الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير من سورة النساء من الآية /101/ الى /135/

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 579
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير من سورة النساء من الآية /101/ الى /135/   الثلاثاء ديسمبر 27, 2016 10:15 pm


الآيات /101/102/103/104/
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً(101) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً(102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً(103) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(104)}
شرح الكلمات:
{ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} : أي: مسافرين مسافة قصر، وهي: أربعة برد، أي: ثمانية وأربعون ميلاً.
{أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} : بأن تصلوا الظهرين ركعتين ركعتين، والعشاء ركعتين لطولها.
{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} : هذا خرج مخرج الغالب، فليس الخوف بشرط في القصر وإنما الشرط السفر.
من أحكام صلاة السفر: أن المسافر لا يشرع في التقصير حتى يتجاوز مباني المدينة التي يسكنها، وأن المسافر إذا صلى وراء مقيم يتم معه، وأن المسافر إذا أم غيره قصر والمقيم يتم، وأنه يشرع له الجمع بين الظهرين، والعشاءين تقديماً أو تأخيراً.
اختلف في المسافة التي تقصر فيها الصلاة والجمهور على أنها أربعة برد، واختلفوا في مسافة الميل الذي هو جزء البريد، فالذي رجحه علماء المالكية، هو أن الميل ألفا ذراعاً، وعليه فمسافة القصر ثمانية وأربعون ميلاً، أي: كيلو متر، وهذا قول وسط بين قول من قال لا يقصر في أقل من سبعين ميلاً، وبين من قال كل سفر تقصر فيه الصلاة طال أو قصر ولو كان ثلاثة أميال.
{حِذْرَهُمْ} : الحيطة والأهبة لما عسى أن يحدث من العدو.
{أَسْلِحَتِكُمْ} : جمع سلاح ما يقاتل به من أنواع الأسلحة.
{وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : أي: لا تضييق عليكم ولا حرج في وضع الأسلحة للضرورة.
{قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} : أديتموها وفرغتم منها.
{فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ} : أي: ذهب الخوف فحصلت الطمأنينة بالأمن.
{كِتَاباً مَوْقُوتاً} : فرضاً ذات وقت معين تؤدى فيه لا تتقدمه ولا تتأخر عنه.
{وَلا تَهِنُوا} : أي: لا تضعفوا.
{تَأْلَمُونَ} : تتألمون.
معنى الآيات:
بمناسبة الهجرة والسفر من لوازمها ذكر تعالى رخصة قصر الصلاة في السفر وذلك بتقصير الرباعية إلى ركعتين فقال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} أي: سرتم فيها مسافرين {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج وإثم في {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وبينت السنة أن المسافر يقصر ولو أمن فهذا القيد غالي فقط، وقال تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً} تذييل أريد به تقرير عداوة الكفار للمؤمنين، فلذا شرع لهم هذه الرخصة.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى(101).
أما الآيتان بعدها فقد بينت صلاة الخوف وصورتها: أن ينقسم الجيش قسمين قسم يقف تجاه العدو وقسم يصلي مع القائد ركعة، ويقف الإمام مكانه فيتمون لأنفسهم ركعة، ويسلمون ويقفون تجاه العدو، ويأتي القسم الذي كان واقفاً تجاه العدو فيصلي بهم الإمام القائد ركعة ويسلم ويتمون لأنفسهم ركعة ويسلمون، وفي كلا الحالين هم آخذون أسلحتهم لا يضعونها على الأرض خشية أن يميل عليهم العدو وهم عزل فيكبدهم خسائر فادحة، هذا معنى قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} يريد الطائفة الواقعة تجاه العدو لتحميهم منه {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} .
وقوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} سبق هذا الكلام لبيان علة الصلاة طائفة بعد أخرى والأمر بالأخذ بالحذر وحمل الأسلحة في الصلاة، ومن هنا رخص تعالى لهم إن كانوا مرضى وبهم جراحات أو كان هناك مطر فيشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم فقال عز وجل: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} ، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} تذييل لكلام محذوف ودل عليه السياق قد يكون تقديره فإن الكفار فجرة لا يؤمن جانبهم، ولذا أعد الله عز وجل لهم عذاباً مهيناً، وإنما وضع الظاهر مكان المضمر إشارة إلى علة الشر والفساد التي هي الكفر.
وقوله تعالى في آية(103) {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} فإنه تعالى يأمر المؤمنين بذكره في كل الأحيان لا سيما في وقت لقاء العدو لما في ذلك من القوة الروحية التي تقهر القوى المادية وتهزمها، فلا يكتفي المجاهدون بذكر الله في الصلاة فقط بل إذا قضوا الصلاة لا يتركون ذكر الله في كل حال وقوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} يريد إذا ذهب الخوف وحل الأمن واطمأنت النفوس أقيموا الصلاة بحدودها وشرائطها وأركانها تامة كاملة، لا تخفيف فيها كما كانت في حال الخوف إذ قد تصلي ركعة واحد، وقد تصلي إيماء وإشارة فقط وذلك إذا التحم المجاهدون بأعدائهم. وقوله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} تعليل للأمر بإقام الصلاة فأخبر أن الصلاة مفروضة على المؤمنين وأنها موقوتة بأوقات لا تؤدى إلا فيها.
وقوله تعالى في آية(104) {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} أي: لا تضعفوا في طلب العدو لإنزال الهزيمة به.
ولا تتعللوا في عدم طلبهم بأنكم تألمون لجراحتكم {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ} من النصر والمثوبة العظيمة {مَا لا يَرْجُونَ} فأنتم أحق بالصبر والجلد والمطالبة بقتالهم حتى النصر عليهم، وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فيه تشجيع للمؤمنين على مواصلة الجهاد، لأن علمهم بأن الله تعالى عليم بأحوالهم والظروف الملابسة لهم وحكيم في شرعه بالأمر والنهي لهم يطمئنهم على حسن العافية لهم بالنصر على أعدائهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- مشروعية صلاة القصر، وهي رخصة أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله فأصبحت سنة مؤكدة لا ينبغي تركها.
2- مشروعية صلاة الخوف وبيان كيفيتها.
3- تأكد صلاة الجماعة بحيث لا تترك حتى في ساعة الخوف والقتال.
4- استحباب ذكر الله تعالى بعد الصلاة وعلى كل حال من قيام وقعود واضطجاع.
5- ةتقرير فريضة الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها الموقوتة لها.
6- حرمة الوهن والضعف إزاء حرب العدو والاستعانة على قتاله بذكر الله ورجائه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/21/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيات /105/106/107/108/109/
{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً(105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً(106) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً(107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً(108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(109)}
شرح الكلمات:
{بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} : أي: بما علمكه بواسطة الوحي.
{خَصِيماً} : أي: مخاصماً بالغاً في الخصومة مبلغاً عظيماً.
{تُجَادِلْ} : تخاصم.
{يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} : يحاولون خيانة أنفسهم.
{يَسْتَخْفُونَ} : يطلبون إخفاء أنفسهم عن الناس.
{وَهُوَ مَعَهُمْ} : بعلمه تعالى وقدرته.
{يُبَيِّتُونَ} : يدبرون الأمر في خفاء ومكر وخديعة.
{وَكِيلاً} : الوكيل: من ينوب عن آخر في تحقيق غرض من الأغراض.
معنى الآيات:
روي أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق وإخوته (هم ثلاثة أنفار: بشر، وبشير، ومبشر. يقال لهم: بنو أبيرق.)، وكان قد سرق درعاً من دار جارٍ له يقال له قتادة وودعها عند يهودي، يقال له: يزيد بن السمين، ولما اتهم طعمة وخاف هو وإخوته المعرة رموا بها اليهودي، وقالوا هو السارق، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفوا على براءة أخيهم فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بقطع يد اليهودي لشهادة بني أبيرق عليه وإذا بالآيات تنزل ببراءة اليهودي وإدانة طعمة، ولما افتضح طعمة وكان منافقاً أعلن عن ردته وهرب إلى مكة المكرمة ونقب جدار منزل ليسرق فسقط عليه الجدار فمات تحته كافراً..
وهذا تفسير الآيات:
قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} أي: القرآن، أيها الرسول {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} أي: بما أعلمك وعرفك به لا بمجرد رأي رآه غيرك من الخائنين وعاتبه ربه تعالى بقوله: {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} أي: مجادلاً عنهم، فوصم تعالى بني أبيرق بالخيانة، لأنهم خانوا أنفسهم بدفعهم التهمة عنهم بأيمانهم الكاذبة.
{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} من أجل ما هممت به من عقوبة اليهودي، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} فيغفر لك ما هممت به ويرحمك {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} حيث اتهموا اليهودي كذباً وزوراً ، {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} كطعمة بن أبيرق { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} حياء منهم، {وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} ولا يستحيون منه، وهو تعالى معهم في الوقت الذي كانوا يدبرون كيف يخرجون من التهمة بإلصاقها باليهودي البريء، وعزموا أن يحلفوا على براءة أخيهم واتهام اليهودي هذا القول مما لا يرضاه الله تعالى.. وقوله عز وجل: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} فما قام به طعمة من سرقة الدرع ووضعها لدى اليهودي ثم اتهامهم اليهودي، وحلفهم على براءة أخيهم كل ذلك جرى تحت علم الله تعالى، والله به محيط، فسبحانه من إله عظيم.
وقوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ} أي: يا هؤلاء {جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} هذا الخطاب موجه إلى الذين وقفوا إلى جنب بني أبيرق يدفعون عنهم التهمة فعاتبهم الله تعالى بقوله: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ} ، اليوم في هذه الحياة الدنيا لتدفعوا عنهم تهمة السرقة {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} يتولى الدفاع عنهم في يوم لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً والأمر كله لله فتضمنت الآية تقريعاً شديداً لا يقف أحد بعد موقفاً مخزياً كهذا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ورد قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن حجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من نار" .
2- لا يجوز الوقوف إلى جنب الخونة الظالمين نصرة لهم
3- وجوب الاستغفار من الذنب كبيراً كان أو صغيراً.
4- وجوب بغض الخوان الأثيم أياً كان.
5- استحباب الوعظ والتذكير بأحوال يوم القيامة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/24/11/2016/
(تفسير سورة النساء)

الآيات /110/111/112/113/
{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً(110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً(112) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(113)}
شرح الكلمات:
{سُوءاً} : السوء: ما يسيء إلى النفس أو إلى الغير.
{أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} : ظلم النفس: بغشيان الذنوب وارتكاب الخطايا.
{إِثْماً} : الإثم: ما كان ضاراً بالنفس فاسداً.
{بَرِيئاً} : البريء: من لم يجن جناية قد اتهم بها.
{احْتَمَلَ بُهْتَاناً} : تحمل بهتاناً: وهو الكذب المحير لمن رمي به.
{الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} : الكتاب: القرآن والحكمة السنة.
معنى الآيات:
هذا السياق معطوف على سابقه في حادثة طعمة بن أبيرق، وهو يحمل الرحمة الإلهية لأولئك الذين تورطوا في الوقوف إلى جنب الخائن ابن أبيرق فأخبرهم تعالى أن من يعمل سوءاً يؤذي به غيره أو يظلم نفسه بارتكاب ذنب من الذنوب ثم يتوب إلى الله تعالى باستغفاره والإنابة إليه يتب الله تعالى عليه ويقبل توبته وهو معنى قوله تعالى في الآية(110) {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} يغفر له ويرحمه.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً} أي: ذنباً من الذنوب صغيرها وكبيرها {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} إذ هي التي تتدسى به وتؤاخذ بمقتضاه إن لم يغفر لها. ولا يؤاخذ به غيرها وكان الله عليماً، أي: بذنوب عباده حكيماً، أي: في مجازاتهم بذنوبهم فلا يؤاخذ نفساً بغير ما اكتسب ويترك نفساً قد
اكتسبت (112) يخبر تعالى أن من يرتكب خطيئة ضد أحد، أو يكسب إثماً ويرمي به أحداً بريئاً منه قد تحمل تبعة عظيمة قد تصليه نار جهنم وهو معنى قوله: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} .
وفي الآية(113) يواجه الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم ) بالخطاب ممتنا ًعليه بما حباه به من الفضل والرحمة فيقول: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} ، والمراد بالطائفة التي ذكر الله تعالى هم بنو أبيرق أخوة طعمة وقوله: { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ} ، فهو كما قال عز وجل ضلالهم عائد عليهم أما الرسول صلى الله عليه وسلم فلن يضره ذلك وقوله تعالى: { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} امتنان من الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم ) بأنه أنزل عليه القرآن أعظم الكتب وأهداها وعلمه الحكمة وهي ما كشف له من أسرار الكتاب الكريم، وما أوحى إليه من العلوم والمعارف التي كلها نور وهدى مبين، وعلمه من المعارف الربانية ما لم يكن يعلم قبل ذلك وبهذا كان فضله على رسوله(صلى الله عليه وسلم ) عظيماً، فلله الحمد والمنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير مبدأ التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه.
2- عظم ذنب من يكذب على البرآء، ويتهم الأمناء بالخيانة.
3- تأثير الكلام على النفوس حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاد يضلله بنو أبيرق فيبرئ الخائن ويدين البريء إلا أن الله عصمه.
4- عاقبة الظلم عائدة على الظالم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

/24/11/2016/
(تفسير سورة النساء)
الآيتان /114/115/
{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراًعَظِيماً(114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً(115)}
شرح الكلمات:
{نَجْوَاهُمْ} : النجوى: المسارة بالكلام، ونجواهم: أحاديثهم التي يسرها بعضهم إلى بعض.
النجوى: مشتقة من نجوت الشيء، أنجوه، إذا خلصته وأفردته، والنجوى من الأرض ما ارتفع منها دون ما حواليه، ومن ناجى أحداً فقد خلصه وأفرده له. وتسمى الجماعة: نجوى نحو، عدل. قال تعالى: {وإذْ هُم نَجْوى} .
{أَوْ مَعْرُوفٍ} : المعروف: ما عرفه الشرع فأباحه، أو استحبه أو أوجبه.
المعروف لفظ يعم جميع ألفاظ البر، أمر الله تعالى في كتابه فقال: {خُذْ العُفوْ وأمر بالعُرف} أي: المعروف. قال الحطيئة:
{ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} : أي: طلباً لمرضاة الله، أي: للحصول على رضا الله عز وجل.
{نُؤْتِيهِ} : نعطيه والأجر العظيم: الجنة وما فيها من نعيم مقيم.
{يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} : يحاده ويقاطعه ويعاديه, كمن يقف في شق، والآخر في شق.
{ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} : أي: يخرج عن إجماع المسلمين.
{نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} : نخذله فتتركه وما تولاه من الباطل والشر والضلال حتى: يهلك فيه.
ونصله نار جهنم : أي: ندخله النار ونحرقه فيها.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في بني أبيرق ففي الآية الأولى(114) يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين ولا في نجواهم لنفاقهم وسوء طواياهم اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان أو إصلاح بين الناس للإبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين.
ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس طلباً لمرضاة الله تعالى فسوف يثيبه بأحسن الثواب ألا وهو الجنة دار السلام إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى.
أما الثانية(115) فإن الله تعالى يتوعد أمثال طعمة بن أبيرق، فيقول جل ذكره: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} أي: يخالفه ويعاديه {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} أي: من بعد ما عرف أنه رسول الله حقاً جاء بالهدى ودين الحق، ثم هو مع معاداته للرسول يخرج من جماعة المسلمين ويتبع غير سبيلهم هذا الشقي الخاسر {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} أي: نتركه لكفره وضلاله خذلاناً له في الدنيا ثم نصله نار جهنم يحترف فيها، وبئس المصير جهنم يصير إليها المرء ويخلد فيها.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- حرمة تناجي اثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة.
2- الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجماعاً كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين.
3- حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم.
قيل لحكيم ما أعظم المصائب؟ قال: أن تقدر على المعروف فلا تصنعه، حتى يفوت، وقال في هذا المعنى الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون
ورد في إصلاح ذات البين الكثير من الأحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إصلاح ذات البين" رواه الترمذي وصححه وقال: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً" .
هذه الآية هي دليل حرمة الخروج على جماعة المسلمين، روي أن الشافعي طلب دليلاً على صحة الإجماع، فقرئ القرآن مرات حتى عثر على هذه الآية، وقرر أنها دليل الإجماع، وهو كذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏السبت, ‏26 ‏صفر, ‏1438
(تفسير سورة النساء)
الآيات /116/117/118/119/120/121/
{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً(116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً(117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً(118) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً(119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً(120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً(121)}
كلما قرأت هذه الآيات تذكرت شيخنا المرحوم بإذن الله تعالى الشيخ محمد جندل الرفاعي رحمه الله وغفر له ولجميع علمائنا ومشايخنا وشهدائنا وأمواتنا وأموات المسلمين .
كان يشدد على تشديد النون المشددة كثيراً وكلما قرأ أحدٌ منا يقول له: شدد النون وجعلنا نعيد هذه الآيات وكنا حوالي خمسة عشر طالبا .
رحم الله الشيخ أبا منصور الشيخ محمد جندل الرفاعي .
شرح الكلمات:
{أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} : أن يعبد معه غيره من مخلوقاته بأي عبادة كانت.
{إِنْ يَدْعُونَ} : أي: ما يدعون.
{إِلا إِنَاثاً} : جمع أنثى لأن الآلهة مؤنثة، أو أمواتاً لأن الميت يطلق عليه لفظ أنثى بجامع عدم النفع.
{مَرِيداً} : بمعنى ما رد على الشر والإغواء للفساد.
{نَصِيباً مَفْرُوضاً} : حظاً معيناً. أو حصة معلومة.
{فَلَيُبَتِّكُنَّ} : فليقطعن.البتك: القطع، يقال: سيف باتك.
{خَلْقَ اللَّهِ} : مخلوق الله: أي: ما خلقه الله تعالى.
{الشَّيْطَانُ} : الخبيث الماكر الداعي إلى الشر سواء كان جنياً أو إنسياً.
{وَيُمَنِّيهِمْ} : يجعلهم يتمنون كذا وكذا ليلهيهم عن العمل الصالح.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} إخبار منه تعالى عن طعمة بن أبيرق بأنه لا يغفر له وذلك لموته على الشرك، أما إخوته الذين لم يموتوا مشركين فإنَّ أمْرَهم إلى الله تعالى إن شاء غفر لهم وإن شاء آخذهم كسائر مرتكبي الذنوب غير الشرك والفكر.
في هذه الآية رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنب دون الشرك، ويوجبون الخلود في النار لمن مات على كبيرة، قال علي رضي الله عنه: "ما في القرآن أحب إلي من هذه: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} " رواه الترمذي.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} أي: ضل عن طريق النجاة والسعادة ببعده عن الحق بعداً كبيراً وذلك بإشراكه بربه تعالى غيره من مخلوقاته.
وقوله تعالى {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً} هذا بيان لقبح الشرك وسوء حال أهله، فأخبر تعالى أن المشركين ما يعبدون إلا أمواتاً لا يسمعون ولا يبصرون ولا ينطقون ولا يعقلون. إذ أوثانهم ميتة وكل ميت فهو مؤنث زيادة على أن أسماءها مؤنثة كاللات والعزى ومناة ونائلة، كما هم في واقع الأمر يدعون شيطاناً مريداً، إذ هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام فعبدوها فهم إذاً عابدون للشيطان في باطن الأمر لا الأوثان، ولذا قال تعالى: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً} لعنه الله وأبلسه عن إبائه السجود لآدم، {وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} أي: عدداً كبيراً منهم يعبدونني ولا يعبدونك وهم معلومون معروفون بمعصيتهم إياك، وطاعتهم لي. وواصل العدو تبجحه قائلاً: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} يريد عن طريق الهدى {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} يريد أعوقهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة بأنهم لا يلقون عذاباً أو أنه سيغفر لهم. {وَلآمُرَنَّهُمْ} فيطيعوني {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ} أي: ليجعلون لآلهتهم نصيباً مما رزقنهم ويعلمونها بقطع آذانها لتعرف أنها للآلهة؛ كالبحائر والسوائب التي يجعلونها للآلهة، {وَلآمُرَنَّهُمْ} أيضاً فيطيعونني فيغيرون خلق الله بالبدع والشرك، والمعاصي كالوشم والخصي. هذا ما قاله الشيطان ذكره تعالى لنا فله الحمد. ثم قال تعالى {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً} لأن من والى الشيطان عادى الرحمن، ومن عادى الرحمن تم له والله أعظم الخسران يدل على ذلك قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} فيعقوهم عن طلب النجاة والسعادة {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً} إذ هو لا يملك من الأمر شيئاً فكيف يحقق لهم نجاة أو سعادة إذاً؟.
وهذا حكم الله تعالى يعلن في صراحة ووضوح فليسمعوه: {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي: معدلاً أو مهرباً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- سائر الذنوب كبائرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك فلا يغفر لصاحبه.
2- عبدة الأصنام والأوهام والشهوات والأهواء هم في الباطن عبدة الشيطان إذ هو الذي أمرهم فأطاعوه.
3- من مظاهر طاعة الشيطان المعاصي كبيرها وصغيرها إذ هو الذي أمر بها وأطيع فيها.
4- حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع.
أذن الشارع في وسم الماشية، ولكن في غير الوجه، كما أذن وخصي الغنم ضائنًا أو ما عزًا لمصلحة إصلاح لحومها.
أجاز الجمهور خصاء الغنم لفائدة اللحم، وحرموا خصاء غيرها، وخاصة الآدمي، وأجازوا الوسم في غير الوجه للحيوان ليعرف به، وهو كذلك. أما الوشم: فحرام للأحاديث الصحاح فيه.
5- سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأحد, ‏27 ‏صفر, ‏1438
(تفسير سورة النساء)

الآية /122/
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً(122)}
شرح الكلمات:
{آمَنُوا} : صدقوا بالله ورسوله.
وصدقوا بكل ما أخبر الله به ورسوله في شأن الغيب؛ كالملائكة، والبعث، والجزاء في الدار الآخرة.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : الطاعات إذ كل طاعة لله ورسوله هي عمل صالح.
{قِيلاً1} : أي: قولاً.
معنى الآية الكريمة:
لما بين تعالى جزاء الشرك والمشركين عبدة الشيطان بين في هذه الآية جزاء التوحيد والموحدين عبيد الرحمن عز وجل، وأنه تعالى سيدخلهم بعد موتهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وأن خلودهم مقدر فيها بإذن الله ربهم فلا يخرجون منها أبداً وعدهم ربهم بهذا وعد الصدق، وليس هناك من هو أصدق وعداً ولا قولاً من الله تعالى.
هذا من منهج القرآن الخاص به، وهو الجمع بين الترهيب والترغيب؛ لأنه كتاب هداية وتربية فلذا يجمع بين الوعد والوعيد، وذكر الشيء وضده.
هداية الآية
من هداية الآية:
1- الإيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب دخولها.
2- صدق وعد الله تعالى، وصدق قوله عز وجل.
3- وجوب صدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث: "وإذا واعد أخلف" .
4- وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الإثنين, ‏28 ‏صفر, ‏1438
(تفسير سورة النساء)
الآيات /123/124/125/126/
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً(123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً(124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً(125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً(126)}
شرح الكلمات:
{بِأَمَانِيِّكُمْ} : جمع أمنية: وهي ما يقدره المرء في نفسه ويشتهيه مما يتعذر غالباً تحقيقه.
{أَهْلِ الْكِتَابِ} : اليهود والنصارى.
{سُوءاً} : كل ما يسيء من الذنوب والخطايا.
{وَلِيّاً} : يتولى أمره فيدفع عنه المكروه.
{نَقِيراً} : النقير: نقرة في ظهر النواة.
{مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} : عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه الله تعالى.
{خَلِيلاً} : الخليل: المحب الذي تخلل حبه مسالك النفس فهو أكبر من الحبيب.
وقد شرف بالخلة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم خطبهم أخر خطبة، فقال: "أما بعد أيها الناس: فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذت أبا بكر ابن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله" .
{مُحِيطاً} : علماً وقدرة إذ الكون كله تحت قهره ومدار بقدرته وعلمه.
معنى الآيات:
روي أن هذه الآية نزلت لما تلاحى مسلم ويهودي وتفاخرا، فزعم اليهودي أن نبيهم وكتابهم ودينهم وجد قبل كتاب ونبي المسلمين ودينهم فهم أفضل، ورد عليه المسلم بما هو الحق فحكم الله تعالى بينهما بقوله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} أيها المسلمون {وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} من يهود ونصارى، أي: ليس الأمر والشأن بالأماني العذاب، وإنما الأمر والشأن في هذه القضية أنه سنة الله تعالى في تأثير الكسب الإرادي على النفس بالتزكية أو التدسية فمن عمل سوءاً من الشرك والمعاصي، كمن عمل صالحاً من التوحيد والطاعات يجز بحسبه، فالسوء يخبث النفس فيحرمها من مجاورة الأبرار والتوحيد والعمل الصالح يزكيها فيؤهلها لمجاورة الأبرار، ويبعدها عن مجاورة الفجار.
وقوله تعالى: {وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} لأن سنن الله؛ كأحكامه لا يقدر أحد على تغييرها أو تبديلها بل تمضي كما هي فلا ينفع صاحب السوء أحد، ولا يضر صاحب الحسنات آخر.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً} فإنه تقرير لسنته تعالى في تأثير الكسب على النفس والجزاء بحسب حال النفس زكاة وطهراً وتدسية وخبثاً، فإنه من يعمل الصالحات وهو مؤمن تطهر نفسه ذكراً كان أو أنثى ويتأهل بذلك لدخول الجنة، ولا يظلم مقدار نقير فضلاً عما هو أكثر وأكبر.
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} إشادة منه تعالى وتفضيل للدين الإسلامي على سائر الأديان فهو قائم على أساس إسلام الوجه لله وكل الجوارح تابعة له تدور في فلك طاعة الله تعالى مع الإحسان الكامل، وهو إتقان العبادة وأداؤها على نحو ما شرعها الله تعالى واتباع ملة إبراهيم بعبادة الله تعالى وحده والكفر بما سواه من سائر الآلهة.
وقوله {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} فيه زيادة تقرير فضل الإسلام الذي هو دين إبراهيم الذي اتخذه ربه خليلاً وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً} زيادة على أنه إخبار بسعة ملك الله تعالى وسعة علمه وقدرته وفضله فإنه رفع لما قد يتوهم من خلة إبراهيم أن الله تعالى مفتقر إلى إبراهيم أو له حاجة إليه، فأخبر تعالى أن له ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً، وإبراهيم في جملة ذلك فكيف يفتقر إليه أو يحتاج إلى مثله وهو رب كل شيء وملكه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإحسان.
2- الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ}.
أفادت هذه الآية حكماً عظيمًا، وهو أنه: لا يصح عمل بدونه أبدًا. وهو الإخلاص والمتابعة، وهو أن يكون العمل خالصًا لله، وأن يكون صوابًا، أي: وفق ما شرع الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
3- فضل الإسلام على سائر الأديان.
4- شرف إبراهيم عليه السلام باتخاذه ربه خليلاً.
5- غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه عز وجل.
روي أيضاً عن قتادة أنه قال: تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم. وقال المؤمنون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على سائر الكتب. فنزلت، ولا تعارض بين الرأيين.
هذه الآية عامة في الكافر والمؤمن، ويؤكد عمومها رواية مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت وبلغت من المسلمين مبلغًا، قال: "قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها" ، ويفسرها لنا أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أحمد لأبي بكر، وقد قال لما نزلت كيف الفلاح يا رسول الله، بعد هذه الآية؟ فكل سوء عملناه جزينا به. "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟" قال: بلى. قال: "فهو مما تجزون" .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الثلاثاء, ‏29 ‏صفر, ‏1438
(تفسير سورة النساء)
الآيات /127/128/129/130/
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً(127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً(129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً(130)}
شرح الكلمات:
{وَيَسْتَفْتُونَكَ} : يطلبون منك الفتيا في شأن النساء وميراثهن.
روى أشهب عن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي.
{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} : يقرأ عليكم في القرآن.
{مَا كُتِبَ لَهُنَّ} : ما فرض لهن من المهور والميراث.
{بِالْقِسْطِ} : بالعدل.
{نُشُوزاً} : ترفعاً وعدم طاعة.
{وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ} : جلبت النفوس على الشح فلا يفارقها أبداً.
{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} : فتركتوها كالمعلقة ما هي بالمزوجة ولا المطلقة.
{مِنْ سَعَتِهِ} : من رزقه الواسع.
{وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} : واسع الفضل حكيماً يعطي فضله حسب علمه وحكمته.
معنى الآيات:
هذه الآيات الأربع كل آية منها تحمل حكماً شرعياً خاصاً .
فالأولى(127) نزلت إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب حول حقوق النساء ما لهن وما عليهن لأن العرف الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال من الميراث بالمر، وكان اليتامى لا يراعى لهم جانب ولا يحفظ لهم حق كامل، فلذا نزلت الآيات الأولى من هذه السورة وقررت حق المرأة والطفل في الإرث وحضت على المحافظة على مال اليتيم وكثرت التساؤلات لعل قرآناً ينزل إجابة لهم حيث اضطربت نفوسهم لما نزل فنزلت هذه الآية الكريمة تردهم إلى ما في أول السورة وأنه الحكم النهائي في القضية فلا مراجعة بعد هذه، فقال تعالى وهو يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ } أي: وما زالوا يستفتونك في النساء، أي: في شأن مالهن وما عليهن من حقوق؛ كالإرث والمهر وما إلى ذلك.
قل لهم أيها الرسول {اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} وقد أفتاكم فيهن وبين لكم مالهن وما عليهن. وقوله تعالى: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء في أول السورة كافٍ لا تحتاجون معه إلى من يفتيكم أيضاً، إذ بين لكم أن من كانت تحته يتيمة دميمة لا يرغب في نكاحها فليعطها مالها وليزوجها غيره وليتزوج هو من شاء، ولا يحل له أن يحبسها في بيته لأجل مالها، وإن كانت جميلة وأراد أن يتزوجها فليعطها مهر مثيلاتها ولا يبخسها حقها من مهرها شيئاً.
وقوله: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} أي: وقد أفتاكم بما يتلى عليكم من الآيات في أول السورة في المستضعفين من الولدان حيث قد أعطاهم حقهم وافياً في آية {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} الآية.
فلم هذه المراجعات والاستفتاءات؟
وقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} أي: وما تلى عليكم في أول السورة كان آمراً إياكم بالقسط لليتامى والعدل في أموالهم فارجعوا إليه في قوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} .
وقوله تعالى في ختام الآية {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} حث لهم على فعل الخير بالإحسان إلى الضعيفين المرأة واليتيم زيادة على توفيتهما حقوقهما وعدم المساس بها. هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: {وَيَسْتَفْتُونَكَ...} إلخ.
أما الآية الثانية(128) {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً}روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} ، قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول له: أجعلك من شأني في حل. فنزلت هذه الآية. كما روي أن الآية نزلت في سودة أم المؤمنين لما أسنت، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلقها فآثرت الكون معه. فقالت له: امسكني واجعل يومي لعائشة. ففعل صلى الله عليه وسلم، وماتت وهي من أزواجه. رواه الترمذي. قالوا في الفرق بين النشوز والإعراض: أن النشوز هو: التباعد عنها. وأن الإعراض: أن لا يكلمها ولا يأنس بها.
أما الآية الثانية(128) {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} فقد تضمنت حكماً عادلاً رحيماً وإرشاداً ربانياً سديداً وهو أن الزوجة إذا توقعت من زوجها نشوزاً، أي: ترفعاً أو إعراضاً عنها، وذلك لكبر سنها أو لقلة جمالها، وقد تزوج غيرها في هذا الحال في الإمكان أن تجري مع زوجها صلحاً يحفظ لها بقاءها في بيتها عزيزة محترمة فتتنازل له عن بعض حقها في الفراش وعن بعض ما كان واجباً لها وهذا خير لها من الفراق.
ولذا قال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} وقوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ} يريد أن الشح ملازم للنفس البشرية لا يفارقها والمرأة كالرجل في هذا إلا أن المرأة أضمن وأشح بنصيبها في الفراش وبباقي حقها من زوجها. إذاً فليراع الزوج هذا، ولذا قال تعالى: { وَإِنْ تُحْسِنُوا} أيها الأزواج إلى نسائكم {وَتَتَّقُوا} الله تعالى فيهن فلا تحرمون مالهن من حق في الفراش وغيره فإن الله تعالى يجزيكم بالإحسان إحساناً وبالخير خيراً فإنه تعالى {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} هذا ما دلت عليه الآية(128).
وأما الآية الثالثة(129) وهي قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} فقد تضمنت حقيقة كبرى وهي عجز الزوج عن العدل بين زوجاته اللائي في عصمته، فمهما حرص على العدل وتوخاه فإنه لن يصل إلى منتهاه أبداً، والمراد بالعدل هنا في الحب والجماع. أما في القسمة والكساء والغذاء والعشرة بالمعروف فهذا مستطاع له، ولما علم تعالى هذا من عبده رخص له في ذلك ولم يؤاخذه بميلة النفس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه غيره. والمراد بقوله: "فيما تملك ولا أملك". القلب؛ لأن القلوب بيد الله يقبلها كيف يشاء.
والمحرم على الزوج هو الميل الكامل إلى إحدى زوجاته عن باقيهن، لأن ذلك يؤدي أن تبقى المؤمنة في وضع لا هي متزوجة تتمنع بالحقوق الزوجية ولا هي مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه، وهذا معنى قوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} .
وقوله تعالى: {وَإِنْ تُصْلِحُوا} أي: أيها الأزواج في أعمالكم وفي القسم بين زوجاتكم وتتقوا الله تعالى في ذلك فلا تميلوا كل الميل، ولا تجوروا فيما تطيقون العدل فيه فإنه تعالى يغفر لكم ما عجزتم عن القيام به لضعفكم ويرحمكم في دنياكم وأخراكم لأن الله تعالى كان وما زال عفواً للتائبين رحيما ًبالمؤمنين.هذا ما دلت عليه الآية الثالثة.
أما الآية الرابعة(130) وهي قوله تعالى: { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} فإن الله تعالى يعد الزوجين الذين لم يوفقا للإصلاح بينهما لشح كل منهما بماله وعدم التنازل عن شيء من ذلك يعدهما ربهما إن هم تفرقا بالمعروف أن يغني كلا من سعته، وهو الواسع الحكيم.
فالمرأة يرزقها زوجاً خيراً من زوجها الذي فارقته، والرجل يرزقه كذلك امرأة خيراً ممن فارقها لتعذر الصلح بينهما.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها.
2- استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به.
3- تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش، والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف.
ورد في ذنب الميل إلى إحدى الزوجات وعيد شديد، وذلك فيما رواه أحمد وأصحاب السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت له امرأتان فمال إحداهما جاء يوم القيامة وإحدى شقيه ساقط" .
4- الترغيب في الإصلاح والتقوى وفعل الخيرات.
5- الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإصلاح والتقوى أعقبت خيراً عاجلاً آجلاً.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الأربعاء, ‏01 ‏ربيع الأول, ‏1438
(تفسير سورة النساء)
الآيات /131/132/133/134/
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً(131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً(133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً(134)}
إن قيل ما وجه تكرار جملة: {لله مَا في السمَواتْ ومَا في الأرض} ثلاث مرات؟ فالجواب: أنه تعالى لما ذكر أن الزوجين إذا تفرقا بعد مصالحة، وعلى تقوى يغنيهما الله, برهن على ذلك بأن له ما في السموات وما في الأرض، ومن كان كذلك قهو قادر على إغنائهما، ولما وصى عباده بتقواه وهي طاعته بفعل الأمر وترك النهي، أعلم أنه قادر على عقوبة من عصاه، وأنه لم يوص بالتقوى لحاجة به ، إنه يملك ما في السموات وما في الأرض، ومن كان كذلك فلا حاجة به إلى أحد، ولما ذكر غناه وحمده دلل عليهما بأن له ما في السموات ما في الأرض وأنه الحفيظ لعباده المدبر لهم.
شرح الكلمات:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} : أي: خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً.
{وَصَّيْنَا} : عهدنا إليهم بذلك أي: التقوى.
{أُوتُوا الْكِتَابَ} : اليهود والنصارى.
الوكيل : من يفوض إليه الأمر كله ويقوم بتدبيره على أحسن الوجوه.
{ثَوَابُ الدُّنْيَا} : جزاء العمل لها.
ثواب الآخرة : جزاء العمل لها، وهو الجنة.
{سَمِيعاً بَصِيراً} : سمعياً: لأقوال العباد بصيراً: بأعمالهم وسيجزيهم بها خيراً أو شراً.
معنى الآيتين:
لما وعد تبارك وتعالى كلا من الزوجين المتفرقين بالإغناء عن صاحبه ذكر أنه يملك ما في السموات وما في الأرض، ولذا فهو قادر على إغنائهما لسعة ملكه وعظيم فضله، ثم واجه بالخطاب الكريم الأمة جمعاً ومن بينها بني أبيرق فقال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يريد من اليهود والنصارى وغيرهم أوصاهم بتقواه عز وجل فلا يقدموا على مشاقته ولا يخرجوا عن طاعته بترك ما أوجب أو بفعل ما حرم، ثم أعلمهم أنهم وإن كفروا كما كفر طعمة وارتد فإن ذلك غير ضائره شيئاً، لأنه ذو الغنى والحمد، وكيف وله جميع ما في السموات وما في الأرض من كائنات ومخلوقات وهو ربها ومالكها والمتصرف فيها.
هذا ما تضمنته الآية الأولى(131).
أما الآية الثانية(132) فقد كرر تعالى فيها الإعلان عن استحقاقه الحمد والغنى، وذلك لملكه جميع ما في السموات وما في الأرض ولقيوميته عليهما، وكفى به تعالى حافظاً ووكيلاً.
وفي الآية الثالثة(133) يخبر تعالى أنه قادر على إذهاب كافة الجنس البشري واستبداله بغيره وهو على كل ذلك قدير، فقال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} وذلك لعظيم قدرته وكفاية وكالته.
الآية تحمل تخويفاً إيما تخويف لكل من يقصر في واجبه من أمير، ومأمور، وعالم، وجاهل، وغني، وفقير، إذ لكل واجبات يجب أن يقوم بها كل بحسب ما طولب به وفرض عليه. فالأمير عليه العدل، والعالم أن يعلم، والجاهل أن يتعلم، وهكذا.
وفي الآية الرابعة والأخيرة في هذا السياق(134) يقول تعالى مرغباً عباده فيما عنده من خير الدنيا والآخرة من كان يريد بعمله ثواب الدنيا {فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} فلم يقصر العبد عمله على ثواب الدنيا؟
وهو يعلم أن ثواب الآخرة عند الله أيضاً، فليطلب الثوابين معاً من الله تعالى، وذلك بالإيمان والتقوى والإحسان، وسيجزيه تعالى بعمله ولا ينقصه له وذلك لعلمه تعالى وقدرته.
في هذه الآية إرشاد عظيم للعباد، لقد علم تعالى أن الإنسان بحكم وجوده في هذه الحياة ورغبته في السعادة فيها، هو يعمل لها جهده غافلاً عن الحياة الآخرة التي هي أعظم لبقاءها وكبر شأنها، فلفت نظره إليها معلمًا إياه أنه لديه تعالى ثواب كل من الحياتين، فليطلب ذلك منه بالإيمان به، وطاعته كما طلب الدنيا بالأعمال الموصلة إلى تحقيق السعادة فيها، وفوق ذلك أن ثواب العملين بديه تعالى لا بيد غيره.
{وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} ، ومن كان كذلك فلا يخاف معه ضياع الأعمال.
هذا التذييل يربي ملكة مراقبة الله تعالى، إذ من علم أن الله سميع لأقواله عليم بأعماله. راقبه واتقاه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات.
2- غنى الله تعالى عن سائر خلقه.
3- قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإتيان بغيرهم.
4- وجوب الإخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير من سورة النساء من الآية /101/ الى /135/
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: