الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القسم الخامس من تفسير سورة المائدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 662
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: القسم الخامس من تفسير سورة المائدة    الإثنين يناير 23, 2017 11:39 pm

تفسير سورة المائدة
الآيات /54/55/56/.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(56)}
شرح الكلمات:
{مَنْ يَرْتَدَّ} : أي: يرجع إلى الكفر بعد إيمانه.
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} : أرقاء عليهم رحماء بهم.
{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} : أشداء غلاظ عليهم.
قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد،والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار؛ كالسبع على فريسته.
{لَوْمَةَ لائِمٍ} : عذل عاذل.
{حِزْبَ اللَّهِ} : أنصار الله تعالى.
معنى الآيات:
هذه الآية الكريمة (54): {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} تضمنت خبراً من أخبار الغيب التي يخبر بها القرآن فتتم طبق ما أخبر به فتكون آية أنه كلام الله حقاً وأن المنزل على رسوله صدقاً، فقد أخبر تعالى أنه من يرتد من المؤمنين سوف يأتي الله عز وجل بخير منه ممن يحبون الله ويحبهم الله تعالى رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوم من يلوم، ولا عتاب من يعتب عليهم. وما إن مات الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ارتد فئات من أجلاف العراف ومنعوا الزكاة وقاتلهم أبو بكر مع الصحابة رضوان الله عليهم حتى أخضعوهم للإسلام وحسن إسلامهم فكان أبو بكر وأصحابه ممن وصف الله تعالى يحبون الله ويحبهم الله يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم، وقد روي بل وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية وتلاها صلى الله عليه وسلم وأبو موسى الأشعري أمامه فأشار إليه وقال قوم هذا، وفعلاً بعد وفاة الرسول جاء الأشعريون وظهرت الآية وتمت المعجزة وصدق الله العظيم.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ} الإشارة إلى ما أولى أولئك المؤمنين من أبي بكر الصديق والصحابة والأشعريين من تلك الصفات الجليلة من حب الله والرقة والرأفة على المؤمنين والشدة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي: واسع الفضل عليم بمن يستحقه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى.
أما الثانية (55) فقد تضمنت طمأنة الرب تعالى لعباده بن الصامت وعبد الله بن سلام ومن تبرأ من حلف اليهود ووالى الله ورسوله فأخبرهم تعالى أنه هو وليهم ورسوله والذين آمنوا {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي: خاشعون متطامنون، وأما ولاية اليهود والنصارى فلا خير لهم فيها وهم منها براء فقصرهم تعالى على ولايته وولاية رسوله والمؤمنين الصادقين.
وفي الآية الثالثة أخبرهم تعالى أن من يتول الله ورسوله والذين آمنوا ينصره الله ويكفه ما يهمه، لأنه أصبح من حزب الله، وحزب الله أي أولياؤه وأنصاره هم الغالبون، هذا ما دلت عليه الآية الكريمة وهي قوله
تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- إخبار القرآن الكريم بالغيب وصدقه في ذلك فكان آية أنه كلام الله.
2- فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن.
3- فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين، وفضل الجهاد في سبيل الله وقول الحق والثبات عليه وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك.
4- فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع والتواضع.
5- ولاية الله ورسوله والمؤمنين الصادقين توجب لصاحبها النصر والغلبة على أعدائه.
قال ابن إسحاق لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلى ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثي. جؤاثي: اسم حصن بالبحرين، وكان المرتدون على قسمين: قسم منعوا الزكاة واعترفوا بباقي الشريعة، وقسم نبذوا الشريعة.
يروى أن عليًا رضي الله عنه كان يصلي نافلة في المسجد فسأله أحد فرمى إليه بالخاتم وهو يصلي فاستدل الفقهاء بهذا أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏الخميس, ‏07 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /57/58/59/60/.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ(58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ(59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(60)}
شرح الكلمات:
{هُزُواً وَلَعِباً} : الهزء: ما يُهزأ به ويسخر منه. واللعب: ما يعلب به.
{أُوتُوا الْكِتَابَ} : هم اليهود في هذا السياق.
{وَالْكُفَّارَ} : المشركون.
{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} : أذنتم بها.
{هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} : أي: ما تنقمون منا، ومعنى تنقمون هنا تنكرون منا وتعيبون علينا.
{مَثُوبَةً} : جزاء.
{فَاسِقُونَ} : خارجون عن طاعة الله تعالى بالكفر والمعاصي.
{الْقِرَدَةَ} : جمع قرد حيوان معروف مجبول على التقليد والمحاكاة.
{وَالْخَنَازِيرَ} : جمع خنزير حيوان خبيث معروف محرم الأكل.
{شَرٌّ مَكَاناً} : أي: منزلة يوم القيامة في نار جهنم.
معنى الآيات:
مازال السياق في تحذير المؤمنين من موالاة اليهود وأعداء الله ورسوله، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً {لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ} الإسلامي {هُزُواً} شيئاً يهزءون به، ولعباً، أي: شيئاً يلعبون به {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يعني اليهود، والكفار، وهم المنافقون والمشركون {أولياء} أنصاراً وأحلافاً {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في ذلك، أي: في اتخاذهم أولياء {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} صادقين في إيمانكم فإن حب الله ورسوله والمؤمنين يتنافى معه حب أعداء الله ورسوله والمؤمنين, هذا ما دلت عليه الآية الأولى(57).
أما الآية الثانية(58) فقد تضمنت إخبار الله تعالى بما يؤكد وجوب معاداة من يتخذ دين المؤمنين هزواً ولعباً وهم أولئك الذين إذا سمعوا الآذان ينادى للصلاة اتخذوه هزواً ولعباً، فهذا يقول ما هذا الصوت وآخر يقول هذا نهيق حمار، قبح الله قولهم وأقمأهم. فقال تعالى عنهم: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} . حقاً إنهم لا يعقلون، فلو كانوا يعقلون الكلام لكان النداء إلى الصلاة من أطيب ما يسمع العقلاء لأنه نداء إلى الطهر والصفاء وإلى الخير والمحبة والألفة، نداء إلى ذكر الله وعبادته، ولكن القوم كما أخبر تعالى عنهم: {لا يَعْقِلُونَ} شأنهم شأن البهائم والبهائم أفضل منهم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
أما الآية الثالثة(59) فقد تضمنت تعليم الله تعالى لرسوله أن يقول لأولئك اليهود والكفرة الفجرة: يا أهل الكتاب إنكم بمعاداتكم لنا وحربكم علينا ما تنقمون منا أي ما تكرهون منا ولا تعيبون علينا إلا إيماننا بالله وما أنزل علينا من هذا القرآن الكريم وما أنزل من قبل من التوراة والإنجيل، وكون أكثركم فاسقين فهل مثل هذا ينكر من صاحبه ويعاب عليه؟ اللهم لا، ولكنكم قوم لا تعقلون، هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} .
أما الآية الرابعة في هذا السياق (60) فقد تضمنت تعليم الله لرسوله كيف يرد على أولئك اليهود إخوان القردة والخنازير قولهم: لا نعلم ديناً شراً من دينكم، وذلك أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: بمن تؤمن؟ فقال: أؤمن بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل على موسى وما أنزل على عيسى، فلما قال هذا، قالوا: لا نعلم ديناً شراً من دينكم بغضاً لعيسى عليه السلام وكرهاً له، فأنزل الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً} أي: ثواباً وجزاء {عِنْدَ اللَّهِ} أنه {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} إذ مسخ طائفة منهم قردة، وأخرى خنازير على عهد داود عليه السلام، وقوله: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت وهو الشيطان، و ذلك بطاعته والانقياد لما يجلبه عليه ويزينه له من الشر والفساد، إنه أنتم يا معشر يهود، إنكم لشر مكاناً يوم القيامة وأضل سبيلاً اليوم في هذه الحياة الدنيا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة اتخاذ اليهود والنصارى والمشركين أولياء لا سيما أهل الظلم منهم.
2- سوء أخلاق اليهود وفساد عقولهم.
3- شعور اليهود بفسقهم وبعد ضلالهم جعلهم يعملون على إضلال المسلمين.
4- تقرير وجود مسخ في اليهود قردة وخنازير.
5- اليهود شر الناس مكاناً يوم القيامة, وأضل الناس في هذه الدنيا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏‏الجمعة, ‏08 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /61/62/63/.
{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ(61) وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(62) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(63)}
شرح الكلمات:
{يَكْتُمُونَ} : أي: يضمرون في نفوسهم ويخفونه فيها.
{فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} : الإثم: كل ضار وفاسد وهو ما حرمه الله تعالى من اعتقاد أو قول أو عمل، والعدوان، والعدوان: الظلم.
{السُّحْتَ} : المال الحرام؛ كالرشوة والربا، وما يأخذونه من مال مقابل تحريف الكلم وتأويله.
{الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} : الربانيون هنا العباد المربون.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في فضح اليهود وبيان خبثهم زيادة في التنفير من موالاتهم فأخبر تعالى في الآية الأولى عن منافقيهم فقال: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ} يريد: غشوكم في مجالسكم، {قَالُوا آمَنَّا} وما آمنوا ولكنهم ينافقون لا غير فقد دخلوا بالكفر في قلوبهم وخرجوا به, {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} من الكفر والكيد لكم. هذا معنى قوله تعالى في الآية الأولى(61) {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} .
وأما الآية الثانية(62) فقد أخبر تعالى رسوله أنهم لكثرة ما يرتكبون من الذنوب ويغشون من المعاصي ترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت علناً لا يستترون به ولا يخفونه ثم ذمهم الله تعالى ذلك وقبح فعلهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
وفي الآية الأخيرة: أنكر على عبادهم وعلمائهم سكوتهم عن جرائم عوامهم ورضوا بها مصانعة لهم ومداهنة ، فقال تعالى: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ4 الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} أي: لم لا ينهونهم عن قولهم الإثم، أي: الكذب، وأكلهم السحت. الرشوة والربا، ثم ذم تعالى سكوت العلماء عنهم بقوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} أي: وعزتي وجلالي لبئس صنيع هؤلاء من صنيع حيث أصبح السكوت المتعمد لمنافع خاصة يحصلون عليها صنعة لهم أتقنوها وحذقوها. والعياذ بالله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجود منافقين من اليهود على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
2- بيان استهتار اليهود وعدم مبالاتهم بارتكابهم الجرائم علانية.
3- قبح سكوت العلماء على المنكر وإغضائهم على فاعليه، ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية أشد آية وأخطرها على العلماء.
قال ابن عباس رضي الله عنه: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية. { لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، والآية وإن نزلت في يهود المدينة، فقد ذكرت النصارى لأن حالهم سواء. والآية تنطبق اليوم على علماء المسلمين حيث تركوا الأمر والنهي، والعياذ بالله تعالى من عاقبة ذلك. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" . الترمذي وصححه. ولولا هنا: أداة تحظيظ، والمراد: توبيخ علماؤهم وعابديهم على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
‏السبت, ‏09 ‏ربيع الثاني, ‏1438.
تفسير سورة المائدة

الآيات /64/65/66/.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ(65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)}
شرح الكلمات:
{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} : يريدون أنه تعالى ضيق عليهم الرزق ولم يوسع عليهم.
/القائل: فنحاص اليهودي عليه لعائن الله وهو يعنى: بمغلولة: بخيلة لا تنفق، وهو كاذب، بل يمين الله ملأى لا يغيظها نفقة سحاء الليل والنهار: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" حديث الشيخين./
{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} : دعاء عليهم بأن يحرموا الإنفاق في الخير وفيما ينفعهم.
{وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} : طردوا من رحمة الله بسبب وصفهم الرب تعالى بالبخل.
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} : لا كما قالوا لعنهم الله: يد الله مغلولة، أي: ممسكة عن الإنفاق.
{طُغْيَاناً} : تجاوزاً لحد الاعتدال في قولهم الكاذب وعملهم الفاسد.
{وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} : أي: بين اليهود والنصارى.
{أَوْقَدُوا نَاراً} : أي: نار الفتنة والتحريش والإغراء والعداوات للحرب.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ} : اليهود والنصارى.
{مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} : كناية عن بسط الرزق عليهم.
{أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} : معتدلة لا غالبة مفرطة، ولا جافية مفرطة.
معنى الآيات:
يحبر تعالى عن كفر اليهود وجرأتهم على الله تعالى بباطل القول وسيء العمل، فيقول: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} يريدون أنه تعالى أمسك عنهم الرزق وضيقه عليهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} هو دعاء عليهم بأن لا يوفقوا للإنفاق فيما ينفعهم {ولعنوا بما قالوا} . ولعنهم تعالى ولعنهم كل صالح في الأرض والسماء بسبب قولهم الخبيث الفاسد. وأكذبهم تعالى في قولهم {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} فقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} كما قال عنه رسوله في الصحيح: "يمين الله سحاء تنفق الليل والنهار"
ثم أخبر تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ليسله ويخفف عنه ما يجد في نفسه من جراء كفر اليهود وخبثهم فقال: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ} أي: من اليهود {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} من الآيات التي تبين خبثهم وتكشف النقاب عن سوء أفعالهم المخزية لهم. { طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي: إبعاداً في الظلم والشر وكفراً بتكذيبك وتكذيب ما أنزل إليك وذلك دفعاً للحق ليبرروا باطلهم وما هم عليه من الاعتقاد الفاسد والعمل السيء، ثم أخبر تعالى رسوله بتدبيره فيهم انتقاماً منهم فقال عز وجل من قائل: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي: أن العداوة بين اليهود والنصارى لا تنتهي إلى يوم القيامة، ثم أخبر عن اليهود أنهم {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ} وذلك بالتحريش بين الأفراد والجماعات وحتى الشعوب والأمم، وبالإغراء، وقالة السوء، {أَطْفَأَهَا اللَّه} تعالى فلم يفلحوا فيما أرادوه، وقد أذلهم الله على يد رسوله والمؤمنين وأخزاهم وعن دار الإيمان أجلاهم وأخبر تعالى أنهم يسعون دائماً وأبداً في الأرض بالفساد، فلذا أبغضهم الله وغضب عليهم، لأنه تعالى لا يحب المفسدين، هذا ما دلت عليه الآية الأولى(64).
أما الآية الثانية(65) وهي قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ} من يهود ونصارى {آمَنُوا} بالله ورسوله وبما جاء من الدين الحق وعملوا به، {وَاتَّقَوْا} الكفر والشرك وكبائر الذنوب الفواحش، لكفر الله عنهم سيئآتهم فلم يؤاخذهم ولم يفضحهم بها ولأدخلهم جنات النعيم.
وهذا وعد الله تعالى اليهود والنصارى فلو أنهم آمنوا واتقوا لأنجزه لهم قطعاً, وهو لا يخلف الميعاد.
أما الآية الأخيرة(66) في هذا السياق فهي تتضمن وعداً إلهياً آخر وهو أن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك القرآن الكريم، ومعنى أقاموا ذلك آمنوا بالعقائد الصحيحة الواردة في تلك الكتب وعملوا بالشرائع السليمة والآداب الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تضمنتها تلك الكتب لو فعلوا ذلك لبسط الله تعالى عليهم الرزق وأسبغ عليهم النعم ولأصبحوا في خيرات وبركات تحوطهم من كل جانب هذا ما وعدهم الله به.
ثم أخبر تعالى عن واقعهم المرير فقال: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} لم تغل ولم تحف فلم تقل في عيسى عليه السلام أنه ابن الله ولا هو ابن زنى، ولكن قالت عبد الله ورسوله، ولذا لما جاء النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بشارة عيسى عليه السلام آمنوا به وصدقوا بما جاء به من الهدى والدين الحق وهم عبد الله بن سلام وبعض اليهود، والنجاشي من النصارى وخلق كثير لا يحصون عداً.
وكثير من أهل الكتاب ساء، أي: قبح ما يعلمون من أعمال الكفر والشرك والشر والفساد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- أقبح وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وكماله.
2- ثبوت صفة اليدين لله تعالى ووجوب الإيمان بها على مراد الله تعالى، وعلى ما يليق بجلاله وكماله.
3- تقرير ما هو موجود بين اليهود والنصارى من عداوة وبغضاء وهو من تدبير الله تعالى.
4- سعى اليهود الدائم في الفساد في الأرض فقد ضربوا البشرية بالذهب المادي الإلحادي الشيوعي، وضربوها أيضاً بالإباحة ومكائد الماسونية.
5- وعد الله لأهل الكتاب على ما كانوا عليه لو آمنوا واتقوا لأدخلهم الجنة.
6- وعده تعالى لأهل الكتاب ببسط الرزق وسعته لو أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، أي: لو أنهم أخذوا بما في التوراة والإنجيل من دعوتهم إلى الإيمان بالنبي الأمي والدخول في الإسلام لحصل لهم ذلك كما حصل للمسلمين طيلة ثلاثة قرون وزيادة. وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً.
1546 - " أنا دعوة أبي إبراهيم ، و كان آخر من بشر بي عيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام " .
قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 4 / 62 :
رواه ابن عساكر في " التاريخ " ( 1 / 265 / 2 ) عن بشر بن عمارة عن الأحوص بن
حكيم عن خالد بن سعد عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت : قيل : يا
رسول الله أخبرنا عن نفسك . قال : نعم ، أنا ... الحديث .
قلت : و هذا إسناد ضعيف ، بشر بن عمارة و الأحوص بن حكيم ضعيفان لكن يشهد له
حديث أبي أمامة قال : " يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك ؟ " قال : فذكره بلفظ
: " دعوة أبي إبراهيم ، و بشرى عيسى ، و رأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها
قصور الشام " . أخرجه أحمد ( 5 / 262 ) : حدثنا أبو النضر حدثنا فرج حدثنا لقمان بن عامر قال : سمعت أبا أمامة قال : قلت : فذكره . و أخرجه ابن سعد في
" الطبقات " ( 1 / 102 ) و ابن عدي ( 165 / 1 ) .
قلت : و هذا إسناد حسن كما قال الهيثمي ( 8 / 222 ) قال : " و له شواهد تقويه ،
و رواه الطبراني " .
قلت : منها الحديث الذي قبله . و منها ما رواه بحير بن سعيد عن خالد عن عتبة
ابن عبد السلمي نحوه أتم منه بلفظ : " كانت حاضنتي ... " الحديث . و قد مضى
بتمامه و تخريجه برقم ( 373 ) .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأحد, ‏10 ‏ربيع الثاني, ‏1438.
تفسير سورة المائدة
الآيات /67/68/69/.
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(69)}
شرح الكلمات:
{الرَّسُولُ} : ذكر من بني آدم أوحي إليه شرع وأمر بتبليغه وهو هنا محمد صلى الله عليه وسلم.
{بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} : من التوحيد والشرائع والأحكام.
روى مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: من حدثك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...} الآية.
{يَعْصِمُكَ} : يحفظك حفظاً لا يصل إليك معه أحد بسوء.
{فَلا تَأْسَ} : لا تأسف ولا تحزن.
{هَادُوا} : اليهود.
{وَالصَّابِئُونَ} : جمع صابئ، وهم فرقة من أهل الكتاب.
معنى الآيات:
في الآية الأولى(67) ينادي الرب تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم معظماً له بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} المبجل ليأمره بإبلاغ ما أوحاه إليه من العقائد والشرائع والأحكام فيقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} .
ويقول له: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ} أي: إن قصرت في شيء لم تبلغه لأي اعتبار من الاعتبارات {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي: فكأنك لم تبلغ شيئاً، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي: يمنعك من أن يمسوك بشيء من الأذى، ولذا فلا عذر لك في ترك إبلاغ أي شيء سواء كان مما يتعلق بأهل الكتاب أو بغيرهم، ولذا فلم يكتم رسول الله شيئاَ مما أمر بإبلاغه البتة. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} تقرير لوعده تعالى بعصمة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ هو تعالى لا يوفق الكافرين لما يريدون ويرغبون فيه من أذية رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: " لا تحرسوني فإن الله قد عصمني" هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية(68) وهي قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ 3 رَبِّكُمْ} لقد تقدم هذا السياق وأعيد هنا تقريراً له وتأكيداً وهو إعلام من الله تعالى أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء من الدين الحق ولا من ولاية الله تعالى حتى يقيموا ما أمروا به وما نهوا عنه وما انتدبوا إليه من الخيرات والصالحات مما جاء في التوراة والإنجيل والقرآن أيضاً. وقوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} هذا إخبار من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن كثيراً من اليهود والنصارى يزيدهم ما يوحي الله تعالى إلى رسوله وما ينزله عليه في كتابه من أخبار
أهل الكتاب مما هو بيان لذنوبهم وضلالهم. ومما هو أمر لهم بالإيمان بالنبي الأمي واتباعه على الدين الحق الذي ارسل به يزيدهم ذلك طغياناً، أي: علواً وعتواً وكفراً فوق كفرهم. ولذا فلا تأس، أي: لا تحزن على عدم إيمانهم بك وبما جئت به لأنهم قوم كافرون.
أما الآية الثالثة(69) وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} فالذين آمنوا هم المسلمون، واليهود والنصارى والصابئون وهم فرقة منهم هم أهل الكتاب فجميع هذه الطوائف من آمن منهم الإيمان الحق بالله وباليوم الآخر وأتى بلازم الإيمان وهو التقوى وهي ترك الشرك والمعاصي أفعالاً وتروكاً فلا خوف عليه في الدنيا ولا في البرزخ ولا يوم القيامة ولا حزن يلحقه في الحيوات الثلاث وعد الله حقاً {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً} !.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب البلاغ على الرسل ونهوض رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الواجب على أكمل وجه وأتمه.
2- عصمة الرسول المطلقة.
3- كفر أهل الكتاب إلا من آمن منهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء به من الدين الحق.
4- أهل العناد والمكابرة لا تزيدهم الأدلة والبراهين إلا عتواً ونفوراً وطغياناً وكفراً.
5- العبرة بالإيمان والعمل الصالح وترك الشرك و المعاصي لا بالإنتساب إلى دين من الأديان.
/ في الآية رد على الرافضة القائلين: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا مما أمر بإبلاغه تقية وكذبوا ورب الكعبة قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: لو كان في إمكان الرسول أن يكتم شيئًا لكتم: {عَبَسَ وَتَولّى} إذ هي عتاب له صلى الله عليه وسلم.
/ روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: " ليت رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: فبينما كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال: "من هذا" قال سعد بن أبي وقاص. فقال له: "ما جاء بك" فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه .
فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف ونزلت هذه الآية.
/ قال ابن عباس رضي الله عنهما: جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تقر أن التوراة حق من عند الله. قال: "بلى" فقالوا: إنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها. فنزلت الآية: { لستم على شيء...} إلخ.
في هذا الإرشاد الإلهي تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وليس بنهي عن الحزن إذ لا يقدر المرء على دفع الحزن وإنما يقدر على ترك مثيراته، فإنه متى ترك العرض لها لم يوجد في نفسه حزن.
/ في ذكر المؤمنين، وهم: المسلمون، مع اليهود، والصائبين، والنصارى، إشارة أبلغ من عبارة، وهي: أن العبرة ليست بالأنساب ولا الانتساب ولا بزمان أو مكان. وإنما النجاة من النار ودخول الجنة متوقفان على الإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر والعمل الصالح الذي جاء به كتاب الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
/ اختلف في إعراب {والصابئون} على أقوال نكتفي بقول منها: وهو أن تكون مبتدأ وخبرها محذوف تقديره: والصابئون كذلك على حد قول الشاعر:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
أي: كذلك، وتقدير الكلام: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} والصابئون كذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الإثنين, ‏11 ‏ربيع الثاني, ‏1438.
تفسير سورة المائدة
الآيات /70/71/72/.
{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ(70) وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(71) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(72)}
شرح الكلمات:
الميثاق : العهد المؤكد باليمين.
{بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ} : بما لا يحبونه ولا تميل إليه أنفسهم المريضة.
{فَرِيقاً كَذَّبُوا} : أي: كذبوا طائفة من الرسل وقتلوا طائفة أخرى.
{أَلا1 تَكُونَ فِتْنَةٌ} : أي: أن لا يبتلوا بذنوبهم بالشدائد والمحن.
{فَعَمُوا وَصَمُّوا} : عموا عن العبر، وصموا عن سماع المواعظ.
{مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} : أي: يشرك بالله غيره تعالى من سائر الكائنات فيعبده مع الله بأي نوع من أنواع العبادات.
{حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} : حكم بمنعه من دخولها أبداً إلا أن يتوب من الشرك.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب فقد أقسم تعالى على أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، وذلك في التوراة بأن يعبدوا الله وحده بما شرع لهم فيطيعوه في أمره ونهيه وأرسل إليهم رسله تترا كلما جاءهم رسول بما لا يوافق أهواءهم كذبوه فيما جاءهم به ودعاهم إليه. أو قتلوه.
وحسبوا أن لا يؤاخذوا بذنوبهم فعموا عن الحق صموا عن سماع المواعظ فابتلاهم ربهم وسلط عليهم من سامهم سوء العذاب، ثم تاب الله عليهم فتابوا واستقام أمرهم وصلحت أحوالهم ثم عموا وصموا مرة أخرى إلا قليلاً منهم فسلط عليهم من سامهم سوء العذاب أيضاً، وهاهم أولاء في عمى وصمم والله بصير بما يعملون وسوف ينزل بهم بأساه إن لم يتوبوا فيؤمنوا بالله ورسوله ويدينوا بالدين الحق الذي هو الإسلام.
/إشارة إلى تاريخ بني إسرائيل، فقد استقام أمرهم وقامت دولتهم في فلسطين على عهد يوشع بن نون فتى موسى، ثم دالت دولتهم بجرائمهم على عهد البابليين ثم اجتمعت كلمتهم وقامت دولتهم على عهد داود وسليمان، ثم دالت دولتهم بجرائمهم التي نعاها الله تعالى عليهم في هذه الآية على يد الرومان./
هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية(70-71).
أما الآية الثالثة(72) وهو قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} فقد أخبر تعالى مقرراً حكمه بالكفر على من افترى عليه وعلى رسوله فادعى أن الله جل جلاله وعظم سلطانه هو المسيح بن مريم تعالى الله أن يكون عبداً من عباده.
إشارة إلى تاريخ بني إسرائيل، فقد استقام أمرهم وقامت دولتهم في فلسطين على عهد يوشع بن نون فتى موسى، ثم دالت دولتهم بجرائمهم على عهد البابليين ثم اجتمعت كلمتهم وقامت دولتهم على عهد داود وسليمان، ثم دالت دولتهم بجرائمهم التي نعاها الله تعالى عليهم في هذه الآية على يد الرومان.
هذا قول اليعقوبية، وهم: فرقة من النصارى، لأنهم قالوا: باتحاد الابن والأب؛ فكأن المسيح هو الله في اعتقادهم الباطل الفاسد.
وحاشا عيسى عبد الله ورسوله أن يرضى أن يقال له أنت الله , وكيف وهو القائل: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} فهل مثل هذا القول يصدر عمن يدعي أنه الله أو ابن الله؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان تاريخ بني إسرائيل، والكشف عن مختبئات جرائمهم من الكفر والقتل.
2- إكرام الله تعالى لبني إسرائيل ولطفه بهم مع تمردهم عليه ورفض ميثاقه وقتل أنبيائه وتكذيبهم، والمكر بهم.
3- تقرير كفر النصارى بقولهم المسيح هو الله.
4- تقرير عبودية عيسى عليه السلام لربه تعالى.
5- تحريم الجنة على من لقي ربه وهو يشرك به سواه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
القسم الخامس من تفسير سورة المائدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: