الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة المائدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 651
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير سورة المائدة   الإثنين يناير 23, 2017 11:31 pm

سورة المائدة
مدنية
وآياتها مائة وعشرون آية
سورة المائة من آخر ما نزل من السور في القرآن وأحكامها كلها محكمة ما عدا قوله تعالى: {وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ...} الآية. وهو قول الشعبي رحمه الله تعالى، وفيها أحكام لم توجد في غيرها من السور، من ذلك حكم: المنخنقة، وما بعدها {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب} ، والوضوء، وحكم السرقة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتان /1/2/
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ(1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)}
شرح الكلمات:
{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} : العقود: هي العهود التي بين العبد والرب تعالى وبين العبد وأخيه والوفاء بها: عدم نكثها والإخلال بمقتضاها.
قال الحسن: يعني عقود الدين، وهو ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة كراء، ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وكذلك ما عاهد عليه الله تعالى من نذر وسائر التكاليف الشرعية وما خرج من عقد على شريعة الله رد وحل، ولا وفاء فيه.
{بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} : هي الإبل والبقر والغنم.
سميت البهيمة: بهيمة؛ لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها، ومنه باب مبهم، أي: مغلق، وليل بهيم: لا يميز ما فيه من الظلام. وقولهم في الشجاع من الرجال: بهمة؛ لأنه لا يدري من أين يؤتى.
{وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} : أي: محرمون بحج أو عمرة.
{شَعَائِرَ اللَّهِ} : جمع شعيرة، وهي هنا مناسك الحج والعمرة وسائر أعلام دين الله تعالى.
{الشَّهْرَ الْحَرَامَ} : رجب وهو شهر مضر الذي كانت تعظمه.
{الْهَدْيَ} : ما يُهدى للبيت والحرم من بهيمة الأنعام.
{الْقَلائِدَ} : جمع قلادة ما يقلد الهدي، وما يتقلده الرجل من لحاء شجر الحرم ليأمن.
{آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} : قاصديه يطلبون ربح تجارة أو رضوان الله تعالى.
{وَإِذَا حَلَلْتُمْ} : أي: من إحرامكم.
قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} الإجماع على أن الأمر هنا للإباحة وليس للوجوب، وهذه قاعدة أصولية كل أمر بعد حظر، فهو للإباحة.
{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} : أي: لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا عليهم.
{أَنْ صَدُّوكُمْ} : أي: لأجل أن صدوكم.
{الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} : البر: كل طاعة لله ورسوله. والتقوى: فعل ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وترك ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{شَدِيدُ الْعِقَابِ} : أي: عقابه شديد لا يطاق ولا يحتمل.
معنى الآيتين:
ينادي الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي: يا من آمنتم بي وبرسولي ووعدي ووعيدي {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فلا تحلوها وبالعهود فلا تنكثوها، فلا تتركوا واجباً ولا ترتكبوا منهياً، ولا تحرموا حلالاً ولا تحلو حراماً أحللت لكم بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم إلا ما يتلى عليكم وهي الآتية في آية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ...} فلا تحرموها وحرمت عليكم الصيد وأنتم حرم3 فلا تحلوه. وسلموا الأمر لي فلا تتنازعوا فيما أحل وأحرم فإني أحكم ما أريد.
هذا ما تضمنته الآية الأولى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} .
أما الآية الثانية فقد تضمنت أحكاماً بعضها نُسخ العمل به وبعضها محكم يعمل به إلى يوم الدين، فمن المحكم والواجب العمل به تحريم شعائر الله، وهي أعلام دينه من سائر ما فرض وأوجب، ونهى وحرم.
فلا تستحل بترك واجب، ولا بفعل محرم، ومن ذلك مناسك الحج والعمرة.
ومن المنسوخ الشهر الحرام فإن القتال كان محرماً في الأشهر الحرم ثم نسخ بقول الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية، ومن المنسوخ أيضاً: هدي المشركين وقلائدهم والمشركون أنفسهم فلا يسمح لهم بدخول الحرم ولا يقبل منهم هدي، ولا يجيرهم من القتل تقليد أنفسهم بلحاء شجر الحرم ولو تقلدوا شجر الحرم كله.
هذا معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}. والمراد بالفضل: الرزق بالتجارة في الحج، والمراد بالرضوان: ما كان المشركون يطلبونه بحجهم من رضى الله ليبارك لهم في أرزاقهم ويحفظهم في حياتهم.
وقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} خطاب للمؤمنين أذن لهم في الاصطياد الذي كان محرماً وهم محرمون إذن لهم فيه بعد تحللهم من إحرامهم. وقوله تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} ينهي عباده المؤمنين أن يحملهم بغض قوم صدورهم يوم الحديبية عن دخول المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بغير ما أذن الله تعالى لهم فيه، وهو قتالهم إن قاتلوا وتركهم إن تركوا.
ثم أمرهم تعالى بالتعاون على البر والتقوى، أي: على أداء الواجبات والفضائل، وترك المحرمات والرذائل، ونهاهم عن التعاون عن ضدها، فقال عز وجل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ1 وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} . ولما كانت التقوى تعم الدين كله فعلاً وتركاً أمرهم بها، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} بالإيمان به ورسوله وبطاعتهما في الفعل والترك، وحذرهم من إهمال أمره بقوله: {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فاحذروه بلزوم التقوى.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- وجوب الوفاء بالعهود التي بين الله تعالى وبين العبد والمحافظة على العقود التي بين العبد وأخيه العبد لشمول الآية ذلك.
2- إباحة أكل لحوم الإبل والبقر والغنم إلا الميتة منها.
3- تحريم الصيد في حال الإحرام وحليته بعد التحلل من الإحرام وهو صيد البر لا البحر.
4- وجوب احترام شعائر الدين كلها أداء لما وجب أداؤه، وتركاً لما وجب تركه.
5- حرمة الاعتداء مطلقاً على الكافر.
6- وجوب التعاون بين المؤمنين على إقامة الدين، ورحمة تعاونهم على المساس به.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الجمعة, ‏17 ‏ربيع الأول, ‏1438.
تفسير سورة المائدة
الآية /3/
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3)}
شرح الكلمات:
{الْمَيْتَةُ} : ما مات من بهيمة الأنعام حتف أنفه، أي: بدون تذكية.
{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} : أي: ما ذكر عليه اسم غير اسم الله تعالى، مثل المسيح، أو الولي، أو صنم.
{وَالْمُنْخَنِقَةُ} : أي: بحبل ونحوه فماتت.
{وَالْمَوْقُوذَةُ} : أي: المضروبة بعصا أو حجر فماتت به.
{وَالْمُتَرَدِّيَةُ} : الساقطة من عال إلى أسفل، مثل: السطح والجدار والجبل فماتت.
{وَالنَّطِيحَةُ} : ما ماتت بسبب نطح أختها لها بقرونها أو رأسها.
{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} : أي: ما أكلها الذئب وغيره من الحيوانات المفترسة.
{إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} : أي: أدركتم فيه الروح مستقرة فذكيتموه بذبحه أو نحره.
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} : أي: ما ذبح على الأصنام المنصوبة التي تمثل إلهاً أو زعيماً أو عظيماً، و مثلها ما ذبح على الجان.
{وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا} : أي: وحرم عليكم ما تحصلون عليه بالاستقسام بالأزلام ومثله ما يأخذه صاحب الكهانة والشواقة وقرعة الأنبياء، والحروز الباطلة التي فيها طلاسم وأسماء الجن والعفاريت.
{ذَلِكُمْ فِسْقٌ} : أي: ما ذكر من أكل الميتة إلى الاستقسام بالإزلام خروج عن طاعة الله تعالى ومعصية له سبحانه وتعالى.
{فَمَنِ اضْطُرَّ} : أي: من ألجأته ضرورة الجوع فخاف على نفسه الموت فلا بأس أن يأكل مما ذكر.
{فِي مَخْمَصَةٍ} : المخمصة: شدة الجوع حتى يضمر البطن لقلة الغذاء به.
{غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} : غير مائل لإثم يريد غير راغب في المعصية بأكل ما أكل من الميتة، وذلك بأن يأكل أكثر مما يسد به رمقه ويدفع به غائلة الجوع المهلك.
معنى الآية الكريمة:
هذه الآية الكريمة هي تفسير وتفصيل لقوله تعالى في الآية الأولى من هذه السورة، وهو قوله: {إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} حيث ذكر في هذه الآية سائر المحرمات من اللحوم وهي عشر كما يلي:
الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب.
وقوله تعالى: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} يريد ما أدركتم فيه الروح مستقرة. بحيث إذا ذبحتموه اضطرب للذبح وركض برجليه فإن هذا علامة أنه كان حياً وأنه مات بالذبح.
الذكاة في لغة العرب: الذبح كقوله تعالى: {إلا ما ذَكيتم} ، أي: ذبحتم ما ذكر اسم الله عليها، وفي الحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" ، والذكاة: سرعة الفطنة، والتذكية: مأخوذة من التطيب، فذكاها بمعنى: طيبها بالذبح، ومنه رائحة ذكية: أي: طيبة.
والذكاة تقع بكل حاد ينهر الدم، ويفري الأوداج ما عدا العظم والسن، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس السن والظفر" ، لأن السن عظم، والظفر مدى الحبشة.
من آداب التذكية: الرفق بالحيوان، إحداد الشفرة، إن يوجهها إلى القبلة، تركها حتى تبرد قبل أن يشرع في سلخها، إحضار نية الإباحة قبل الشروع في الذبح، بأن يقول: بسم الله الله اكبر.
والاعتراف بالمنة لله؛ حيث سخر لنا هذا الحيوان، ولو شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا. وكل هذه الآداب جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتل، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح" . الذبح.
وقوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ} يريد ولا يحل لكم الاستقسام بالأزلام، ولا أكل ما يعطى عليها وحقيقتها أنهم كانوا في الجاهلية يضعون القداح المعبر عنها بالأزلام جمع زلم وهو رمح صغير لا زج له ولا ريش فيه، يضعونها في خريطة كالكيس، وقد كتب على واحد أمرني ربي، وآخر: نهاني ثم يحيلها المستقسم بها في الخريطة ويخرج زلماً منها فإن وجده مكتوباً عليه: أمرني ربي، مضى في عمله سفراً أو زواجاً ، أو بيعاً أو شراء، وإن وجده مكتوباً عليه: نهاني ربي، ترك ما عزم على فعله.
فجاء الإسلام فحرم الاستقسام بالأزلام، وسن الاستخارة وهي: أن يصلي المؤمن ركعتين من غير الفريضة ويقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عنى واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ويسمي حاجته. ويفعل أو يترك ما عزم عليه، والذي يأتيه هو الخير بإذن الله تعالى.
وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} يريد ما ذكرت لكم مما حرمت عليكم إتيانه هو الفسق فاتركوه.
وقوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} يخبر تعالى عباده المؤمنين: أن الكافرين من المشركين وغيرهم قد يئسوا من أن يردوكم عن دينكم كما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإسلام، وظهوركم عليهم في كل معركة دارت بينكم وبينهم إذاً فلا تخشوهم بعد الآن أن يتمكنوا من قهركم وردكم إلى الكفر واخشوني أنا بدلهم، وذلك بطاعتي وطاعة رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي.
وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} فهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمنين بما هو إنعام عليهم منه وامتنان فأولا: إكمال الدين بجميع عقائده وعباداته وأحكامه وآدابه حتى قيل أن هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة عام حجة الوداع، ولم يعش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحدى وثمانين ليلة ثم توفاه الله تعالى.
وثانياً: إتمام نعمته تعالى عليهم فآمنهم بعد الخوف وقواهم بعد ضعف، ونصرهم وأعزهم بعد قهر وذل وسودهم وفتح البلاد لهم وأظهر دينهم، وأبعد الكفر والكفار عنهم، فعلمهم بعد جهل وهداهم بعد ضلال فهذه من النعمة التي أتمها عليهم.
وثالثاً: رضاه بالإسلام ديناً لهم حيث بعث رسوله صلى الله عليه وسلم به وأنزل كتابه فيه فين عقائده وشرائعه فأبعدهم عن الأديان الباطلة؛ كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وأغناهم عنها بما رضيه لهم ألا وهو الإسلام القائم على الاستسلام لله تعالى ظاهراً وباطناً، وذلك سلم العروج إلى الكمالات ومرقى كل الفواضل والفضائل والسعادات، فلله الحمد وله المنة.
وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يريد تعالى من اضطر، أي: ألجأته الضرورة وهي شدة الجوع وهي المخمصة والمسغبة إلى أكل ما حرمت عليكم من الميتة وأنواعها فأكل فلا إثم عليه فإني غفور لعبادي المؤمنين رحيم بهم إلا أن يكون قد أكل من الميتة وأنواعها متعمداً المعصية مائلاً إليها غير مبال بتحريمي لها، فذاك الذي عصاني وتعرض لنقمتي وعذابي فإن تاب فإني غفور رحيم، وإن أصر فإن عذابي أليم شديد.
هداية الآية
من هداية الآية:
1- حرمة الميتة وما ذكر معها وهي عشر من المحرمات.
2- حرمة الاستقسام بالأزلام ومثلها قرعة الأنبياء وخط الرمل والكهانة وما أشبه ذلك.
3- حرمة الذبح على القبور والقباب والنصب التذكارية وهي من الشرك.
4- جواز أكل ما أدركه المسلم حياً من الحيوان المأكول فذكاه وإن كان قد جرح أو كسر أو أشرف على الموت بأي سبب مميت.
5- وجوب خشية الله تعالى وحرمة خشية الكفار.
6- حرمة الابتداع في الدين وحرمة التشريع المنافي للشرع الإسلامي.
7- جواز أكل الميتة للمضطر، وهو من لحقه ضرر من شدة الجوع فخاف على نفسه الهلاك على شرط أن لا يكون قاصداً المعصية مائلاً إلى الإثم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏‏السبت, ‏18 ‏ربيع الأول, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيتان /4/5/
{يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(5)}
شرح الكلمات:
{الطَّيِّبَاتُ} : ما أذن الله تعالى في أكله وأباحه لعباده المؤمنين.
{الْجَوَارِحِ} : جمع جارحة بمعنى كاسبة تخرج بمعنى تكسب.
{مُكَلِّبِينَ} : أي: مرسلين الجارحة على الصيد سواء كانت الجارحة كلباً أو طيراً.
المكلب: هو معلم الكلاب، ومدربها على الصيد، ويقال للصائد: مكلب، وعليه فقوله: {مُكَلِّبين} يكون بمعنى: صائدين.
يكتفي في الطير بأن تطيع إذا أمرت، إذ هي دون الكلاب في الاستعداد للفهم والاستجابة، ومثلها: سباع الوحوش، فإنها دون الكلاب أيضًا، إلى أن الجمهور يشترط فيها ما يشترط في الكلاب.
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : ذبائح اليهود والنصارى.
{وَالْمُحْصَنَاتُ} : جمع محصنة وهي العفيفة الحرة من النساء.
{أُجُورَهُنَّ} : مهورهن وصدقاتهن.
{غَيْرَ مُسَافِحِينَ} : غير مجاهرين بالزنى.
{أَخْدَانٍ} : جمع خدن وهو الخليل والصاحب السري.
{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ} : أي: يرتد عن الإيمان، فالباء بمعنى عن إذ يقال: ارتد عن كذا...
{حَبِطَ عَمَلُهُ} : بطل عمله ما قدمه من الصالحات فلا يثاب عليه.
معنى الآيتين:
ورد أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يدخل لوجود كلب صغير في البيت فقال: "إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب". فأمر النبي بعدها بقتل الكلاب، فقتلت ثم جاء بعضهم يسأل عما يحل لهم من أمة الكلاب، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وهي كل ما لذ وطاب مما أباحه الله تعالى ولم ينه عنه، وأحل لكم كذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكلاب الخاصة بالاصطياد والفهود والنمور والطيور؛ كالصور ونحوها.
مكبلين، أي: مرسلين لها على الصيد لتمسكه لكم، {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} . أي: تؤدبون تلك الجوارح بالأدب الذي أدبكم الله تعالى به.
وحد الجارحة المؤدبة أنها إذا اشليت، أي: أرسلت على الصيد ذهبت إليه وإذا زُجرت انزجرت، وإذا دعيت أجابت.
وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} يفيد شرطين لحلية الصيد زيادة على كون الجارحة معلمة وهما:
أولاً: أن يذكر اسم الله عند إرسال الجارحة بأن يقول: بسم الله هاته مثلاً، والثاني: أن لا تأكل الجارحة منه فإن أكلت منه فقد أمسكت لنفسها ولم تمسك لمن أرسلها، اللهم إلا إذا أدركت حية لم تمت ثم ذكيت فعند ذلك تحل بالتذكية لا بالاصطياد.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب} وعيد لمن لم يتق الله في أكل ما حرم أكله من الميتة وأنواعها، ومن صيد صاده غير معلم من الجوارح، أو صاده معلم ولكنه أكل منه فمات قبل التذكية.
فلنتق عقوبة الله في ذلك فإن الله سريع الحساب.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى(4).
أما الآية الثانية(5) وهي قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} ، أي: في هذا اليوم الذي أكمل الله تعالى لكم فيه الدين أحل لكم ما سألتم عنه وهو سائر الطيبات، وكذا طعام الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى خاصة فطعامهم، أي: ذبائحهم حل لكم، وطعامكم حل لهم، أي: لا بأس أن تطعموهم من طعامكم فإن ذلك جائز لكم ولهم.
وأحل لكم أيضاً نكاح المحصنات، أي: العفائف من المؤمنات، والمحصنات من نساء الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهن العفائف من اليهوديات والنصرانيات، على شرط إتيانهن أجورهن، أي: مهورهن حال كونكم محصنين، أي: عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول، لا مسافحين بإعطاء المرأة أجرة وطئها فقط بدون عقد مستوف لشروطه، ولا متخذي أيضاً بأن تنكوحهن سراً بحكم الصحبة والصداقة والمحبة إذ ذاك هو الزنى فلا يحل بأجرة ولا بغير أجرة، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فيه إشارة إلى أن استباحة المحرمات والجرأة على ذلك قد تؤدي إلى الكفر، ومن يكفر بعد إيمانه فقد حبط عمله، أي: بطل ثواب ما عمله في إسلامه، حتى ولو راجع الإسلام فليس له إلا ما عمله بعد رجوعه إلى الإسلام، وإن مات قبل العودة إلى الإسلام فهو قطعاً في الآخرة من الخاسرين وبإلقائهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- مشروعية سؤال من لا يعلم عما ينبغي له أن يعلمه.
2- حلية الصيد إن توفرت شروطه، وهي: أن يكون الجارح معلماً وأن يذكر اسم الله تعالى عند إرساله وأن لا يأكل منه الجارح، ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة بشرط ذكر اسم الله عند رميه ولو وجد ميتاً فلم يذك.قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل" دال على أن الصائد يتعين عليه أن يقصد عند إرسال الكلب والطير التذكية والإباحة إذا الأعمال بالنيات ولكل أمرء ما نوى.
3- إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب.
4- إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل: زوجني فلانة. فيقول له: قد زوجتكها.
5- حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة.
6- المعاصي قد تقود إلى الكفر.
7- المرتد عن الإسلام يحبط عمله فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الأحد, ‏19 ‏ربيع الأول, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيتان /6/7/
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(7)}
شرح الكلمات:
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ : أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، أي: على غير وضوء.
إن خلافًا طويلاً عريضًا ف تأويل هذه الآية، وهو يدور على هل الوضوء واجب لكل صلاة أو هو مستحب أو واجب على المحدث لا غير، ومستحب لغيره، وهل في الآية تقديم وتأخير؟ والذي عليه جمهور الأمة: أن الوضوء واجب على المحدث لا غير ومستحب لغيره، وأن تأويل الآية هو كان في التفسير، ومما ينبغي الإشارة إليه أن الوضوء والغسل والتيمم كلها كانت مشروعة قبل نزول هذه الآية، إذ ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بغير وضوء، ومشروعية التيمم نزلت في غزوة المريسيع، وكانت سنة خمس أو ست من الهجرة، وعليه فالآية شملت الطهارة بأنواعها مؤكدة لها لتبقى خالدة تتلى في كتاب الله نتعبد بتلاوتها ويعمل بمضمونها علمًا وعملاً، إذ سورة المائدة من آخر ما نزلت من القرآن كما تقدم.
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ : أي: بعد غسل الكفين ثلاثاً، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلاثاً ثلاثاً لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.
لحديث مسلم عن علي رضي الله عنه أنه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم. يعني في المسح على الخفين.
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ : أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين إلا أن يكون عليها خف ساتر فإنه يجوز المسح عليه دون حاجة إلى نزعه وغسل الرجلين، وذلك إن لبسه بعد وضوء ولم يمض على لبسه أكثر من يوم وليلة إن كان مقيماً، أو ثلاثة أيام إن كان مسافراً بهذا جاءت السنة.
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً : الجنب: من قامت به جنابة، وهي شيئان: غياب رأس الذكر في الفرج، وخروج المني بلذة في نوم أو يقظة.
فَاطَّهَّرُوا : يعني: فاغتسلوا، والغسل: هو غسل سائر الجسد بالماء.
الْغَائِطِ : كناية عن الخارج من أحد السبيلين من عذرة أو فساء أو ضراط، أو بول أو مذي.
أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ : ملامسة النساء كناية عن الجماع، كما أن من لامس امرأة ليلتذذ بها أو لامسها لغير قصد اللذة ووجد اللذة فقد انتقض وضوءه، ومن هذا مس الفرج باليد لأنه مظنة اللذة، لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتوضأ" .
{فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً} : اقصدوا تراباً أو حجراً أو رملاً أو سبخة مما صعد على وجه الأرض.
الحرج: المشقة والعسر والضيق.
{وَمِيثَاقَهُ} : أي: ميثاق الله تعالى، وهو عهده المؤكد، والمراد به هنا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذ بها وجب الالتزام بسائر التكاليف الشرعية.
معنى الآيتين:
نادى الرب تعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليأمرهم بالطهارة، إذا هم أرادوا الصلاة، وهي مناجاة العبد لربه لحديث المصلى يناجي ربه ،نص الحديث: "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه" ، وفي رواية البخاري: " إذا كان أحدكم في الصلاة فإن ربه بينه وبين القبلة" . وبين لهم الطهارة الصغرى منها وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وبين لهم ما ينوب عنها إذا تعذر وجود الماء الذي به الطهارة أو عجزوا عن استعماله، وهو التيمم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} .وكل ما ذكر في التفسير من صفة الوضوء والغسل والتيمم هو ثابت في الصحاح والسنن، وليس فيه ما هو ضعيف قط.
وحدُ الوجه طولاً من منبت الشعر أعلى الجبهة إلى منتهى الذقن أسفل الوجه وحده عرضاً من وتد الأذن اليمنى إلى وتد الأذن اليسرى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فيشمل الغسل الكفين والذراعين إلى بداية العضدين، فيدخل في الغسل المرفقان {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} واللفظ محتمل للكل والبعض، والسنة بينت أن الماسح يُقبلُ بيديه ويُدبرُ بهما فيمسح جميع رأسه، وهو أكمل وذلك ببلل يكون في كفيه، كما بينت السنة مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بعد مسح الرأس .
{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، وهما العظمان النائتان عند بداية الساق، وبينت السنة رخصة المسح على الخفين بدلاً من غسل الرجلين، كما بينت غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، وكون الغسل ثلاثاً ثلاثاً على وجه الاستحباب، وقول بسم الله عند الشروع، أي: البدء في الوضوء. كما بينت السنة وجوب الترتيب بين الأعضاء المغسولة الأول فالأول، ووجوب الفور بحيث لا يفصل بزمن بين أعضاء الوضوء حال غسلها بل يفعلها في وقت واحد إن أمكن ذلك وأكدت وجوب النية حتى لكأنه شرط في صحة الوضوء.
بعض الفقهاء يعدون النية فرضًا من فروض الوضوء، وبعضهم يعدها شرطًا، وما دام المشروط يتوقف على شرطه صحة وبطلانًا، والفرض إذا ترك بطل الوضوء فإنه خلاف لفظي لا غير.
وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } أي: وإن أصابت أحدكم جنابة وهي الجماع والاحتلام فمن جامع زوجته فأولج ذكره في فرجها ولو لم ينزل، أي: لم يخرج منه المني فقد أجنب، كما أن من احتلم فخرج منه مني فقد أجنب بل كل من خرج منه مني بلذة في نوم أو يقظة فقد أجنب وانقطاع دم حيض المرأة، ودم نفاسها؛ كالجنابة يجب منه الغسل، وقوله: {فَاطَّهَّرُوا} يريد فاغتسلوا وقد بينت السنة كيفية الغسل وهي: أن ينوي المرء رفع الحدث الأكبر بقلبه ويغسل كفيه قائلاً: بسم الله ويغسل فرجه وا حولهما، ثم يتوضأ الوضوء الأصغر المعروف، ثم يخلل أصول شعر رأسه ببلل يديه، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات، ثم يقبض الماء على شق جسده الأيمن كله من أعلاه إلى أسفله، ثم الأيسر، ويتعاهد الأماكن التي قد ينبو عنها الماء فلا يمسها؛ كالسرة وتحت الإبطين، والرفقين وهما أصل الفخذين.
وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ذكر تعالى في هذه الجملة الكريمة نواقض الوضوء وموجب الانتقال منه إلى التيمم فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} ، فالمريض قد يعجز عن الوضوء لضعف جسمه بعدم القدرة على التحرك، وقد تكون به جراحات أو دماميل يتعذر معها استعمال الماء حيث يزداد المرض بمس الماء،
وقوله: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إذ السفر مظنة عدم وجود الماء هذه موجبات الانتقال من الوضوء إلى التيمم، وقوله عز وجل: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} .
ذكر في الجملة الأولى نواقض الوضوء إجمالاً وهو الخارج من السبيلين من عذرة وفساء وضراط وبول ومذي كنى عنه بقوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} وهو مكان التغوط والتبول،أصل الغائط: أنه المكان المنخفض، ولما كان من يريد قضاء حاجته يأتي المكان المنخفض ليستتر عن أعين الناس، أطلق لفظ الغائط على ما يحل فيه من بول وعذرة.
وذكر موجب الغسل وهو الجماع، وكنى عنه بالملامسة، تعليماً لعباده المؤمنين الآداب الرفيعة في مخاطباتهم، وقوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} للوضوء أو الغسل بعد أن طلبتموه فلم تجدوه فتيمموا، اقصدوا من أم الشيء إذا قصده صعيداً طيباً يريد ما صعد على وجه الأرض من أجزائها؛ كالتراب والرمل والسبخة والحجارة، وقوله: {طَيِّباً} يريد به طاهراً من النجاسة والقذر، وقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} بين فيه كيفية التيمم، وهي أن يقصد المرء التراب الطاهر وإن تعذر ذلك فما تيسر له من أجزاء الأرض فيضرب بكفيه الأرض فيمسح بهما وجهه وكفيه طاهراً أو باطناً مرة واحدة وقوله تعالى: {مِنْهُ} أي: من ذلك الصعيد، وبهذا بين تعالى كيفية التيمم، وهي التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر رضي الله عنه .
وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} يخبر تعالى أنه يأمرنا بالطهارة بقسميها الصغرى وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وما ينوب عنهما عند العجز، وهو التيمم، ما يريد بذلك إيقاعنا في الضيق والعنت، ولكنه تعالى يريد بذلك تطهيرنا من الأحداث والذنوب، لأن الوضوء كفارة لذنب المتوضئ كما جاء بيانه في السنة ورد في فضل الوضوء أحاديث صحيحة كثيرة منها: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه" ، ومنها: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يرفع طرفه إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية" .
وهو قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي: بهدايتكم إلى الإسلام وتعليمكم شرائعه فيعدكم بذلك لشكره وهو طاعته بالعمل بما جاء به الإسلام من الأعمال الباطنة والظاهرة، وهو معنى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (6).
أما الآية الأخيرة (7) وهي قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فإنه تعالى يأمر عباده المؤمنين أن يذكروا نعمته عليهم بهدايتهم إلى الإيمان ليشكروه بالإسلام، كما يذكروا ميثاقه الذي واثقهم به، وهو العهد الذي قطعه المؤمن على نفسه لربه تعالى بالتزامه بطاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم عندما تعهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأما قوله: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} قد قالها الصحابة بلسان الحال عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقد قالها كل مسلم بلسان الحال لما شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أمر بالتقوى التي هي لزوم الشريعة والقيام بها عقيدة وعبادة وقضاء وأدباً وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} يذكرهم بعلم الله تعالى بخفايا أمورهم حتى يراقبوه ويخشوه في السر والعلن، وهذا من باب تربية الله تعالى لعباده المؤمنين لإكمالهم وإسعادهم فله الحمد وله المنة.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- الأمر بالطهارة وبيان كيفية الوضوء وكيفية الغسل، وكيفية التيمم.
وضلت الرافضة فأخذوا بقراءة: {وأرجلكم} بالكسر ومسحوا أرجلهم في كل وضوء وتركوا غسل الرجلين أبدًا، والحامل لهم على ذلك أن رؤسائهم زينوا لهم ذلك وأوجبوه عليهم لعلة أن يبقوا بعيدين عن الإسلام والمسلمين ليستغلوهم ماديًا، وليعدوهم لقتال المسلمين لإعادة دولة المجوس التي يحلمون بها، وأما أهل السنة والجماعة فإنهم عملوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم فغسلوا أرجلهم؛ لأن نبيهم لم يمسح رجليه بدون خف قط، ومسحوا على الخفين كما مسح نبيهم فأخذوا بالقراءتين معًا.
2- بيان الأعذار الناقلة للمؤمن من الوضوء إلى التيمم.
3- بيان موجبات الوضوء والغسل.
4- الشكر هو علة الإنعام.
5- ذكر العهود يساعد على التزامها والمحافظة عليها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير سورة المائدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: