الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير من سورة النساء من الآية /135/ الى أخر السورة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 579
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير من سورة النساء من الآية /135/ الى أخر السورة   الثلاثاء ديسمبر 27, 2016 10:17 pm

(تفسير سورة النساء)

الايات /135/136/137/
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً(135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً(136) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً(137)}
شرح الكلمات:
{قَوَّامِينَ} : جمع قوام: وهو كثير القيام بالعدل.
{بِالْقِسْطِ} : بالعدل وهو الاستقامة والتسوية بين الخصوم.
{شُهَدَاءَ} : جمع شهيد: بمعنى شاهد.
القاعدة العامة منذ عهد بعيد: أن القريب لا يشهد لقريبه، ولكن يشهد عليه. فلا يشهد الأب لابنه، ولا الابن لأبيه، لوجود تهمة المحاباة للقرابة، وكذا لا يجوز شهادة على عدوه، وهذا مذهب عامة الفقهاء، وحتى الخادم في البيت لا يجوز شهادته لأهل البيت، إذ قد يحابيهم لمنفعته.
{الْهَوَى} : ميل النفس إلى الشيء ورغبتها فيه.
{تَلْوُوا} : أي: ألسنتكم باللفظ تحريفاً له حتى لا تتم الشهادة على وجهها.
{تُعْرِضُوا} : تتركوا الشهادة أو بعض كلماتها ليبطل الحكم.
معنى الآيات:
قوله تعالى في هذه الآية(135): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل {شُهَدَاءَ لِلَّهِ} إذ بشهادتكم ينتقل الحق من شخص إلى آخر حيث أقامكم الله ربكم شهداء له في الأرض تؤدى بواسطتكم الحقوق إلى أهلها، وبناءً على هذا فأقيموا الشهادة لله ولو شهادتكم على أنفسكم أو والديكم أو أقرب الناس إليكم وسواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا يحملنكم غنى الغنى ولا فقر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها، فالله تعالى ربهمها أولى بهما وهو يعطي ويمنع بشهادتكم فأقيموها وحسبكم ذلك واعلموا أنكم إن تلووا ألسنتكم بالشهادة تحريفاً لها وخروجاً بها عن أداء ما يترتب عليها أو تعرضوا عنها فتتركوها أو تتركوا بعض كلماتها فيفسد معناها ويبطل مفعولها فإنَّ الله بعملكم ذلك وبغيره خبير وسوف يجزيكم به فيعاقبكم في الدنيا أو في الآخرة ألا فاحذروا.
هذه الآية الكريمة يدخل فيها دخولاً أولياً من شهدوا لأبناء أبيرق بالإسلام والصلاح كما هي خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة وهي أعظم آية في هذا الباب فليتق الله المؤمنون في شهاداتهم.
أما الآية الثانية(136): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ} فهي في خطاب أهل الكتاب خاصة وفي سائر المؤمنين عامة، فالمؤمنون تدعوهم إلى تقوية إيمانهم ليبلغوا فيه مستوى اليقين، أما أهل الكتاب فهي دعوة لهم للإيمان الصحيح، لأن إيمانهم الذي هم عليه غير سليم، فلذا دعوا إلى الإيمان الصحيح فقيل لهم: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم{وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} وهو القرآن الكريم، {وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} وهو التوراة والإنجيل، لأن اليهود لا يؤمنون بالإنجيل، ثم أخبرهم محذراً لهم أن {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ} طريق الهدى والسعادة {ضَلالا بَعِيداً} لا ترجى هدايته، وعليه فسوف يهلك ويخسر خسراناً أبدياً.
ثم أخبرهم تعالى في الآية بعد هذه(137) مقرراً الحكم بالخسران الذي تضمنته الآية قبلها فقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه وبما جاء به {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ} أي: لم يكن في سنة الله أن يغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً ينجون به ويسعدون فيه ألا فليحذر اليهود والنصارى هذا وليذكروه، وإلا فالخلود في نار جهنم لازم لهم ولا يهلك على الله إلا هالك.
في هذه الآية: أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، وإذا ارتد يؤاخذ بكفره الأول والأخير سواء. وشاهده حديث مسلم: إذ قال أناس: يا رسول الله أتأخذنا بما عملنا في الجاهلية. قال: "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء -كفر- أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام " . وفي رواية: "ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخير"
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب العدل في القضاء والشهادة.
2- حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه.
شاهده من السنة قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" قلنا بلى يا رسول الله. قال: "الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، وقال: "ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور" وما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
3- وجوب الاستمرار على الإيمان وتقويته حتى الموت عليه.
4- بيان أركان الإيمان وهي الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.وبقي ركن: وهو القضاء والقدر، جاء ذكره في قوله تعالى من سورة القمر : {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .
5- المرتد يستتاب ثلاثة أيام وإلا قتل كفراً أخذاً من قوله: {ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الجمعة, ‏03 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /138/139/140/141/
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً(138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً(139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً(140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً(141)}
شرح الكلمات:
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} : البشارة: الخير الذي تتأثر به بشرة من يلقى عليه خيراً كان أو شراً.
والمنافق: من يبطن الكفر ويظهر الإيمان تقية ليحفظ دمه وماله.
{أَوْلِيَاءَ} : يوالونهم محبة ونصرة لهم على المؤمنين.
{الْعِزَّةَ} : الغلبة والمنعة.
{وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} : يذكونها استخفافاً بها وإنكاراً وجحوداً لها.
{يَخُوضُوا} : يتكلموا في موضوع آخر من موضوعات الكلام.
{مِثْلُهُمْ} : أي: في الكفر والإثم.
{يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} : ينتظرون متى يحصل لكم انهزام أو إنكسار: فيعلنون عن كفرهم.
{نَصِيبٌ} : أي: من النصر وعبر عنه بالنصيب القليل لأن انتصارهم على المؤمنين نادر.
{نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} : أي: نستول عليكم ونمنعكم من المؤمنين إن قاتلوكم.
{سَبِيلاً} : أي: طريقاً إلى إذلالهم واستعبادهم والتسلط عليهم.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة؛ لأن المخبر به يسوء وجوههم وهو العذاب الأليم، وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوأ العذاب وأشده، وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم، ثم وصفهم تعالى بأخس صفاتهم وشرها فقال:
{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} فيعطون محبتهم ونصرتهم وولاءهم للكافرين ويمنعون ذلك المؤمنين وذلك لأن قلوبهم كافرة آثمة لم يدخلها إيمان ولم يُنرها عمل الإسلام، ثم وبخهم تعالى ناعياً عليهم جهلهم فقال: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} أي: يطلبون العزة، أي: المنعة والغلبة من الكافرين أجهلوا أم عموا فلم يعرفوا أن {الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} فمن أعزه الله عز ومن أذله ذل، والعزة تطلب الإيمان وصالح الأعمال لا بالكفر والشر والفساد. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى(138) والثانية(139).
أما الآية الرابعة(140) فإن الله تعالى يؤدب المؤمنين فيذكرهم بما أنزل عليهم في سورة الأنعام حيث نهاهم عن مجالسة أهل الباطل إذا خاضوا في الطعن في آيات الله ودينه فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} هذا الأدب أخذ الله تعالى به رسوله والمؤمنين، وهم في مكة قبل الهجرة لأن سورة الأنعام مكية ولما هاجروا إلى المدينة، وبدأ النفاق وأصبح للمنافقين مجالس خاصة ينتقدون فيها المؤمنين ويخوضون فيها في آيات الله تعالى استهزاء وسخرية ذكر الله تعالى المؤمنين بما أنزل عليهم في مكة فقال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً} أي: إذا رضيتم بالجلوس معهم، وهم يخوضون في آيات الله {مِثْلُهُمْ} في الإثم والجريمة، والجزاء أيضاً، {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} فهل ترضون أن تكونوا معهم في جهنم، وإن قلتم لا إذا فلا تجالسوهم.
ثم ذكر تعالى وصفاً آخر للمنافقين يحمل التنفير منهم والكراهية والبغض لهم فقال: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أي: ينتظرون بكم الدوائر ويتحينون الفرص {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} أي: نصر وغنيمة قالوا: {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} فأشركونا في الغنيمة، {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} في النصر، قالوا لهم: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي: نستول عليكم {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أن يقاتلوكم، فأعطونا مما غنمتم.
وهكذا المنافقون يمسكون العصا من الوسط، فأي جانب غلب كانوا معه. ألا لعنة الله على المنافقين وما على المؤمنين إلا الصبر لأن مشكلة المنافقين عويصة الحل، فالله يحكم بينهم يوم القيامة.
أما الكافرون الظاهرون فلن يجعل الله تعالى لهم على المؤمنين سبيلاً لا لاستئصالهم وإبادتهم، ولا لاذلالهم والتسلط عليهم ما داموا مؤمنين صادقين في إيمانهم.
وهذا ما ختم الله تعالى به الآية الكريمة إذ قال: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
2- الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل، فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإيمان واتباع منهجه.
3- حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية.
4- الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإثم إثم.
5- تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه فيستأصلونهم، أو يذلونهم ويتحكمون فيهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏السبت, ‏04 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيتان /142/123/
{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً(142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً(143)}
شرح الكلمات:
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ} : بإظهارهم ما يحب وهو الإيمان والطاعات، وإخفائهم الكفر والمعاصي.
{وَهُوَ خَادِعُهُمْ} : بالستر عليهم وعدم فضيحتهم، وبعدم إنزال العقوبة بهم.
{يُرَاؤُونَ} : أي: يظهرون الطاعات للمؤمنين كأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.
{مُذَبْذَبِينَ} : أي: يترددون بين المؤمنين والكافرين فأي جانب عز كانوا معه.
معنى الآيتين:
يخبر تعالى أن المنافقين في سلوكهم الخاص يخادعون الله تعالى بإظهارهم الإيمان به وبرسوله وهم غير مؤمنين إذ الخداع أن تري من تخادعه ما يحبه منك وتستر عليه ما يكرهه والله تعالى عاملهم بالمثل فهو تعالى أراهم ما يحبونه وستر عليهم ما يكرهونه منه وهو العذاب المعد لهم عاجلاً أو آجلاً، كما أخبر تعالى إذا قاموا إلى أداء الصلاة قاموا كسالى متباطئين؛ لأنهم لا يؤمنون بالثواب الأخروي، فلذا هم يراءون بالأعمال الصالحة المؤمنين حتى لا يتهمونهم بالكفر، كما أنهم لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً قليلاً في الصلاة3 وخارج الصلاة، وذلك لعدم إيمانهم بالله تعالى وعدم حبهم له كما أخبر عنهم بأنهم مذبذبون بين الكفر والإيمان والمؤمنين والكافرين فلا إلى الإيمان والمؤمنين يسكنون، ولا إلى الكفر والمنافقين يسكنون فهم في تردد وحسرة دائمون، وهذه حال من يضله الله فإن من يضلل الله لا يوجد لهدايته سبيل.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- بيان صفات المنافقين.
2- قبح الرياء وذم المرائين.
3- ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإكثار منه في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} .
4- ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الأحد, ‏05 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات/144/145/146/147/
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً(144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا(145) إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً(146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً(147)}
شرح الكلمات:
{سُلْطَاناً مُبِيناً} : حجة واضحة لتعذيبكم.
{الدَّرْكِ الأَسْفَلِ} : الدرك: كالطابق، والدركة كالدرجة.
{وَأَصْلَحُوا} : ما كانوا قد أفسدوه من العقائد والأعمال.
{وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} : تمسكوا بدينه وتوكلوا عليه.
{وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} : تخلوا عن النفاق والشرك.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في إرشاد الله تعالى المؤمنين إلى ما يعزهم ويكملهم ويسعدهم ففي هذه الآية(144) يناديهم تعالى بعنوان الإيمان، وهو الروح الذي به الحياة وينهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ومعنى اتخاذهم أولياء موادتهم ومناصرتهم والثقة فيهم والركون إليهم والتعاون معهم، ولما كان الأمر ذا خطورة كاملة عليهم هددهم تعالى بقوله: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} فيتخلى عنكم ويسلط عليكم أعداءه الكافرين فيستأصلوكم، أو يقهروكم ويستذلوكم ويتحكموا فيكم. ثم حذرهم من النفاق أن يتسرب إلى قلوبهم فأسمعهم حكمه العادل في المنافقين الذين هم رؤوس الفتنة بينهم فقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، فأسفل طبقة في جهنم هي مأوى المنافقين يوم القيامة، ولن يوجد لهم ولي ولا نصير أبداً .
الدرك بالإسكان والفتح، والنار سبع دركات، يقال فيمن تعالى وارتفع: درجة، وفيما سفل ونزل: دركة. والدركات: هي كالتالي: جهنم، ثم لظي، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد تسمى جميعها باسم الطبقة الأولى: جهنم.
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، وقال في أصحاب المائدة: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} ، وقال في آل فرعون: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}.
ثم رحمة بعباده تبارك وتعالى يفتح باب التوبة للمنافقين على مصراعيه وبقوله لهم: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} إلى ربهم فآمنوا به وبرسوله حق الإيمان {وَأَصْلَحُوا} أعمالهم {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} ونفضوا أيديهم من أيدي الكافرين، {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} فلم يبقوا يراءون أحداً بأعمالهم. فأولئك الذين ارتفعوا إلى هذا المستوى من الكمال هم مع المؤمنين جزاؤهم واحد، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً وهو كرامة الدنيا وسعادة الآخرة.
وأخيراً في الآية(147) يقرر تعالى غناه عن خلقه وتنزهه عن الرغبة في حب الانتقام فإن عبده مهما جنى وأساء، وكفر وظلم إذا تاب وأصلح فآمن وشكر. لا يعذبه أدنى عذاب إذا لا حاجة إلى تعذيب عباده فقال عز وجل هو يخاطب عباده {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} لا يضيع المعروف عنده. لقد شكر لبغي سفيهاً كلباً عطشان فغفر لها وأدخلها الجنة.
هذا مقتبس من حديث الصحيحين، ونصه: روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له" والشاهد في فضل الشكر والإيمان.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
2- إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف.
3- التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه.
4- لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان الإنسان.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الإثنين, ‏06 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيتان 148/149/
الجزء السادس
{لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً(148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً(149)}
شرح الكلمات:
{بِالسُّوءِ} : ما يسوء إلى من قيل فيه أو فعل به.
كالسب والشتم والغيبة والنميمة، والدعاء بالشر، وألفاظ البذاءة وكلمات الفحش.
{سَمِيعاً عَلِيماً} : سميعاً للأقوال عليماً بالأعمال.
{إِنْ تُبْدُوا} : تظهروا ولا تخفوا.
{تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} : أي: لا تؤاخذوا به.
معنى الآيتين:
يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء، ولازم هذا أن عباده المؤمنين يجب أن يكرهوا ما يكره ربهم ويحبوا ما يحب وهذا شرط الولاية وهي الموافقة وعدم المخالفة، ولما حرم تعالى على عباده الجهر بالسوء بأبلغ عبارة وأجمل أسلوب، استثنى المظلوم فإن له أن يجهر بمظلمته لدى الحاكم ليرفع عنه الظلم فقال تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ -"وما زال"- سَمِيعاً عَلِيماً} ألا فَلْيُتق فلا يُعصى بفعلِ السوءِ ولا بقولِهِ.
روى ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً استضاف قومًا، فلم يضيفوه، أي: طلب منهم أن يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه، فنزلت هذه الآية: { لا يُحِبُّ...} إلخ.
ودلت على إن إطعام الضيف وإيواءه ليلة واجب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليلة الضيف واجبة". رواه أحمد.
ثم انتدب عباده المؤمنين إلى فعل الخير في السر أو العلن، وإلى العفو عن صاحب السوء فقال: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} فسيكسب فاعل الخير خيراً أبداه أو أخفاه وسيعفو عن صاحب العفو حينما تزل قدمه فيجني بيده أو بلسانه ما يستوجب به المؤاخذة فيشكر الله تعالى له عفوه السابق فيعفو عنه {كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير.
في الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم ممن ظلمه، وجواز رد الشتم والسب بمثله إلا أن ترك ذلك أفضل.
2- استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر.
شاهده من السنة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه" .
3- استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الثلاثاء, ‏07 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /150/151/152/
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً(151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(152)}
شرح الكلمات:
المناسبة بين هذه الآيات وما سبقها ينظر إليها من حيث أن القرآن كتاب هداية للبشرية، فلذا لما ذكر حال المنافقين مبيناً لهم طريق توبتهم إن أرادوا ذلك ذكر بعض بيان حكم حرمة النطق بالسوء سرًا وجهرًا إلا ما رخص فيه ذكر حال اليهود والنصارى مبينًا كفرهم، وما أعد لهم من العذاب إن أصروا على كفرهم وضلالهم.
{وَرُسُلِهِ} : الرسل: جمع رسول وهم جم غفير، قيل: عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً.
جاء ذكر هذا العدد في حديث أبي ذر الغفاري، إذ قال فيه: "قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء، وكم كانوا المرسلون؟ قال: كانت الأنبياء مائة ألف نبي، وأربعة وعشرون ألف نبي. وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر". والحديث ضعيف. ولما لم يوجد غيره قال به أهل العلم قديمًا وحديثًا.
{سَبِيلاً} : أي: طريقاً بين الكفر والإيمان، وليس ثم إلا طريق واحد وهو الإيمان أو الكفر فمن آمن بكل الرسل فهو المؤمن، ومن آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو الكافر كمن لم يؤمن بأحد منهم.
{وَلَمْ يُفَرِّقُوا} : كما فرق اليهود فأمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكما فرق النصارى آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم لذلك كفار.
{أُجُورَهُمْ} : أجر إيمانهم برسل الله وعملهم الصالح، وهو الجنة دار النعيم.
معنى الآيات:
يخبر تعالى مقرراً حكمه على اليهود والنصارى بالكفر الحق الذي لا مرية فيه، فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ} أي: بين الكفر بالبعض والإيمان بالبعض سبيلاً، أي: طريقاً يتوصلون به إلى مذهب باطل فاسد وهو التخير بين رسل الله فمن شاءوا الإيمان به آمنوا، ومن لم يشاءوا الإيمان به كفروا به ولم يؤمنوا وبهذا كفروا كفراً لا ريب فيه، ولهم بذلك العذاب المهين الذي يهانون به ويذلون جزاء كبريائهم وسوء فعالهم، قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} فسجل عليهم الكفر ثلاث مرات: فالمرة الأولى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .
والثانية: بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} .
والثالثة، بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} حيث لم يقل واعتدنا لهم فأظهر في موضع الإضمار لتسجيل الكفر عليهم وللإشارة إلى علة الحكم، وهي الكفر.
هذا ما تضمنته الآية الأولى(151).
أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} فإنها مقابلة في ألفاظها ومدلولها للآية قبلها،
فالأولى تضمنت الحكم بالكفر على اليهود والنصارى، وبالعذاب المهين لهم.
والثانية تضمنت الحكم بإيمان المسلمين بالنعيم المقيم لهم وهو ما وعدهم به ربهم بقوله: لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه .{أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقيدتهم وبطلان أعمالهم.
2- كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به.
3- بطلان إيمان من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض.
وسائر الأديان؛ كالمجوسية والصابئة وغيرهما من سائر الملل والنحل، إذا لا دين حق إلا الإسلام. قال الإسلام تعالى: {إنَّ الدِين عِندَ الله الإسلام} .
4- صحة الدين الإسلامي وبطلان اليهودية والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين، ووعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الأربعاء, ‏08 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيتان /153/154/
{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً(153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً(154)}
شرح الكلمات:
{جَهْرَةً} : عياناً نشاهده ونراه بأبصارنا.
{الصَّاعِقَةُ} : صوت حاد ورجفة عنيفة صعقوا بها.
{بِظُلْمِهِمْ} : بسبب ظلمهم بطلبهم ما لا ينبغي.
{اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} : أي: إلهاً فعبدوه.
{فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ} : أي: لم يؤاخذهم به.
{سُلْطَاناً مُبِيناً} : حجة واضحة وقدرة كاملة قهر بها أعداءه.
{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} : أي: جبل الطور بسيناء.
{ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} : أي: راكعون متواضعين خاشعين لله شكراً لنعمه عليهم.
{لا تَعْدُوا} : لا تعتدوا، أي: لا تتجاوزوا ما حد لكم فيه من ترك العمل إلى العمل فيه.
{مِيثَاقاً غَلِيظاً} : عهداً مؤكداً بالأيمان.
معنى الآيتين:
لما نعى الرب تعالى على أهل الكتاب قولهم نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض حيث آمن اليهود بموسى عليه السلام وكفروا بعيسى عليه السلام وآمن النصارى بعيسى عليه السلام وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما كفر به اليهود أيضاً ذكر تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن اليهود إذا سألوك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فلا تعجب من قولهم، ولا تحفل به إذ هذه سننهم وهذا دأبهم، فإنهم قد سألوا موسى قبلك أعظم من هذا، فقالوا له: أرنا الله جهرة، فأغضبوا الله تعالى، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون واتخذوا العجل إلهاً يعبدونه في غياب موسى عليهم، وكان ذلك منهم بعد مشاهداتهم البينات حيث فلق الله لهم البحر وأنجاهم وأغرق عدوهم ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم سلطاناً مبيناً، ولم يؤثر ذلك في طباعهم هذا ما تضمنته الآية الأولى(153) وهي قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً} .
أما الآية الثانية(154) فقد أخبر تعالى أنه رفع فوقهم الطور تهديداً لهم ووعيداً وذلك ما امتنعوا أن يتعهدوا بالعمل بما في التوراة، فلما رفع الجبل فوقهم خافوا فتعهدوا معطين بذلك ميثاقاً غير أنهم نقضوه كما سيأتي الإخبار بذلك. هذا معنى قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} ، وقوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} كان هذا عندما دخل يوشع بن نون فتى موسى مدينة القدس فاتحاً أوحى الله تعالى إليه أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة خاضعين متطامنين شكراً لله تعالى على نعمة الفتح فبدل أن يطيعوا ويدخلوا الباب راكعين متطامنين دخلوه زحفاً على استاهم مكراً وعناداً والعياذ بالله.
وقوله: {وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} أي: ونهيناهم عن الصيد في السبت فتعدوا نهينا وصادوا عصياناً وتمرداً، وقوله تعالى: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} أي: على أن يعملوا بما شرعنا لهم تحليلاً وتحريماً في التوراة، ومع هذا فقد عصوا وتمردوا وفسقوا، إذاً فلا غرابة في سؤالهم إياك على رسالتك وليؤمنوا بك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء.
هذا معنى قوله تعالى في الآية(154) {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} أي: لا تتجاوزا ما أحللنا لكم إلى ما حرمنا عليكم {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً}.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
1- تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإسلامية وكفرهم بها على علم إنها دعوة حق.
2- بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.
3- نفض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعاً لهم لا يفارقهم أبداً، ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الخميس, ‏09 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /155/156/157/158/159/
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً(155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً(156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً(157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً(158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً(159)}
شرح الكلمات:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ} : الباء سببية: أي: فبسبب نقضهم ميثاقهم، والنقض: الحل بعد الإبرام.
{بِغَيْرِ حَقٍّ} : أي: بدون موجب لقتلهم، ولا موجب لقتل الأنبياء قط.
{غُلْفٌ} : جمع أغلف، وهو ما عليه غلاف يمنعه من وصول المعرفة والعلم إليه.
{بُهْتَاناً عَظِيماً} : البهتان: الكذب الذي يحير من قيل فيه، والمراد هنا رميهم لها بالزنى.
{وَمَا صَلَبُوهُ} : أي لم يصلبوه، والصلب شده على خشبة وقتله عليها.
{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : أي: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن عند حضور الموت أن عيسى عبد الله ورسوله فما هو ابن زنى ولا ساحر كما يقول اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يقول النصارى.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن اليهود وبيان الجرائم التي كانت سبباً في لعنهم وذلهم، وغضب الله تعالى عليهم، وهذا تعداد تلك الجرائم الواردة في الآيات الثلاث الأولى في هذا السياق وهي:(155-156-157).
نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بها في التوراة.
كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم.
قتلهم الأنبياء؛ كزكريا ويحي وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة.
قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} والباء سببية والميم صلة والأصل، فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم. {فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً} أي: إيماناً قليلاً؛ كلإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً.
كفرهم: أي: بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضاً.
قولهم على مريم بهتاناً عظيماً حيث رموها بالفاحشة، وقالوا عيسى ابن مريم ابن زنى لعنهم الله.
قولهم متبجحين متفاخرين أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وهو رسول الله، وأكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} أي: برحل آخر ظنوه أنه هو فصلبوه وقتلوه، وأما المسيح فقد رفعه الله تعالى إليه وهو عنده في السماء كما قال تعالى في الآية (158) {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي: غالباً على أمره حكيماً في فعله وتدبيره.
وأما قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} ، هذا إخبار من الله تعالى بحقيقة أخرى وهي أن الذين طوقوا منزل المسيح وهجموا عليه ليلقوا عليه القبض من أجل أن يقتلوه هؤلاء اختلفوا في هل الرجل الذي ألقي عليه شبه عيسى هو عيسى أو غيره إنهم لم يجزموا أبداً بأن من ألقوا عليه القبض وأخرجوه فصلبوه وقتلوه هو المسيح عليه السلام، ولذا قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}.
أما الآية الأخيرة في هذا السياق(159) فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو ابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإيمان لا نيفع صاحبه لأن حصل عند معاينة الموت قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي: يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق الذي جاء به.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان جرائم اليهود.
2- بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى عليه السلام.
3- تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا.
4- الإيمان؛ كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الجمعة, ‏10 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /160/161/162
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً(160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً(161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً(162)}
شرح الكلمات:
{فَبِظُلْمٍ} : الباء سببية، أي: فبسبب ظلمهم.
{هَادُوا} : اليهود إذ قالوا: أنا هدنا إليك.
{طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} : هي كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم.
{وَأَخْذِهِمُ الرِّبا} : قبوله والتعامل به وأكله.
{الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : أصحاب القدم الثابتة في معرفة الله وشرائعه ممن علومهم راسخة في نفوسهم ليست لنيات بل هي يقينات.
معنى الآيات:
ما زال السياق في اليهود من أهل الكتاب يبين جرائمهم ويكشف الستار عن عظائم ذنوبهم، ففي الآية الأولى(160) سجل عليهم الظلم العظيم والذي به استوجبوا عقاب الله تعالى حيث حرم عليهم طيبات كثيرة كانت حلالاً لهم، كما سجل عليهم أقبح الجرائم، وهي صدهم أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله تعالى، وذلك بجحودهم الحق وتحريفهم كلام الله، وقبولهم الرشوة في إبطال الأحكام الشرعية. هذا ما تضمنته الآية الأولى. أما الآية الثانية (161) فقد تضمنت تسجيل جرائم أخرى على اليهود وهي أولاً استباحتهم للربا1 وهو حرام، وقد نهوا عنه، وثانياً أكلهم أموال الناس بالباطل؛ كالرشوة والفتاوى الباطلة التي كانوا يأكلون بها.
وأما قوله تعالى في ختام الآية: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فهو زيادة على عاقبهم به في الدنيا أعد لمن كفر منهم ومات على كفره عذاباً أليماً موجعاً يعذبون به يوم القيامة.
وأما الآية الثالثة(162) فقد نزلت في عبد الله بن سلام وبعض العلماء من يهود المدينة فذكر تعالى؛ كالاستثناء من أولئك الموصوفين بأقبح الصفات وهي صفات جرائم اكتسبوها، وعظائم من الذنوب اقترفوها لجهلهم وعمى بصائرهم.
إن الراسخين في العلم الثابتين فيه الذين علومهم الشرعية يقينية لا ظنية هؤلاء شأنهم في النجاة من العذاب والفوز بالنعيم في دار السلام شأن المؤمنين من هذه الأمة يؤمنون بما أنزل إليك أيها الرسول وما أنزل من قبلك، وخاصة المقيمين للصلاة، وكذا المؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر هؤلاء جميعاً وعدهم الله تعالى بالأجر العظيم الذي لا يقادر قدره ولا يعرف كنهه فقال تعالى: {أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة.
2- حرمة الصد عن الإسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة.
3- حرمة الربا وأنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة .
4- حرمة أكل أموال الناس بالباطل؛ كالسرقة والغش والرشوة.
5- من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك؛ كعبد الله بن سلام وآخرين.
6- الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات.
7- فضل إقام الصلاة لنصب والمقيمي الصلاة في الآية على المدح والتخصيص.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏السبت, ‏11 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /163/164/165/166/
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً(163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً(164) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً(165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً(166)}
شرح الكلمات:
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} : الوحي: الإعلام السريع الخفي، ووحي الله تعالى إلى أنبيائه: إعلامهم بما يريد أن يعلمهم به من أمور الدين وغيره.
الوحي: مصدر وحى يحي وحيًا؛ كرمى يرمي رميًا إليه بكذا أعلمه، وأوحى يوحي إيحاء إليه بكذا أعلمه به بطريق خفي.
{وَالأَسْبَاطِ} : أولاد يعقوب عليه السلام.
{زَبُوراً} : الزبور: أحد الكتب الإلهية أنزله على نبيه داود عليه السلام.
{قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ} : ورد منهم في سورة الأنعام ثمانية عشر رسولاً وسبعة ذكروا في سور أخرى وهم: محمد صلى الله عليه وسلم، وهو، وشعيب، وصالح، وذو الكفل، وإدريس، وآدم.
{حُجَّةٌ} : عذر يعتذر به إلى ربهم عز وجل.
معنى الآيات:
روى أن اليهود لما سمعوا ما أنزل الله تعالى فيهم في الأية السابقة أنكروا أن يكون هذا وحيا، وقالوا لم يوح الله تعالى إلى غير موسى فرد الله تعالى قولهم بقوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ}قدم نوح في الذكر باعتباره أول رسول حارب الشرك، إذ لم يظهر الشرك على عهد من سبقه؛ كإدريس وشيث من قبله، فلما ظهر الشرك أرسل الله تعالى نوحًا عليه السلام، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ، بن أخنوخ.
فذكر عدداً من الأنبياء، ثم قال: ورسلاً، أي: وأرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل، أي: قص عليه أسماءهم وبعض ما جرى لهم مع أممهم وهم
يبلغون دعوة ربهم، وأرسل رسلاً لم يقصصهم عليه، وفوق ذلك أنه كلم موسى تكليماً، فأسمعه كلاماً بلا واسطة، فكيف ينكر اليهود ذلك ويزعمون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، وقد أرسلهم تعالى رسلاً مبشرين من آمن وعمل صالحاً بالجنة، ومنذرين من كفر وأشرك وعمل سوء بالنار وما فعل ذلك إلا لقطع حجة الناس يوم القيامة حتى لا يقولوا ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً هذا معنى قوله تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} أي: بعد إرسالهم، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً} غالباً لا يمانع في شيء أراده {حَكِيماً} في أفعاله وتدبيره، هذا بعض ما تضمنته الآيات الثلاث(163-164-165).
أما الآية الرابعة(166) وهي قوله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} .
فقد روي أن يهوداً جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبلغهم أنه رسول الله صدقاً وحقاً ودعاهم إلى الإيمان وبما جاء به من الدين الحق فقالوا: من يشهد لك بالرسالة إذ كانت الأنبياء توجد في وقت واحد فيشهد بعضهم لبعض، وأنت من يشهد لك فأنزل الله تعالى قوله: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} يريد إنزال الكتاب إليك شهادة منه لك بالنبوة والرسالة، أنزله بعلمه بأنك أهل للاصطفاء والإرسال، وبكل ما تحتاج إليه البشرية في إكمالها وإسعادها، إذ حوى أعظم تشريع تعجز البشرية لو اجتمعت أن تأتي بمثله، أليس هذا كافياً في الشهادة لك بالنبوة والرسالة، بلى، والملائكة أيضاً يشهدون {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} فلا تطلب شهادة بعد شهادته تعالى لو كانوا يعقلون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير مبدأ الوحي الإلهي.
2- أول الرسل نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
// ذكر صاحب تفسير التحرير والتنوير: الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى، عند تفسير هذه الآية تاريخ المذكورين من الرسل نقلاً عن أهل الكتاب قطعًا فللإطلاع لا غير. نذكر ذلك كما ذكره، وأما علم صحته فهو إلى الله تعالى لا غير: نوح عليه السلام ولد سنة 3974 قبل الهجرة النبوية. وإبراهيم توفى ببلدة الخليل سنة 2719 قبل الهجرة. وإسماعيل توفى بمكة سنة 2676 قبل الهجرة تقريبا. وإسحاق بن إبراهيم توفى سنة 2613 قبل الهجرة. ويعقوب إسرائيل توفى سنة 2586 قبل الهجرة. وعيسى بن مريم ولد سنة 622 قبل الهجرة، ورفع إلى السماء قبلها سنة 589. وأيوب كان بعد إبراهيم وقبل موسى في القرن الخامس عشر قبل المسيح. وهارون توفى سنة 1972 قبل الهجرة. وداود توفى سنة 1626 قبل الهجرة. وسليمان توفى سنة 1597 قبل الهجرة.//
3- إثبات صفة الكلام لله تعالى.
4- بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي الحجة على الناس يوم القيامة.
5- شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته صلى الله عليه وسلم.
6- ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأحد, ‏12 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /167/168/169/170/
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً(167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً(168) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً(169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(170)}
شرح الكلمات:
{كَفَرُوا وَصَدُّوا} : كفروا: جحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدوا: صرفوا الناس عن الإيمان به صلى الله عليه وسلم بما يبذرون من بذور الشك.
{كَفَرُوا وَظَلَمُوا} : جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وظلموا ببقائهم على جحودهم بغياً منهم وحسداً للعرب أن يكون فيهم رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور.
{الرَّسُولُ} : هو محمد صلى الله عليه وسلم الكامل في رسالته الصادق في دعوته.
{فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ} : أي يكون إيمانكم خيراً لكم.
معنى الآيات:
بعد أن أقام الله تعالى الحجة على رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بشهادته له بالرسالة وشهادة ملائكته، وشهادة القرآن لما فيه من العلوم والمعارف الإلهية بعد هذا أخبر تعالى أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهم اليهود قد ضلوا ضلالاً بعيداً قد يتعذر معه الرجوع إلى الحق، وهذا ما تضمنته الآية الأولى(167).
كما أخبر في الآية الثانية(168) أن الذين كفروا وظلموا هم أيضاً اليهود لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً، اللهم إلا طريق جهنم، وهذا قائم على سنته في خلقه وهي أن المرء إذا كفر كفر عناد وجحود وأضاف إلى الكفر الظلم لم يبق له أي استعداد لقبول الهداية الإلهية، لم يبق له من طريق يرجى له سلوكه إلا طريق جهنم يخلد فيها خلوداً أبدياً، وقوله تعالى: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} في ختام الآية يقرر فيه أن دخول أصحاب هذه الصفات من اليهود جهنم وخلودهم فيها ليس بالأمر الصعب على الله المتعذر عليه فعله بل هو من السهل اليسير.
أما الآية الأخيرة(170) فهي تتضمن إعلاناً إليهاً موجهاً إلى الناس كافة مشركين وأهل كتاب: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ} الكامل الخاتم جاءكم بالدين الحق من ربكم فآمنوا به خيراً لكم، وإن أبيتم وأعرضتم إيثاراً للشر على الخير والضلال على الهدى فاعلموا أن لله ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً وتصرفاً وسيجزيكم بما اخترتم من الكفر والضلال جهنم وساءت مصيراً فإنه عليم بمن استجاب لندائه فآمن وأطاع، وبمن أعرض فكفر وعصى حكيم في وضع الجزاء في موضعه اللائق به, فلا يجزي المحسن بالسوء، ولا المسيء بالإحسان.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل اله والظلم، وهذا كفر اليهود، العياذ بالله.
2- سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك ويهلك.
3- الرسالة المحمدية عامة لسار الناس أبيضهم وأصفرهم.
إثبات صفتي العلم والحكمة لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الإثنين, ‏13 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /171/172/173/
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً(172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً(173)}
شرح الكلمات:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} : المراد بهم هنا: النصارى.
{لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} : الغلو: تجاوز الحد للشيء، فعيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فغلوا فيه فقالوا هو الله.
{الْمَسِيحُ} : هو عيسى عليه السلام ولقب بالمسيح لأنه ممسوح من الذنوب، أي: لا ذنب له قط.
{وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا} : أي: قول الله تعالى له {كن} فكان -ألقاها إلى مريم: أوصلها لها وأبلغها إياها وهي قول الملائكة لها إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم.
{وَرُوحٌ مِنْهُ} : أي: عيسى كان بنفخة جبريل روح الله في كم درعها.
{وَكِيلاً} : حفيظاً وشاهداً عليماً.
{لَنْ يَسْتَنْكِفَ} : لا يرفض عبوديته لله تعالى أنفة وكبراً.
{وَيَسْتَكْبِرْ} : يرى نفسه كبيرة فوق ما طلب منه أن يقوله أو يفعله إعجاباً وغروراً.
{وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} : أي: لا يجدون يوم القيامة ولياً يتولى الدفاع عنهم ولا نصيراً ينصرهم حتى لا يدخلوا النار ويعذبوا فيها.
معنى الآيات:
ما زال السياق مع أهل الكتاب، ففي الآية الأولى(171) نادى الرب تبارك وتعالى النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإنجيل ونهاهم عن الغلو في دينهم من التنطع والتكلف؛ كالترهب واعتزال النساء وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلو، كما نهاهم عن قولهم على الله تبارك وتعالى غير الحق، وذلك بنسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأخبرهم بأن عيسى لم يكن أبداً غير رسول الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ وهو روح الله في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي {كن} وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل عليه السلام فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله فارجعوا إلى الحق وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تقولوا زوراً وباطلاً: الله ثالث ثلاثة آلهة. انتهوا عن القول الكذب يكن انتهاؤكم خيراً لكم حالاً ومآلاً، إنما الله سبحانه وتعالى إله واحد له ولا ند ولا ولد.
سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، ولم يكن ذا حاجة وله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به سبحانه وتعالى وكيلاً شاهداً عليماً فحسبكم الله تعالى رباً وإلهاً فإنه يكفيكم كل ما يهمكم فلا تلتفتون إلى غيره ولا تطلبون سواه.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى(171).
وأما الآيتان الثانية(172) والثالثة(173) فقد أخبر تعالى أن عبده ورسوله المسيح عليه السلام لن يستنكف أبداً أن يعبد الله وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد تعالي كل من يستنكف عن عبادته عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات آمنوا بألوهيته تعالى وحده وعبدوه وحده بما شرع لهم من أنواع العبادات وهي الأعمال الصالحة فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف. وأما الذين استنكفوا واستكبروا، أي: حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع إليه فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً، أي: موجعاً لا يجدون لهم من دونه ولياً ولا ناصراً فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال.
2- حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة.
3- بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة
4- حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله.
5- بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الثلاثاء, ‏14 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآيات /174/175/
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً(174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً(175)}
شرح الكلمات:
{بُرْهَانٌ} : البرهان: الحجة، والمراد به هنا: محمد صلى الله عليه وسلم.
{نُوراً مُبِيناً} : هو القرآن الكريم.
{وَاعْتَصَمُوا} : أي: تمسكوا بالقرآن وبما يحمله من الشرائع.
{فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ} : الجنة.
{صِرَاطاً} : طريقاً يفضي بهم إلى جوار ربهم في دار الكرامة.
معنى الآيتين:
ينادي الرب تبارك وتعالى سائر الناس مشركين ويهود ونصارى مخبراً إياهم قاطعاً للحجة عليهم بأنه أرسل إليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو البرهان الساطع والدليل القاطع على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ووجوب الإيمان به وبرسله ولزوم عبادته بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه أنزل عليه كتابه شافياً كافياً هادياً نوراً مبيناً يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور.
بهذا قد أعذر الله تعالى إلى الناس كافة وقطع عليهم كل معذرة وحجة ثم هم صنفان مؤمن وكافر، فالذين آمنوا بالله رباً وإلها وبرسوله نبياً ورسولاً واعتصموا بالقرآن فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وصدقوا أنباءه والتزموا آدابه فهؤلاء سيدخلهم في رحمة منه وفضل وذلك بأن ينجيهم من النار ويدخهلم الجنان، وذلك هو الفوز العظيم كما قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} .
وأما الذين كفروا به وبرسوله وكتابه فمصيرهم معروف وجزاءهم معلوم فلا حاجة إلى ذكره: إنه الحرمان والخسران.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.
2- إطلاق لفظ البرهان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته.
3- القرآن نور لما يحصل به من الإهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال.
ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأربعاء, ‏15 ‏ربيع الأول, ‏1438

(تفسير سورة النساء)
الآية /176/
{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(176)}
شرح الكلمات:
روي أن هذه الآية وتسمى آية الكلالة نزلت في آخر ما نزل، وسبب نزولها: أن جابر بن عبد الله مرض فعاداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فأغمى على عبد الله فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب عليه من فضل وضوءه فأفاق، فقال يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات، فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية.
{يَسْتَفْتُونَكَ} : يطلبون فتياك في كذا.
{يُفْتِيكُمْ} : يبين لكم ما أشكل عليكم من أمر الملائكة.
{الْكَلالَةِ} : أن يهلك الرجل ولا يترك ولداً ولا يترك ولد ولد، وإنما يترك أخاً أو أختاً.
الحظ : النصيب.
{أَنْ تَضِلُّوا} : كيلا تضلوا، أي: تخطئوا في قسمة التركة.
معنى الآية الكريمة:
هذه الآية تسمى آية الكلالة، وآيات المواريث أربع: الأولى في شأن الولد والوالد: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} .
والثانية: في شأن الزوج والزوجة: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} إلخ... وفي شأن الإخوة لأم: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} إلخ.. وهاتان الآيتان تقدمتا في أول سورة النساء.
والثالثة، هي هذه: {يَسْتَفْتُونَكَ} إلخ.. وهي في شأن ميراث الأخوة والأخوات عند موت أحدهم ولم يترك ولداً ولا ولد ولد.. وهو معنى الكلالة.
والرابعة: في آخر سورة الأنفال وهي في شأن ذوي الأرحام، وهي قوله تعالى: {وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .
وهذه الآية نزلت عند سؤال بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الكلالة، فقال تعالى: يسألونك أيها الرسول عن الكلالة؟
قل للسائلين: {اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ، وهذه فتواه: إن هلك امرؤ ذكراً كان أو أنثى، وليس له ولد ولا ولد ولد وله أخت شقيقة أو لأب فلها نصف ما ترك، وهو يرثها أيضاً إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء، أي: ذكوراً وإناثاً فللذكر مثل حظ الأنثيين وبعد أن بين تعالى كيف يورث من مات كلالة قال مبيناً حكمة هذا البيان: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} أي: كيلا3 تضلوا في قسمة التركات فتخطئوا الحق وتجوروا في قسمة أموالكم. {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ4} فلا يجهل شيئاً ولا يخفى عليه آخر، وكيف وقد أحاط بكل شيء علما سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.
هداية الآية
من هداية الآية الكريمة:
1- جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له.
2- إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً، وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته.
3- بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة؛ فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والاختان لهما الثلثان، والأخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد.
أخر سورة النساء ولله الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الخميس, ‏16 ‏ربيع الأول, ‏1438
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير من سورة النساء من الآية /135/ الى أخر السورة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: