذار.
روى البخاري تعليقاً، وغير و احد أن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قفل عائداَ من إحدى غزواته، قال: "إن بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم، أولئك قوم حبسهم العذر" .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/21/11/2016/
(تفسير سورة النساء)

الآيات /97/98/99/100/
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً(97) إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً(98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً(99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(100)}
شرح الكلمات:
{تَوَفَّاهُمُ} : تفيض أرواحهم عند نهاية آجالهم.
{ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} : بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم.
ظلم النفس: أن يفعل العبد فعلاً يؤول إلى مضرته، فهو بذلك ظالم لنفسه، والمراد به هنا: ترك الهجرة إذ يترتب عليها ترك العبادة فتخبث النفس، وذلك ظلم لها.
{فِيمَ كُنْتُمْ} : في أي شيء كنتم من دينكم؟
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم فيرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ..} الآية.
{مَصِيراً} : مأوى ومسكناً.
{حِيلَةً} : قدرة على التحول.
{مُرَاغَماً} : مكاناً وداراً لهجرته يرغم ويذل به من كان يؤذيه في داره.
{وَسَعَةً} : في رزقه.
{وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} : وجب أجره في هجرته على الله تعالى.
معنى الآيات:
لما كانت الهجرة من آثار الجهاد ناسب ذكر القاعدين عنها لضرورة ولغير ضرورة فذكر تعالى في هذه الآيات الهجرة وأحكامها، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} حيث تركوا الهجرة ومكثوا في دار الهون يضطهدهم العدو ويمنعهم من دينهم ويحول بينهم وبين عبادة ربهم. هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم {فِيمَ كُنْتُمْ} ؟ تسألهم هذا السؤال؛ لأن أرواحهم مدساة مظلمة لأنها لم تزك على الصالحات، فيقولون متعذرين: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} فلم نتمكن من تطهير أرواحنا بالإيمان وصالح الأعمال، فترد عليهم الملائكة قولهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} وتعبدوا ربكم؟ ثم يعلن الله عن الحكم فيهم بقوله: {فَأُولَئِكَ} البعداء {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} وساءت جهنم مصيراً يصيرون إليه ومأوى ينزلون فيه. ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار كما استثناهم في القعود عن الجهاد في الآيات قبل هذه فقال عز من قائل: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} ، واستضعاف الرجال يكون بالعلل، والنساء والولدان بالضعف الملازم لهم، هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة، أي: لا قدرة لهم على التحول والانتقال لضعفهم، {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} إلى دار الهجرة لعدم خبرتهم بالدروب والمسالك فطمعهم تعالى ورجاهم بقوله: {فَأُولَئِكَ} المذكورون {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} فلا يؤاخذهم ويغفر لهم بعض ما قصروا فيه ويرجمهم لضعفهم وكان الله غفوراً رحيماً.
هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث.
أما الآية الرابعة(100) فقد أخبر تعالى فيها أن من يهاجر في سبيله تعالى لا في سبيل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها يجد بإذن الله تعالى في الأرض مذهباً يذهب إليه وداراً ينزل بها ورزقاً واسعاً يراغم به عدوه الذي اضطهده حتى هاجر من بلاده، فقال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً في سبيل الله، أي: لأجل عبادته ونصرة دينه ثم مات في طريق هجرته وإن لم يصل إلى دار الهجرة فقد وجب أجره على الله تعالى، وسيوفاه كاملاً غير منقوص، ويغفر الله تعالى له ما كان من تقصير سابق ويرحمه فيدخله جنته. إذ قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب الهجرة عندما يحال بين المؤمن وعبادة ربه تعالى إذ لم يخلق إلا لها.
الهجرة: هي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وهي فريضة من فرائض الإسلام، وهي هجر متعددة، منها: الهجرة من بلاد البدعة، قال مالك: "لا يحل لمؤمن أن يقيم بأرض يسب فيها السلف الصالح"، ومنها: الخروج من أرض غلب عليها الحرام، إذ طلب الحلال فريضة، ومنها: أن يؤذى المسلم في دينه أو عرضه أو ماله، ومنها: الخوف من المرض ما لم يكن طاعوناً فإنه يحرم الفرار منه، ومنها: ألا يكون في بلده من يعرف أحكام الشريعة فيها جر لطلب ذلك.
2- ترك الهجرة كبيرة من كبائر الذنوب يستوجب صاحبها دخول النار.
3- أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة.
4- فضل الهجرة في سبيل الله تعالى.
5- من مات في طريق هجرته أعطى أجر المهاجر كاملاً غير منقوص وهو الجنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير من سورة النساء من الآية /80/ الى الآية /101/
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: