الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القسم السادس من تفسير سورة المائدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 662
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: القسم السادس من تفسير سورة المائدة   الإثنين يناير 23, 2017 11:41 pm

تفسير سورة المائدة
الآيات /73/74/75/76/.
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(76)}
شرح الكلمات:
{ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} : الثلاثة: هي الأب والابن وروح القدس: وكلها إله واحد.
أي: أحد ثلاثة، وهو قول الملكانية، والنصطورية، واليعقوبية، ولا يقولون: ثلاثة آلهة، ويتمنعون من ذلك، وهو لازمهم.
{خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} : مضت قبله رسل كثيرون.
{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} : أي: مريم كانت صديقة كثيرة الصدق في قولها وعملها.
{أَنَّى يُؤْفَكُونَ} : أي: كيف يصرفون عن الحق وقد ظهر واضحاً.
معنى الآيات
مازال السياق في بيان كفر النصارى، ففي السياق الأول ورد كفر من قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وفي هذا السياق كفر من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، إذ قال تعالى في هذه الآية(73) {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} يعنون الأب والابن وروح القدس، وبعضهم يقول الأب والابن والأم، والثلاثة إله واحد فأكذبهم تعالى في قيلهم هذا، فقال رداً باطلهم، {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي: وليس الأمر كما يكذبون، وإنما الله إله واحد، وأما جبريل فأحد ملائكته، وعيسى عبده ورسوله، ومريم أمته، فالكل عبد الله وحده الذي لا إله غيره ولا رب سواه.
ثم قال تعالى متوعداً هؤلاء الكفرة الكذبة: { وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا1 مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فأقسم تعالى أنهم إن لم ينتهوا عن قولهم الباطل وهو كفر ليمسنهم عذاب أليم موجع غاية الإيجاع. ثم لكمال رحمته عز وجل دعاهم في الآية الثانية(74) إلى التوبة ليتوب عليهم ويغفر لهم وهو الغفور الرحيم، فقال عز وجل: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ} بترك هذا الكفر والباطل ويستغفرون الله منه، والله غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، وفي الآية الثالثة(75) أخبر تعالى معلماً رسوله الاحتجاج على باطل النصارى، فقال: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ2} فلم يكن رباً ولا إلهاً وإنما هو رسول مفضل قد خلت من قبله رسل مفضلون كثيرون وأمه مريم لم تكن أيضاً إلهاً كما يزعمون، وإنما هي امرأة من نساء بني إسرائيل صديقة3 كثيرة الصدق في حياتها لا تعرف الكذب ولا الباطل وأنها وولدها عيسى عليهما السلام بشران كسائر البشر يدل على ذلك أنهما يأكلان الطعام4 احتياجاً إليه لأن بنيتهما لا تقوم إلا عليه فهل أكل الطعام افتقاراً إليه، ثم يفرز فضلاته، يصلح أن يكون إلهاً. اللهم لا. وهنا قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: انظر يا رسولنا كيف نبين لهم الآيات الدالة بوضوح على بطلان كفرهم، ثم انظر كيف يؤفكون5 عن الحق، أي: كيف يصرفون عنه وهو واضح بين. وفي الآية الأخيرة(76) أمر رسوله أن يقول لأولئك المأفوكين عن الحق المصروفين عن دلائله لا ينظرون فيها أمره أن يقول لهم موبخاً لهم: {أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً} وهو عيسى وأمه، وتتركون عبادة من يملك ذلك، وهو الله السميع العليم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- إبطال التثليث في عقيدة النصارى وتقرير التوحيد.
2- إبراء عيسى ووالدته عليهما السلام من دعوى الألوهية للناس.
3- فتح باب التوبة في وجه النصارى لو أنهم يتوبون.
4- تقرير بشرية عيسى ومريم عليهما السلام بدليل احتياجهما إلى الطعام بنيتهما، ومن كان مفتقراً لا تصح ألوهيته عقلاً وشرعاً.
5- ذم كل من يعبد غير الله إذ كل الخلائق مفتقرة لا تملك لنفسها ولا لعابدها ضراً ولا نفعاً، لا تسمع دعاء من يدعوها، ولا تعلم عن حاله شيئاً، والله وحده السميع لأقوال كل عباده العليم بسائر أحوالهم وأعمالهم، فهو المعبود بحق وما عداه باطل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأربعاء, ‏13 ‏ربيع الثاني, ‏1438.
تفسير سورة المائدة
الآيات /77/78/79/80/81.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ(77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79) تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(80)وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(81)}
شرح الكلمات:
{لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} : الغلو: الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه، فمثلاً أمرنا بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين فغسلهما إلى الكتفين غلو.
الغلو: مصدر غلا يغلو غلوًا في الأمر، إذا جاوز حده المعروف.
{أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا} : جمع هوى، وصاحب الهوى هو الذي يعتقد ويقول ويعمل بما يهواه لا بما قامت به الحجة وأقره الدليل من دين الله تعالى.
{وَأَضَلُّوا كَثِيراً} : أي: أضلوا عدداً كثيراً من الناس بأهوائهم وأباطيلهم.
{عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} : سواء السبيل: وسط الطريق العدل لا ميل فيه إلى يمين ولا إلى يسار.
سواء السبيل هنا المراد به: الإسلام؛ لأنهم ضلوا في دينهم قبل مجيء الإسلام ثم ضلوا عن الإسلام بعد مجيئه.
{لُعِنَ} : دعى عليهم باللعنة التي هي الإبعاد من الخير والرحمة وموجباتها.
{بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} : أي: بسبب عصيانهم لرسلهم، واعتدائهم في دينهم.
{لا يَتَنَاهَوْنَ} : أي: لا نهي بعضهم بعضاً عن ترك المنكر.
{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} : قبح عملهم من عمل وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
{يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : يوادونهم ويتعاونون معهم دن المؤمنين.
{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ} : أي: لو كانوا صادقين في إيمانهم بالله والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذوا المشركين في مكة والمدينة من المنافقين أولياء.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث عن أهل الكتاب يهوداً ونصارى فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا رسولنا: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} ، والمراد بهم هنا النصاري: {لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} ، أي: لا تتشددوا في غير ما هو حق شرعه الله تعالى لكم، فتبتدعون البدع وتتغالوا في التمسك بها والدفاع عنها، التشدد محمود في الحق الذي أمر الله به اعتقاداً وقولاً وعملاً لا في المحدثات الباطلة، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وهم اليهود، إذ قالوا في عيسى وأمه بأهوائهم فقالوا في عيسى ساحر، وقالوا في أمه بغي وأضلوا كثيراً من الناس بأهوائهم المتولدة عن شهواتهم، وضلوا، أي: وهم اليوم ضالون بعيدون عن جادة الحق والعدل في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى (77).
أما الآيات بعدها فقد أخبر تعالى في الآية الثانية أن بني إسرائيل لعن منهم الذين كفروا على لسان كل من داود في الزبور، وعلى لسان عيسى بن مريم في الإنجيل وعلى لسان محمد صلى الله عليه و سلم في القرآن فقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ} . فقد مسخ منهم طائفة قردة، {وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} حيث مسخ منهم خنازير كما لعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في غير آية من القرآن الكريم، وهذا اللعن هو إبعاد من كل خير ورحمة ومن موجبات ذلك في الدنيا والآخرة سببه ما ذكر تعالى بقوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}في الآية دليل على جواز لعن الكافر، وإن كان من أولاد الأنبياء، وإن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقه: "قرطبي".
أي: بسبب عصيانهم لله تعالى ورسله بترك الواجبات وفعل المحرمات، واعتدائهم في الدين بالغلو والابتداع، وبقتل الأنبياء والصالحين منهم.
وأخبر تعالى في الآية الثالثة بذكر نوع عصيانهم واعتدائهم الذي لعنوا بسببه فقال: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} .
أي: كانوا عندما استوجبوا اللعن يفعلون المنكر العظيم ولا ينهى بعضهم بعضاً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنَّ أوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ ، فَيَقُولُ : يَا هَذَا، اتَّقِ الله ودَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ ، فَلا يَمْنَعُهُ ذلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَريبَهُ وَقَعيدَهُ ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ))
ثُمَّ قَالَ : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ } - إِلَى قوله - { فاسِقُونَ } [ المائدة : 78- 81 ].
ثُمَّ قَالَ : (( كَلاَّ، وَاللهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ، وَلَتَأخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ ، وَلَتَأطِرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أطْراً ، وَلَتَقْصُرُنَّه عَلَى الحَقِّ قَصْراً ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ ليَلْعَننكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ ))
رواه أَبُو داود والترمذي ، وَقالَ : (( حديث حسن )) .
فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوبهم بعضهم ببعض ثم قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الذين كفروا -إلى قوله- فاسقون" . ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على ليد الظالم ولتأطرنه (تعطفنه) على الحق أطرأ ولتقسرنه على الحق قسراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم"
نقل القرطبي عن ابن عطية رحمهما الله تعالى: أن الإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وآمن الضرر على نفسه، وعلى غيره من المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر صاحب المنكر ولا يخالطه.
وفي آخر الآية قبح الله تعالى عملهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ} ، أي: اليهود في المدينة يتولون الذين كفروا يعني من المشركين والمنافقين في مكة والمدينة يصاحبونهم ويوادونهم وينصرونهم وهم يعلمون أنهم كفار تحرم موالاتهم في دينهم وكتابهم.
ثم قبح تعالى عملهم فقال: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ} نتيجة ما حملتهم عليه من الشر والكفر والفساد، وهو سخط الله تعالى عليهم وخلودهم في العذاب من موتهم إلى مالا نهاية له فقال تعالى: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}
لا يخرجون منه أبداً.
ثم زاد تعالى تقرير كفرهم وباطلهم وشرهم وفسادهم فقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} كما يجب الإيمان به وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الهدى ودين الحق وما أنزل إليه من القرآن والآيات البينات ما اتخذوا الكفار المشركين والمنافقين أولياء، ولكن علة ذلك أنهم فاسقون إلا قليلاً منهم، والفاسق عن أمر الله الخارج عن طاعته لا يقف في الفساد عند حد أبداً، هذا معنى قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة الغلو والابتداع في الدين، واتباع أهل الأهواء.
2- العصيان والاعتداء ينتجان لصاحبهما الحرمان والخسران.
3- حرمة السكوت عن المنكر ووخامة عاقبته على المجتمع.
4- حرمة موالاة أهل الكفر والشر والفساد.
5- موالاة أهل الكفر بالمودة والنصرة دون المؤمنين آية الكفر وعلامته في صاحبه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الخميس, ‏14 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة

المجلد الثاني
تابع سورة المائدة
الجُزء السابع
الآيات /82/8/3/84/85/86/.
{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(86)}
شرح الكلمات:
عداوة : العداوة: بغض نفسي تجعل صاحبها بعيداً ممن يعاديه فلا يصله بخير، ولا يقربه بمودة، وقد تحمله على إرادة الشر بالعدو.
مودة: المودة: حب نفسي يجعل صاحبه يتقرب إلى من يوده بالخير ودفع الشر.
قسيسين : جمع قسيس: وهو الرئيس الديني لعلمه عند النصارى.
ورهباناً: الرهبان: جمع راهب: مشتق من الرهبة وهو الرجل في النصارى يتبتل وينقطع للعبادة في دير أو صومعة.
جمع قسّ ويجمع على قساوسة، والرهبان جمع راهب كراكب وركبان وفعله رهب يرهب رهباً ورهبا ورهبة إذا خاف والرهبانية والترهب التعبّد في صومعة أو دير.
ما أنزل إلى الرسول : الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومما أنزل إليه آيات القرآن الكريم الدالة على تشريف عيسى ووالدته مريم عليهما السلام، وأن عيسى عبدالله الشاهدين : جمع شاهد: من شهد لله بالوحدانية وللنبي محمد بالرسالة واستقام على ذلك.
الصالحين : جمع صالح: وهو من أدّى حقوق الله تعالى كاملة من الإيمان به وشكره على نعمه بطاعته، وأدّى حقوق الناس كاملة من الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم.
فأثابهم الله بما قالوا : جزاهم بما قالوا من الإيمان ووُفِّقوا له من العمل جنات تجري من تحتها الأنهار.
معنى الآيات:
يخبر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعداوة كل من اليهود والمشركين للمؤمنين وأنهم أشد عداوة من غيرهم، فيقول:
{لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}
هذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه إذ هاجر إليه المؤمنون الهجرة الأولى والثانية هروبا من اضطهاد المشركين وأذاهم، ولما بعثت قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن ربيعة بهدايا تطالب برد المهاجرين إليها دعا النجاشي الرهبان والقسس وأسمعهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم فبكوا حتى فاضت أعينهم من الدمع فنزلت هذه الآية.
{لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}
أما اليهود فلما توارثوه خَلفاً عن سلف من إنكار الحق. والوقوف في وجه دعاته، إضافة إلى أن أملهم في إعادة مجدهم ودولتهم يتعارض مع الدعوة الإسلامية وأما المشركون فلجهلهم وإسرافهم في المحرمات وما ألفوه لطول العهد من الخرافات والشرك والضلالات.
كما أخبر تعالى أن النصارى هم أقرب مودة للذين آمنوا فقال: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} وعلل تعالى لهذا القرب من المودة بقوله: {ذلك ...} أي كان ذلك بسبب أن منهم قسِّيسين ورهباناً فالقسيسون علماء بالكتاب رؤساء دينّيون غالباً ما يؤثرون العدل والرحمة والخير على الظلم والقسوة والشر والرهبان لانقطاعهم عن الدنيا وعدم رغبتهم فيها ويدل عليه قوله: {وأنهم لا يستكبرون} عن الحق وقبوله والقول به ولذا لما عمت المادية المجتمعات النصرانّية، وانتشر فيها الإلحاد والإباحية قلّت تلك المودة للمؤمنين إن لم تكن قد انقطعت.
أما توله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم
تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} فالمعنيُّ بها من أسلم من النصارى بمجرد أن تُلي عليهم القرآن وسمعوه كأصحمة النجاشى وجماعة كثيرة .
ومعنى قولهم {فاكتبنا مع الشاهدين} أنهم بعد ما سمعوا القرآن تأثروا به فبكوا من أجل ما عرفوا من الحق وسألوا الله تعالى أن يكتبهم مع الشاهدين ليكونوا معهم في الجنة، والشاهدون هم الذين شهدوا لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وأطاعوا الله ورسوله من هذه الأمة وقولهم: (ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} فإن معناه: أي شيء يمنعنا من الإيمان بالله رباً وإلهاً واحداً لا شريك له ولا ولد ولا والد, وبما جاء من الحق في توحيده تعالى ونبّوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الطمع في أن يدخلنا ربنا الجنة مع الصالحين من هذه الأمة.
ولما قالوا هذا أخبرهم تعالى أنه أثابهم به {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}، وأخبر تعالى أن ذلك الجزاء الذي جزاهم به هو {جزاء المحسنين} وهم الذين أحسنوا القول والعمل مع سلامة عقائدهم، وطهارة أرواحهم حيث لم يتلوثوا بالشرك والمعاصي ثم أخبر تعالى بأن الذين كفروا بالله إلهاً واحداً وبرسوله نبياً ورسولاً، وكذبوا بآياته القرآنية أولئك البعداء هم أصحاب الجحيم الذين لا يفارقونها أبداً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- عظم عداوة اليهود والمشركين للإسلام والمسلمين.
2- قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين.
3- فضيلة التواضع، وقبح الكبر.
4- فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها.
5- فضل الكتابي إذا أسلم. وحسن إسلامه.
6- بيان مصير الكافرين والمكذبين وهو خلودهم في نار جهنم.
7- استعمال القرآن أسلوب الترغيب والترهيب بذكره الوعيد بعد الوعد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الجمعة, ‏15 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /87/88/89/.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(87) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ(88) لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(89)}.
شرح الكلمات:
لا تحرموا : التحريم: المنع أي لا تمتنعوا.
مما أحل الله لكم: أي ما أباحه لكم وأذن لكم فيه من نكاح وطعام وشراب.
حلالاً طيباً: مباحاً غير مستقذر ولا مستخبث.
لا يؤاخذكم الله باللغو: لا يعاقبكم الله باللغو الذي هو ما كان بغير قصد اليمين.
عقدتم الأيمان : عزمتم عليها بقلوبكم بأن تفعلوا أو لا تفعلوا.
من أوسط : أغلبه ولا هو من أعلاه، ولا هو من أدناه.
أهليكم: من زوجة وولد.
تحرير رقبة: عتقها من الرق القائم بها.
يبين الله لكم آياته : المتضمنة لأحكام دينه من واجب وحلال وحرام.
معنى الآيات:
الآيتان الأولى (87) والثانية (88) نزلتا في بعض الصحابة منهم عبدالله بن مسعود وعثمان بن مظعون وغيرهما كانوا قد حضروا موعظة وعظهم إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة,
وعزموا على التبتل والانقطاع عن الدنيا فأتوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسألوها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه فكأنهم تقالّوا ذلك فقال أحدهم:
أنا لا آتي النساء،
وقال آخر:أنا أصوم لا أفطر الدهر كله.
وقال آخر: أنا أقوم فلا أنام، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، وقال: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وإني وأنا رسول الله لآكل اللحم، وأصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ونزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} من طعام وشراب ونساء، {ولا تعتدوا} بمجاوزة ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم فإن الله تعالى ربكم {لا يحب المعتدين}
{وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً} أما الحرام فلا يكون رزقاً لكم،
{واتقوا الله} أي خافوه بترك الغلوّ والتنطع المفضى بكم إلى الترهب ولا رهبانية في الإسلام.
{الذي أنتم به مؤمنون} أي رباً يشرع فيحلل ويحرم، وإلهاً يطاع ويعبد، هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية.
أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} فقد نزلت لما قال أولئك الرهط من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم: "لقد حلفنا على ما عزمنا عليه من التبتل فماذا نصنع بأيماننا" فبين لهم تعالى ما يجب عليهم في أيمانهم لما حنثوا فيها بعدولهم عما حلفوا عليه فقال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وهو ما لا قصد للحلف فيه وإنما جرى لفظ اليمين على اللسان فقط نحو: لا والله أو بلى والله، ومثله أن يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر على خلاف ما ظن، هذا إذا لم يستثن بأن يقول إلاّ أن يشاء الله أمّا من استثنى فلا كفارة عليه إذ لا إثم مع الاستثناء ولابد للاستثناء من النطق يقول: إلاّ أن يشاء الله ولا يتم إلاّ بتحريك لسانه وشفتيه.
{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} أي قصدتموها عازمين عليها، فمن حنث بعد الحلف فالواجب في حقه خروجاً من الإثم كفَّارة وهي {إطعام عشرة مساكين} لكل مسكين نصف صاع أي مدَّان من أعدل {ما تطعمون أهليكم} ما هو بالأجود الغالي، ولا بالأردأ الرخيص،
{أو كسوتهم} كقميص وعمامة، أو إزار ورداء،
{أو تحرير رقبة} أي عتق رقبة مؤمنة ذكراً كان أو أنثى صغيرة أو كبيرة فهذه الثلاثة المؤمن مخيّر في التكفير بأيها شاء، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام مفرقة أو متتابعة كما شاء هذا معنى قوله تعالى {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام}، وقوله {ذلك كفارة أيمانكم} أي هذا الذي بين لكم هو ما تكفِّرون به ما علق بنفوسكم من إثم الحنث.
وقوله {واحفظوا أيمانكم} أي لا تكثروا الحلف فتحنثوا فتأثموا فتجب عليكم الكفارة لذلك.
وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} معناه مثل هذا التبيين الذي بينه لكم في مسألة الحنث في اليمين والكفارة له يبين لكم آياته المتضمنة لشرائعه وأعلام دينه ليعدكم بذلك لشكره بطاعته بفعل ما يأمركم به وترك ما ينهاكم عنه، فله الحمد والمنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة تحريم ما أباح الله، كحرمة تحليل ما حرم الله عز وجل.
2- بيان مدى حرص الصحابة على طاعة الله خوفاً من عقابه وطمعاً في إنعامه.
3- حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه.
4- بيان كفارة اليمين بالتفصيل.
5-كراهة الإكثار من الحلف.
وحرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقاً.لحديث الترمذي: "من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر" وحديث الصحيح: "ألا إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت"..
6- استحباب حنث من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجباً أو يأتي محرماً فإن حنثه واجب وعيه الكفارة.
7- الأيمان ثلاثة: لغو: يمين لا كفارة لها إذ لا إثم فيها، الغموس: وهي أن يحلف متعمداً الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة، اليمين المكفَّرة: وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها.
قال العلماء: الأيمان أربعة: يمينان يكفر فيهما إذا حنث ويمينان لا كفارة فيهما فالأوّلان أن يقول: والله لأفعلن كذا ثم يحنث
والثاني أن يقول: والله لا أفعل كذا ويحنث.
واللّذان لا كفارة فيهما: الأولى: لغو اليمين وهو أن يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر خلافه،
والثانية: أن يجري على لسانه الحلف وهو غير قاصد نحو: لا والله، بلى والله،
والخامسة: اليمين الغموس، وهو أن يحلف متعمّداً الكذب وكفّارتها التوبة لا غير وان كفّر مع التوبة فحسن.
أخرج البخاري عن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلمّا أخبروا كأنّما تقالّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر، فقال أحدهم أمّا أنا فإني أصلي الليل أبداً وقال آخر أمّا أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أمّا أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبداً فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما واللَّه إنّي لأخشاكم للَّه واتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
قالت العلماء هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها تردّ على غلاة المترهبين وأهل البطالة من ، وقال الطبري لا يجوز لمسلم تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من الطيبات.
إذا حرّم العبد على نفسه شيئاً لا يحرم عليه إلاّ امرأته فإنّها تحرم عليه بالطلاق. والله أعلم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏السبت, ‏16 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /90/91/92/93/.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ(92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(93)}
شرح الكلمات:
الخمر والميسر : الخمر: كل مسكر كيفما كانت مادته وقلّت أو كثرت، والميسر: القمار.
صحَّ عن عمر رضي الله عنه أنه خطب يوماً فقال: "أيّها الناس ألا إنّه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر، والعسل والحنطة والشعير" والخمر ما خامر العقل أي: ستره وغطّاه فأصبح المرء يهذي ويقول الخطأ والصواب.
والأنصاب : الأنصاب: جمع نصب. ما ينصب للتقرب به إلى الله أو التبرك به، أو لتعظيمه كتماثيل الرؤساء والزعماء في العهد الحديث.
ما دامت علّة التحريم في الخمر والميسر هي إثارة العداوة بين إخوة الإيمان، والصدّ وهو الإلهاء عن ذكر الله وعن الصلاة فإن كل ما ينشأ عنه إثارة العداوة والصدّ عن الذكر والصلاة فهو حرام.
الأزلام : جمع زلم: وهي عيدان يستقسمون بها في الجاهلية لمعرفة الخير من الشر والربح من الخسارة، ومثلها قرعة الأنبياء، وخط الرمل، والحساب بالمسبحة.
رجس : الرجس: المستقذر حساً كان أو معنى، إذ المحرمات كلها خبيثة وإن لم تكن مستقذرة.
من عمل الشيطان : أي مما يزينّه للناس ويحببه إليهم ويرغبهم فيه ليضلهم.
فاجتنبوه: اتركوه جانباً فلا تقبلوا عليه بقلوبكم وابتعدوا عنه بأبدانكم.
تفلحون : تكملون وتسعدون في دنياكم وآخرتكم.
ويصدكم: أي يصرفكم.
فهل أنتم منتهون: أي انتهوا فالاستفهام للأمر لا للإستخبار.
جناح فيما طعموا : أي إثم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريم ذلك.
هذه الآية نزلت بعد وقعة أحد وكانت في السنة الثالثة من الهجرة أي في آخرها ولكنها وقعت هنا في سورة المائدة بعد نزولها وهذه الآية هي الناسخة لإباحة الخمر ويروى في سبب نزولها أن ملاحاة كانت بين سعد بن أبي وقاص ورجل من الأنصار سببها شرب خمر في ضيافة لهم.
معنى الآيات:
لما نهى الله تعالى المؤمنين عن تحريم ما أحل الله تعالى لهم بَيَّنَ لَهُم ما حرَّمه عليهم ودعاهم إلى تركه واجتنابه لضرره بهم، وإفساده لقلوبهم وأرواحهم فقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا} أي يا من صدقتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً اعلموا {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} أي سخط وقذر مما يدعو إليه الشيطان ويزيّنه للنفوس ويحسنه لها لترغب فيه، وهو يهدف من وراء ذلك إلى إثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين الذين هم كالجسم الواحد, وإلى صدهم عن ذكر الله الذي هو عصمتهم وعن الصلاة التي هي معراجهم إلى الله ربهم، وآمرتهم بالمعروف وناهيتهم عن المنكر، ثم أمرهم بأبلغ أمر وأنفذه إلى قلوبهم لخطورة هذه المحرمات الأربع وعظيم أثرها في الفرد والمجتمع بالشر والفساد فقال: {فهل أنتم منتهون؟!} /هذه الصيغة تستعمل للحث على الفعل إذا المأمور بدا عليه التراخي أو عدم الاهتمام مما أمر بفعله أو تركه. والفاء في { فهل أنتم} تفريع عن قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم..} الآية، والمأمور بالانتهاء عنه هو الخمر والميسر فلذا يقدّر عنهما بعد {منتهون}./
وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله وحذرهم من مغبة المعصية وآثارها السيئة فقال {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} مغبة ذلك ثم أعلمهم أنهم إن تولوا عن الحق بعدما عرفوه فالرسول لا يضيره توليهم، إذ ما عليه إلا البلاغ المبين وقد بلّغ وأما هم فإن جزاءهم على توليهم سيكون جزاء الكافرين وهو الخلود في العذاب المهين.
هذا معنى قوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} .
وقوله تعالى في الآية الأخيرة (93) {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} فقد نزلت لقول بعض الأصحاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ما بال الذين ماتوا من إخواننا وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر؟" أي كيف حالهم فهل يؤاخذون أو يعفى عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية فأعلم أنهم ليس عليهم جناح أي إثم أو مؤاخذة فيما شربوا وأكلوا قبل نزول التحريم بشرط أن يكونوا قد اتقوا الله في محارمه وآمنوا به وبشرائعه، وعملوا الصالحات استجابة لأمره وتقرباً إليه.
فكان رفع الحرج عليهم مقيداً بما ذكر.
وقوله: {ثم اتقوا...} كما لا جناح على الأحياء فيما طعموا وشربوا قبل التحريم وبشرط الإيمان، والعمل الصالح والتقوى لسائر المحارم، ودوام الإيمان والتقوى والإحسان في ذلك بالإخلاص فيه لله تعالى.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- حرمة الخمر والقمار، وتعظيم الأنصاب والاستقسام بالأزلام.
ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر المقصود منه تأكيد التحريم وتقويته نظراً لما ألفته النفوس منهما، والمراد من تحريم الأنصاب تحريم عبادتها وصنعها، وبيعها.
2- وجوب الانتهاء من تعاطي هذه المحرمات فوراً وقول انتهينا يا ربنا كما قال عمر رضي الله عنه.
3- بيان علة تحريم شرب الخمر ولعب الميسر وهي إثارة العداوة والبغضاء بين الشاربين واللاعبين والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما قوام حياة المسلم الروحية.
4- وجوب طاعة الله والرسول والحذر من معصيتهما.
5- وجوب التقوى حتى الموت ووجوب الإحسان في المعتقد والقول والعمل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
القسم السادس من تفسير سورة المائدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: