الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القسم الثالث من تفسير سورة المائدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 662
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: القسم الثالث من تفسير سورة المائدة    الإثنين يناير 23, 2017 11:35 pm

تفسير سورة المائدة
الآيات /20/21/22/23/
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ(20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ(22) قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)}
شرح الكلمات:
{نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : منها نجاتهم من فرعون وملائه.
والنعمة: اسم جنس يطلق على الواحد والمتعدد؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} فهو دال على العدد الذي لا يحصى.
{إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} : منهم موسى وهارون عليهما السلام.
{وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} : أي: مالكين أمر أنفسكم بعد الاستعباد الفرعوني لكم.
{الْعَالَمِينَ} : المعاصرين لهم والسابقين لهم.
{الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ} : المطهرة التي فرض الله عليكم دخولها والسكن فيها بعد طرد الكفار منها.
{وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} : أي: ترجعوا منهزمين إلى الوراء.
{قَوْماً جَبَّارِينَ} : عظام الأجسام أقوياء الأبدان يجبرون على طاعتهم من شاءوا.
{يَخَافُونَ} : مخالفة أمر الله تعالى ومعصية رسوله.
{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا} : أي: بنعمة العصمة حيث لم يفشوا سر ما شاهدوه لما دخلوا أرض الجبارين لكشف أحوال العدو بها، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثنى عشر.
معنى الآيات:
ما زال السياق مع أهل الكتاب، وهو هنا في اليهود خاصة، إذ قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} كموسى وهارون عليهما السلام {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} تملكون أنفسكم لا سلطان لأمة عليكم إلا سلطان ربكم عز وجل.
روي عن الحسن وزيد ابن أسلم: "أن من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك". وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، كما في صحيح مسلم، إذ سأله رجل قائلاً: "ألسنا من فقراء المهاجرين. فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها. قال: نعم. قال: ألك منزل تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادمًا. قال: فأنت ملك".
{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} للسكن فيها والاستقرار بها فافتحوا باب المدينة وباغتوا العدو فإنكم تغلبون {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} أي: ولا ترجعوا إلى الوراء منهزمين فتنقلبوا بذلك خاسرين، لا أمر الله بالجهاد أطعتم، ولا المدينة المقدسة دخلتم وسكنتم، واسمع يا رسولنا جواب القوم ليزول استعظامك بكفرهم بك وهمهم بقتلك، ولتعلم أنهم قوم بهت سفلة لا خير فيهم، إذ قالوا في جوابهم لنبيهم موسى عليه السلام: {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} !!
{جَبّارِين} أي: عظام الأجسام طوالها، والجبار من الناس: المتعظم الممتنع من الذل والفقر، أو هو من يجبر الناس على مراده لقوته عليهم وقهره لهم، وذكر القرطبي هنا حديثًا مسهبًا، عن عوج بن عناق، وهو حديث خرافة لما فيه من التهاويل الباطلة.
وكان سبب هذه الهزيمة الروحية ما أذاعه النقباء من أخبار مهيلة مخيفة تصف العمالقة الكنعانيين بصفات لا تكاد تتصور في العقول، اللهم إلا اثنين منهم، وهما: يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا، وهما اللذان قال تعالى عنهما: {قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} أي: أمر الله تعالى {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا} فعصمهما من إفشاء سر ما رأوا من قوة الكنعانيين إلا لموسى عليه السلام قالا للقوم: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} أي: باب المدينة {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} ، وذلك لعنصر المباغتة، وهو عنصر مهم في الحروب، {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} وهاجموا القوم واقتحموا عليهم المدينة {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بما أوجب الله عليكم من جهاد وكتب لكم من الاستقرار بهذه البلاد والعيش بها، لأنها أرض القدس والطهر.
سقطت هذه الآية من التفسير: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} وهو قول موسى لقومه، وما آتاهم منه: المن والسلوى والغمام. وكون الأنبياء في بني إسرائيل في هذا المذكور تبدوا الخصوصية المذكورة في قوله: {مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} .
هذا ما تضمنته الآيات الأربع، وسنسمع رد اليهود على الرجلين في الآيات التالية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بإعلامه تعالى بخبث اليهود وشدة ضعفهم ومرض قلوبهم.في هذه الآيات تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلاقي من عنت وعناد له بالمدينة، لذا أعلمهم بما لاقى موسى منهم من غلظة وجفاء وتعنت وعناد.
2- فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم.
3- بيان الأثر السيئ الذي تركه إذاعة النقباء للأخبار الكاذبة المهولة، وقد استعملت ألمانيا النازية هذا الأسلوب ونجحت نجاحاً كبيراً حيث اجتاحت نصف أوربا في مدة قصيرة جداً.
4- بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس.
5- فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الأحد, ‏26 ‏ربيع الأول, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /24/25/26/
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(26)}
شرح الكلمات:
{لَنْ نَدْخُلَهَا} : أي: المدينة التي أمروا بمهاجمة أهلها والدخول عليهم فيها.هذا الجبن والخور الذي أصاب القوم سببه: ما أذاعه النقباء فيهم، ما عدا يوشع وكالب؛ من أن العمالقة قوم جبارون، أجسامهم كذا وكذا في طولها وعرضها، وقوتهم كذا وكذا...
{الْفَاسِقِينَ} : أي: عن أمر الله ورسوله بتركهم الجهاد جبناً وخوفاً.
{مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} : أي: تحريماً كونياً قضائياً لا شرعياً تعبدياً.
{يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} : أي: في أرض سيناء متحيرين فيها لا يدرون أين يذهبون مدة أربعين سنة.
{فَلا تَأْسَ} : أي: لا تحزن ولا تأسف.
معنى الآيات:
هذا هو جواب القوم على طالب الرجلين الصالحين باقتحام المدينة على العدو، إذ قالوا بكل وقاحة ودناء وخسة: {يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا} أي: المدينة {أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا} أي: ما دام أهلها فيها يدافعون عنها ولو لم يدافعوا، {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} أهل المدينة، أما نحن ف {هَاهُنَا قَاعِدُونَ} .
أيُّ تمردٍ وعصيان أكثرُ من هذا؟ وأيُّ جبنٍ وخورٍ أعظمُ من هذا؟ وأي سوء أدب أحط من هذا؟
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)} هذه العبارة تدل على جهل القوم بالله تعالى وبما يجب له من العظيم والوقار، وهي كلمة كفر إن لم يعذر صاحبها بجهل بالله تعالى وصفاته
وهنا قال موسى عليه السلام متبرئاً من القوم الفاسقين: رب: أي يا رب {إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي} يريد هارون {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} فطلب بهذا البراءة منهم ومن صنيعهم، إذ قد استوجبوا العذاب قطعاً، فأجابه ربه تعالى بقوله في الآية الثالثة(26) {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} أي: الأرض المقدسة أربعين سنة لا يدخلونها وفعلاً ما دخلوها إلا بعد مضي الفترة المذكورة "أربعين سنة" وكيف كانوا فيها؟ يتيهون في أرض سيناء متحيرين لا يدرون أين يذهبون ولا من أين يأتون، وعليه فلا تحزن يا رسولنا ولا تأسف على القوم الفاسقين، إذ هذا جزاؤهم من العذاب عُجل لهم فليذوقوه!!.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان جبن اليهود وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم.
2- وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم.
3- حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم.
التيه في اللغة: الحيرة. يقال: تاه يتيه تيهًا، إذا تحير، والأرض التيهاء التي لا يهتدي فيها، وتاه المرء في الأرض ذهب فيها متحيرًا لا يدري، أين يذهب أو يجيء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الإثنين, ‏27 ‏ربيع الأول, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /27/28/29/30/31/
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ(30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ(31)}
شرح الكلمات:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} : وأقرأ على اليهود الذين هموا بقتلك وقتل أصحابك.
{نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ} : خبر ابني آدم هابيل وقابيل.
{قُرْبَاناً} : القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ كالصلاة والصدقات.
قيل كان قربان قابيل: حزمة من سنبل؛ لأنه صاحب زرع فاختارها من أردئ زرعه، حيث إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها.
وأما قربان هابيل: فكان كبشًا؛ لأنه صاحب غنم واختاره من أجود غنمه.
القربان: اسم جنس يطلق على الواحد، والمتعدد، إذ لكل منهما قربان وليس قربانًا واحدًا اشتراكًا فيه.
فإن قيل كيف عرف القبول من عدمه؟ فالجواب: إن سنة الله تعالى فيمن سبق أن من قرب لله تعالى فقبله أرسل عليه نارًا من السماء فأحرقته.
ومن لم يتقبله لم يفعل به ذلك.
ويشهد له حديث الصحيح في غنائم بني إسرائيل إذ كانت محرمة عليهم ولم تحل إلا لإمة الإسلام، إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: " إن نارًا تنزل من السماء على الغنائم فتحرقها" .
{بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ} : مددت إليَّ يدك.
{أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ} : ترجع إلى الله يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك في معاصيك.
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} : شجعته على القتل وزينته حتى فعله.
{غُرَاباً} : طائراً أسود معروف يضرب به المثل في السواد.
يقال: أسود غريب، وقال الشاعر: حتى إذا شاب الغراب أتيت أهلي.
{يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} : يستر بالتراب جسد أخيه، وقيل: فيه سوءة، لأن النظر إلي الميت تكرهه النفوس، والسوءة: ما يكره النظر إليها.
معنى الآيات:
ما زال السياق القرآني الكريم في الحديث عن يهود بني النضير الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالله تعالى يقول لرسوله: واقرأ عليهم قصة ابني آدم هابيل وقابيل ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هموا به، توبيخاً لهم، وإظهاراً لموقفك الشريف منهم حيث عفوت عنهم، فلم تقتلهم بعد تمكنك منهم، وكنت معهم كخير ابني آدم، {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} ، أي: قرب كل منهما قرباناً لله تعالى فتقبل الله قربان أحدهما لأنه كان من أحسن ماله وكانت نفسه به طيبة، {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} وهو قابيل؛ لأنه كان من أردأ ماله، ونفسه به متعلقة، فقال لأخيه هابيل لأقتلنك حسداً له -كما حسدتك اليهود وحسدوا قومك في نبوتك ورسالتك- فقال له أخوه إن عدم قبول قربانك عائد إلى نفسك لا إلى غيرك {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} للشرك، فلو اتقيت الشرك لتقبل منك قربانك لأن الله تعالى لا يتقبل إلا ما كان خالصاً له، وأنت أشركت نفسك وهواك في قربانك، فلم يتقبل منك.
ووالله قسماً به. { لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} ، وعلل ذلك بقوله: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، أي: أن ألقاه بدم أرقته ظلماً.
وإن أبيت إلا قتلي فإني لا أقتلك لأني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، أي: ترجع إلى ربنا يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي فارقته في حياتك كلها، فتكون بسبب ذلك من أصحاب النار الخالدين فيها الذين لا يفارقونها أبداً، قال تعالى: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} ، {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} أي شجعته عليه وزينته له فقتله {فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} النادمين لأنه لم يدر ما يصنع به فكان يحمله على عاتقه ويمشي به حتى عفن، وعندئذ بعث الله غراباً يبحث في الأرض، أي: ينبش الأرض برجليه ومنقاره وينشر التراب على ميت معه حتى واراه: أي بعث الله الغراب ليريه كيف يواري، أي: يستر سوءة أخيه، أي جيفته، فلما رأى قابيل ما صنع الغراب بأخيه الغراب الميت قال متندما ًمتحسراً يا ويلنا، أي: يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك، ثم وبخ نفسه قائلاً: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} ، كما وارى الغراب سوءة أخيه، وأصبح من النادمين على حمله أو على قتله وعدم دفنه وبمجرد الندم لا يكون توبة مع أن توبة القاتل عمداً لا تنجيه من النار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يجب أن يتقرب به إليه تعالى.
2- عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة.
3- قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى.
4- بيان أول من سن جريمة القتل، وهو قابيل، ولذا ورد: ما من نفس تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل "نصيب" ذلك بأنه أول من سن القتل.
5- مشروعية الدفن وبيان زمنه.
يستحب توسعة القبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "احفروا وأوسعوا وأحسنوا اللحد". واللحد أفضل من الشق لقوله صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا والشق لغيرنا" . ويستحب لمن يضع الميت في قبره أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله، ولمن حضر الدفن أن يحثو على القبر من قبل رأسه ثلاثًا.
6- خير ابنى آدم المقتول ظلماً، وشرهما القاتل ظلماً.
وإن قيل ما تصنع بحديث الصحيح: "إذ التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قلت هذا الحديث فيمن يقاتل في غير حق استوجب القتل والقتال. أما من ظلم فدافع عن نفسه فقتل فهو شهيد بنص الحديث الصحيح. وكذا من بغى على المسلمين فقتاله واجب، ومن قاتله فهو مجاهد ومن قتل فهو شهيد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الثلاثاء, ‏28 ‏ربيع الأول, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآية /32/
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)}
شرح الكلمات:
{من أجل ذلك}: أي بسبب ذلك القتل.
قوله: {مِنْ أَجْل ذَلِك} : تعليل لقوله: {كَتَبْنا} ومن: ابتدائية، والأجل: الجراء والسبب، وهو مصدر أجل يؤجل ويأجل بمعنى: جنى واكتسب. فلذا هو يقال في الخير كما يقال في الشر، تقول: أكرمته لأجل علمه. كما تقول: أهنته لأجل فسقه. أما الجراء في قولك: فعلت كذا من جراء كذا. فهو مأخوذ من جر إذا سبب تقول: فعليّ كذا، جرى لي كذا، أي: سببه.
}كتبنا}: أوحينا.
{أو فساد في الأرض} : بحلابه لله ورسوله والمؤمنين.
{ومن أحياها}: قدرعلى قتلها وهي مستوجبه له فتركها.
من أحياها: معناه: من استنقذها من الموت، بأن عفى عنها بعد تعين القصاص عليها، أو دافع عنها حتى أنقذها ممن أراد قتلها لأن الإحياء بعد الموت ليس في مقدور الإنسان وإنما قد يهم المرء بالقتل ويعفو فيكون كمن أحياها.
{بالبينات}: الآيات والواضحةات حاملة للشرائع والدلائل.
{لمسرفون}: مكثرون من المعاصي والذنوب.
معنى الآية الكريمة:
يقول تعالى: إنه من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها من مفاسد ومضار لا يقادر قدرها، أوحينا على بني إسرائيل لكثرة ما شاع بينهم من القتل وسفك الدماء، فقد قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس لأجل هذه الضراوة على القتل، فقد قتلوا رسولين: زكريا ويحي، وهموا بقتل المرسلين العظيمين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، من أجل ذلك1 شددنا2 عليهم في العقوبة، إذ من قتل منهم نفساً بغير نفس أي ظلماً وعدواناً، أو قتلها بغير فساد قامت به في الأرض، وهو حرب الله ورسوله والمؤمنين {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} بمعنى يعذب عذاب قتل الناس جميعاً يوم القيامة، {وَمَنْ أَحْيَاهَا} بأن استوجب القتل فعفا عنها وتركها لله إبقاء عليها {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} يعني يُعطى أجر من أحيا الناس جمعياً، كل هذا شرعه الله تعالى لهم تنفيراً لهم من القتل الذي أصروا عليه، وترغيباً لهم في العفو الذي جافوه وبعدوا عنه فلم يعرفوه، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} يخبر تعالى عن حالهم مسلياً رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - عما يحمله من همّ منهم، وهم الذين تآمروا على قتله أن الشر الذي لازم اليهود والفساد الذي أصبح وصفاً لازماً لهم وخاصة المؤامرات بالقتل وإيقاد نار الحروب لم يكن عن جهل وعدم معرفة منهم لا أبداً، بل جاءتهم رسلهم بالآيات البينات والشرائع القويمة والآداب الرفيعة، ولكنهم قوم بهت متمردون على الشرائع مسرفون في الشر والفساد، ولذا فإن كثيراً منهم والله لمسرفون في الشر والفساد، وبنهاية هذه الآية ومن قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} وهي الآية(11) انتهى الحديث عن اليهود المتعلق بحادثة همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد ذكر تسلية لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، كما هو تسلية لكل مؤمن يتعرض لمكر اليهود عليهم لعائن الله.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} هذه الجملة: تذييل لما سبق من حكم الله تعالى فيهم، حيث شرع لهم وأعلمهم بأن من يقتل نفسًا ظلمًا وعدوانًا يعتبر شرعًا كأنما قتل الناس جميعًا، ذكر فيه أنه لا عذر لهم فيما عوقبوا به، إذ لم يكونوا جاهلين لمجيئتهم رسلهم بالآيات البينات تحمل الشرائع والهدايات، ومع هذا فإن كثير منهم مسرفون في المعاصي والجرائم العظام؛ كالقتل في الأرض.
هداية الآية
من هداية الآية:
1- تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل، ومع الأسف لم ينتفعوا به.
2- فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن الجهل وقلة العلم، بل كان اتباعاً للأهواء وجرياً وراء عارض الدنيا. فلذا غضب الله عليهم ولعنهم؛ لأنهم عالمون.شاهده من القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} من الممتحنة، و {غير المغضوب عليهم} من الفاتحة.
3- بالرغم من تضعيف جزاء الجريمة على اليهود، ومضاعفة أجر الحسنة لهم فإنهم أكثر الناس إسرافاً في الشر والفساد في الأرض.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الأربعاء, ‏29 ‏ربيع الأول, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيتان /33/34/.
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(34)}
شرح الكلمات:
{يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : بالخروج عن طاعتهما وحمل السلاح على المؤمنين وقتلهم وسلب أموالهم والاعتداء على حرماتهم.
{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} : بإخافة الناس وقطع طرقهم وسلب أموالهم والاعتداء على أعراضهم.
{أَوْ يُصَلَّبُوا} : يشدون على أعواد الخشب ويقتلون، أو بعد أن يقتلوا.
{مِنْ خِلافٍ} : بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس.
{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} : أي من أرض الإسلام.
{خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} : ذل ومهانة.
{عَذَابٌ عَظِيمٌ} : عذاب جهنم.
{أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} : أي: تتمكنوا منهم بأن فروا بعيداً ثم جاءوا مسلمين.
الجمهور على أن سبب نزول هذه الآية: {إنْمَا جَزاء...} إلخ. هو العرنيون الذين نزلوا المدينة وادعوا أنهم اجتووها، أي: أمرضهم مناخها فأمر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها فخرجوا خارج المدينة، ولما شفوا وصحوا قتلوا الراعي ومثلوا به، وذهبوا بالإبل فلحقتهم خيل المسلمين فردتهم ونزلت هذه الآية ببيان حكم الله فيهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فبقى هذا تشريعًا يطبق على مثلهم إلى يوم القيامة.
لأن العرنيين وكانوا سبعة ثلاثة من عُكل، وأربعة من عرينة كفروا بعد إيمانهم الذي أظهروا بالمدينة، ثم ادعوا أنهم استوخموا المدينة فساعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة منه بما يشفيهم، فلما شفوا وصحوا كفروا وقلتوا الراعي وساقوا الإبل، والأية عامة في المرتد وغيره، والحكم ما بين الله تعالى في هذه الآية لا غيره، وصيغة الحصر فيها إنما ظاهرة.
معنى الآيتين:
لما ذكر تعالى ما أوجبه على اليهود من شدة العقوبة وعلى جريمة القتل والفساد في الأرض كسراً لحدة جرءتهم على القتل والفساد، ذكر هنا حكم وجزاء من يحارب المسلمين ويسعى بالفساد في ديارهم فقال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} بالكفر بعد الإيمان والقتل والسلب بعد الأمان، {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} بتخويف المسملين، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} .
ومعنى: يقتلوا: واحداً بعد واحد نكاية لهم وإرهاباً وتعزيراً لغيرهم.
ومعنى: يصلبوا: بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام، ومعنى: ينفوا من الأرض: يخرجوا من دار الإسلام، أو إلى مكان ناءٍ كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمون من شرهم وآذاهم، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزياً وذلاً لهم في الدنيا {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو عذاب النار.
وقوله تعالى: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} فهذا استثناء متصل من أولئك المحاربين بأن من عجزنا عنه فلم نتمكن من القبض عليه، وبعد فترة جاءنا تائباً فإن حكمه يختلف عمن قبله.
وقوله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يحمل إشارة واضحة إلى تخفيف الحكم عليه، وذلك فإن كان كافراً وأسلم فإن الإسلام يجب ما قبله، فيسقط عنه كل ما ذكر في الآية من عقوبات..
وإن كان مسلماً فيسقط بالصلب ويجب عليه رد المال الذي أخذه إن بقي في يده، وإن قتل أو فجر وطالب بإقامة الحد عليه أقيم عليه الحد، وإلا ترك لله والله غفور رحيم.
إن كان المحاربون مسلمين؛ فالخزي لهم هو نزول العقوبة بهم في الدنيا من القتل والصلب والنفي، وفي الآخرة ينجون من عذابها، إن تابوا قبل موتهم. وإن كان المحاربون كافرين؛ فالخزي عذاب الدنيا والعذاب العظيم لهم في الآخرة. وفرقنا بين المسلمين والكافرين؛ لأن المسلمين إقامة الحد عليهم يكفر ذنب الجريمة، للحديث الصحيح في البيعة: "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئًا فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" . فقوله: {فَهوَ كفَارَة له} دليل على سقوط عذاب الآخرة بالحد.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
1- بيان حكم الحرابة وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى ا لصحراء بعيداً عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض، هذه هي الحرابة وأهلها، يقال لهم: المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى(33).
2- الإمام مخير في إنزال العقوبة التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن، إن قلنا أو في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً يُنفى.
2 الجمهور على أن اللص كالمحارب يناشد بالله تعالى أن يكف وينصرف وإن أبى يُقاتل ويقتل، ومن قتله اللص فهو في الجنة، وإن قتل اللص فهو النار، لحديث الصحيح، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت يا رسول الله إن جاء يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطيه مالك". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: فإن قتلته؟ قال: "فهو في النار" .
3- من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفى عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذنوبه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك.
4- عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له.
إن تعذر النفي فالسجن يقوم مقامه، إذ هو نفي من ظاهر الأرض إلى باطنها. كما قال الشاعر:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ...عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
القسم الثالث من تفسير سورة المائدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: