الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القسم السابع والأخير من تفسير سورة المائدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 651
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: القسم السابع والأخير من تفسير سورة المائدة    الإثنين يناير 23, 2017 11:44 pm

تفسير سورة المائدة
الآيات /94/95/96/.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(96)}
شرح الكلمات:
ليبلونكم : ليختبرونكم.
الصيد : ما يصاد.
أُذن للمحرم ولمن في الحرم في قتل ما يؤذي كالحية والعقرب، والغراب والفأرة وكل ما يؤذي كالأسد والنمر والذئب والفهد لقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة".
والصيد مصدر صاد بصيد صيداً وأطلق المصدر على اسم المفعول: المصيد فقالوا: صيدٌ.
تناله أيديكم : كبيض الطير وفراخه.
ورماحكم : جمع رمح، وما ينال به هو الحيوان على اختلافه.
لِيَعْلَمَ اللّهُ من يخافه بالغيب : : ليظهر الله تعالى بذلك الاختبار من يخافه بالغيب فلا يصيد.
فمن اعتدى (بعد التحريم): بأن صاد بعد ما بلغه التحريم.
وأنتم حرم: جمع حرام والحرام: المُحرم لحج أو عمرة ويقال رجل حرام وامرأة حرام.
من النعم: النعم: الإبل والبقر والغنم.
ذوا عدل منكم : أي صاحبا عدالة من أهل العلم.
وبال أمره : ثقل جزاء ذنبه حيث صاد والصيد حرام.
وللسيارة : المسافرين يتزوّدون به في سفرهم.
وطعام البحر ما يقذف به إلى الساحل.
معنى الآيات:
ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين ليعلمهم مؤكداً خبره بأنه يبلوهم اختباراً لهم ليظهر المطيع من العاصي فقال: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب} فحرم عليهم تعالى الصيد وهم حرم ثم ابتلاهم بوجوده بين أيديهم بحيث تناله أيديهم ورماحهم بكل يسر وسهولة على نحو ما ابتلى به بني إسرائيل في تحريم الصيد يوم السبت فكان السمك يأتيهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا يأتيهم كذلك بلاهم ربهم بما كانوا يفسقون بيد أن المسلمين استجابوا لربهم وامتثلوا أمره، على خلاف بني إسرائيل فإنهم عصوا وصادوا فمسخهم قردة خاسئين.
وقوله تعالى {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}، أي فمن صاد بعد هذا التحريم فله عذاب أليم.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (94).
أما الآية الثانية (95) وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} فأكد لهم تحريم الصيد وبين لهم ما يترتب على ذلك من جزاء فقال {ومن قتله منكم متعمداً} فالحكم الواجب على من قتله جزاءً {مثل ما قتل من النعم} وهى الإبل والبقر والغنم {يحكم به ذوا عدل منكم} فالعدلان ينظران إلى الصيد وما يشبهه من النعم فالنعامة تشبه الجمل وبقرة الوحش تشبه البقرة، والغزال يشبه التيس وهكذا فإن شاء من وجب عليه بعير أو بقرة أو تيس أن يسوقه إلى مكة الفقراء الحرم فليفعل وأن شاء اشترى بثمنه طعاماً وتصدق به، وإن شاء صام بدل كل نصف صاع يوماً لقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} وقوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} أي ثقل جزاء مخالفته وقوله تعالى: {عفا الله عما سلف} أي ترك مؤاخذتكم على ما مضى، وأما مستقبلاً فإنه تعالى يقول: {ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام} ومعناه أنه يعاقبه على معصيته ولا يحول دون مراده تعالى حائل ألا فاتقوه واحذروا الصيد وأنتم حرم، روي أن أبا اليسر عمرو بن مالك الأنصاري قتل حمار وحش وهو محرم بعمرة عام الحديبية فنزلت هذه الآية.
هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
أما الثالثة (96) فقد أخبر تعالى بعد أن حرم على المؤمنين الصيد وهم حرم وواجب الجزاء على من صاد. أخبر أنه امتناناً منه عليهم أحل لهم صيد البحر أي ما يصيدونه من البحر وهم حرم كما أحل لهم طعامه وهو ما يقذفه البحر من حيوانات ميتة على ساحله {متاعا لكم وللسيارة} وهم المسافرون يتزودون به في سفرهم ويحرم عليهم صيد البر ما داموا حرماً، وأمرهم بتقواه أي بالخوف من عقوبته فيلزموا طاعته بفعل ما أوجب وترك ما حرم، وذكرهم بحشرهم جميعاً إليه يوم القيامة للحساب والجزاء فقال: {واتقوا الله الذي إليه تحشرون}.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- ابتلاء الله تعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية بكثرة الصيد بين أيديهم. وحرم عليهم صيده فامتثلوا أمر الله تعالى ولم يصيدوا فكانوا خيراً من بني إسرائيل وأفضل منهم على عهد أنبيائهم.
2- تحريم الصيد على المحرم إلا صيد البحر فإنّه مباح له.
3- بيان جزاء من صاد وهو محرم وأنه جزاء مثل ما قتل من النعم.
4- وجوب التحكيم فيما صاده المحرم، ولا يصح أن يكفر الصائد بنفسه.
5- صيد الحرم حرام على الحرام من الناس والحلال.
قالت العلماء: ما يجزىء من الصيد شيئان دواب وطير فيجزىء ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ففي النعامة بدنه والطير: القيمة إلا الحمام ففيه شاة.
الجمهور أنّ مَنْ صاد ودفع الجزاء ثمّ صاد كلما صاد لزمه الفداء، وبعض أهل العلم يرى أنه لا يحكم عليه بشيء ويترك لله تعالى ويقال له: ينتقم الله منك.
مذهب مالك حلية ميتة البحر مطلقا لحديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وحديث العنبر.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الإثنين, ‏18 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /97/98/99/100/.
{جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(97) اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(98) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ(99) قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(100)}
شرح الكلمات:
{الكعبة} : الكعبة كل بناء مربع والمراد بها هنا بيت الله الحرام.
الله الذي أوجد الكعبة إذ أمر خليله ببنائها فبناها هذا الإيجاد الأخير أمّا الأول فكان على عهد آدم عليه السلام، وجعل هنا بمعني صيرها كذلك أي قياماً للناس الذين هم العرب.
{قياماً للناس}: يقوم به أمر دينهم بالحج إليه والاعتمار ودنياهم بأمن داخله وجبي ثمرات كل شيء إليه.
الشهر الحرام: أي المحرم والمراد به الأشهر الحرم الأربعة رجب والقعدة والحجة ومحرم.
{الهدي }: ما يهدى إلى البيت من أنواع الهدايا.
{والقلائد} : جمع قلادة ما يقلده البعير أو البقرة المهدى إلى الحرم.
البلاغ: بلاغ ما أمره بإبلاغه.
{ما تبدون وما تكتمون} : أي ما تظهرون وما تخفون.
الخبيث: مقابل الطيب وهو الحرام وهو عام في المحسوسات والمعقولات.
أولي الألباب: أصحاب العقول.
معنى الآيات:
قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} المراد من الناس العرب في جاهليتهم قبل الإسلام ومعنى قياماً: أن مصالحهم قائمة على وجود البيت يحج ويعتمر يآمن الآتي إليه والداخل في حرمه، وكذا الشهر الحرام وهي أربعة أشهر القعدة والحجة ومحرم ورجب ، وكذا الهدي وهو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام، وكذا القلائد جمع قلادة وهي ما يقلده الهدي إشعاراً بأنه مهدى إلى الحرم، وكذا ما يقلده الذاهب إلى الحرم نفسه من لِحَاءَ شجر الحرم إعلاماً بأنه آت من الحرم أو ذاهب إليه .
فهذه الأربعة البيت الحرام والشهر الحرام والهدى والقلائد كانت تقوم مقام السلطان بين العرب فتحقق الأمن والرخاء في ديارهم وخاصة سكان الحرم من قبائل قريش فهذا من تدبير الله تعالى لعباده وهو دال على علمه وقدرته وحكمته ورحمته ولذا قال تعالى: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} أي حقق ذلك الأمن والرخاء في وقت لا دولة لكم فيه ولا نظام ليعلمكم أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات وشتى المخلوقات لا يخفى عليه من أمرها شيء، وأنه بكل شيء عليم فهو الإله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه فاعبدوه، وتوكلوا عليه واتركوا عبادة غيره والنظر إلى سواه، وإن لم تفعلوا فسوف يعاقبكم بذلك أشد العقوبة وأقساها فإنه عز وجل شديد العقاب فاعلموا ذلك واتقوه.
هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (97) والثانية (98).
أما الآية الثالثة (99) فقد أكدت مضمون قوله تعالى في الآية الثانية {اعلموا أن الله شديد العقاب} وهو وعيد شديد فقال تعالى {ما على الرسول إلا البلاغ} وقد بلَّغ، فأنذر وأعذر، وبقي الأمر إليكم إن أنبتم إلى ربكم وأطعتموه فإنه يغفر لكم ويرحمكم لأنه غفور رحيم، وإن أعرضتم وعصيتم فإنه يعلم ذلك منكم ويؤاخذكم به ويعاقبكم عليه وهو شديد العقاب وقوله {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} وعد ووعيد لأن علمه تعالى بالظواهر والبواطن يترتب عليه الجزاء فإن كان العمل خيراً كان الجزاء خيراً وإن كان العمل شراً كان الجزاء كذلك.هذا مضمون الآية الثالثة.
أما الرابعة (100) فإنه تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للناس أيها الناس أنه {لا يستوي الخبيث} من المعتقدات والأقوال والأعمال والرجال والأموال، {والطيّب} منها، ولو أعجبتكم أي سرتكم كثرة الخبيث فإن العبرة ليست بالكثرة والقلة وإنما هي بالطيب النافع غير الضار ولو كان قليلاً، وعليه {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي خافوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه رجاء حصول الفلاح لكم بالنجاة من المرهوب والحصول على المرغوب المحبوب.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان عظيم تدبير الله تعالى لخلقه، إذ أمّن مصالح قريش والعرب فأوجد لهم أمناً واستقراراً وتبع ذلك هناءة عيش وطيب حياة بما ألقى في قلوب عباده من احترام وتعظيم للبيت الحرام والشهر الحرام، والهدي والقلائد، الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله.
2- بيان مسئولية الرسول أزاء الناس وأنها البلاغ لا غير وقد بلغ صلى الله عليه وسلم.
أي ليس عليه هداية الناس ولا التوفيق ولا الثواب. وأصل البلاغ: البلوغ وهو الوصول، بلغ المكان يبلغه وصل إليه، وأبلغه الشيء أوصله إليه فعلى الرسول إبلاغ أمر الله ونهيه وأخباره إلى عباده بأسلوب بلاغي يصل به إلى نفوسهم في أطيب لفظ وأحسنه.
3- تقرير الحكمة القائلة العبرة بالكيف لا بالكم فمؤمن واحد أنفع من عشرة كفرة ودرهم حلال خير من عشرة حرام وركعتان متقبلتان خير من عشرة لا تقبل.
الخبيث لا يساوي الطيب مقداراً ولا انفاقاً ومكاناً ولا ذهاباً فالطيب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ ذات الشمال، والطيّب والطيّبون في الجنة، والخبيث والخبثاء في النار.
قالت العلماء: في قوله: {لا يستوي الخبيث} الآية دليل على أنّ البيع الفاسد يفسخ ويرد الثمن على المبتاع وشاهده من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ".
الخطاب في قوله {ولو أعجبك كثرة الخبيث} الخطاب صالح لكل من هو أهل للخطاب والانتفاع به من عقلاء هذه الأمة ولذا قلت في التفسير ولو أعجبتكم ولم أقل: أعجبتك.
4- الأمر بالتقوى رجاء فلاح المتقين.
/من الأحناف من يمنع الحبس، والوقف تعلّقاً واستدلالاً بهذه الآية وهو محجوج بإجماع الصحابة لحديث عمر في الصحيح إذ قال له الرسول صلى الله عليه وسلم "احبس الأصل وسبّل الثمرة".

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الثلاثاء, ‏19 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /101/102/103/104/
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ(104)}.
شرح الكلمات:
{إن تبد لكم}: تظهر لكم تضركم.
{عفا الله عنها} : سكت عنها فلم يذكرها أو لم يؤاخذكم بها.
{سألها قوم }: طلبها غيركم من الأمم السابقة.
{ما جعل الله }: أي ما شرع.
{بحيرة ولا سائبة }: البحيرة: الناقة تبحر أذنها أي تشق، والسائبة: الناقة تسيّب.
{ولا وصيلة ولا حام}: الوصيلة: الناقة يكون أول إنتاجها أنثى.
والحام: الجمل يحمى ظهره للآلهة.
{ما أنزل الله}: من الحق والخير.
{ما وجدنا عليه آباءنا}: من الباطل والضلال.
معنى الآيات:
لقد أكثر بعض الصحابة من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تضايق منهم فقام خطيباً فيهم وقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم". . فقام رجل يدعى عبدالله بن حذافة كان إذا تلامى مع رجل دعاه إلى غير أبيه فقال من أبي يا رسول الله؟ فقال: أبوك حذافة، وقال أبو هريرة: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ولو قلت نعم، لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم" فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} أي تظهر لكم جواباً لسؤالكم يحصل لكم بها ما يسؤكم ويضركم، {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أي يبينها رسولنا لكم.
أما أن تسألوا عنها قبل نزول القرآن بها فذلك مالا ينبغي لكم لأنه من باب إحفاء رسول الله وأذيته ثم قال تعالى لهم: {عفا الله عنها} أي لم يؤاخذكم بما سألتم {والله غفور حليم}، فتوبوا إليه يتب عليكم واستغفروه يغفر لكم ويرحمكم فإنه غفور رحيم.
/في الآية دليل على كراهة السؤال لغير حاجة وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات، وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"./
وقوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} أي قد سأل أسئلتكم التنطعية المحرجة هذه قوم من قبلكم {فأصبحوا بها كافرين} ، لأنهم كلفوا ما لم يطيقوا وشق عليهم جزاء تعنتهم في أسئلتهم لأنبيائهم فتركوا العمل بها فكفروا./من أمثلة ذلك: سؤال قوم صالح الناقة، وقوم عيسى المائدة، وفي الآية تحذير للمؤمنين أن يقعوا فيما وقع فيه غيرهم فيهلكوا كما هلكوا. وفي صحيح مسلم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرْم عن المسلمين فحرم من أجل مسألته"./
هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (101) والثانية (102).
وأما الثالثة (103) فقد قال تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} ومن الجائز أن يكون هناك من يسأل الرسول عن البحيرة وما بعدها فأنزل الله تعالى قوله: {ما جعل الله من بحيرة} أي ما بحر الله بحيرة ولا سيب سائبة ولا وصل وصيلة ولا حَمَى حَامِياً، ولكن الذين كفروا هم الذين فعلوا ذلك افتراء على الله وكذباً عليه {وأكثرهم لا يعقلون} ، ولو عقلوا ما افتروا على الله وابتدعوا وشرعوا من أنفسهم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى، وأول من سيب السوائب وغير دين إسماعيل عليه السلام عمرو بن لحي الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرُّ قصَبه في النار أي أمعاءه في جهنم./
وذلك إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى بحروا أذنها أي شقوها وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها، والسائبة، بعير يسيب بنذر ينذره أحدهم للآلهة إن حصل له كذا سيّب كذا وتترك فلا تمنع من رعي ولا ماء ولا يركبها أحد.
هذا ما تضمنته الآية الثالثة.
أما الرابعة (104) فقد أخبر تعالى أن المشركين المفترين على الله الكذب بما ابتدعوه من الشرك إذ قيل لهم {تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} ليبين لكم كذبكم وباطلكم في بحر البحائر وتسييب السوائب، يرفضون الرجوع إلى الحق ويقولون: {حسبنا} أي يكفينا {ما وجدنا عليه آباؤنا} فلسنا في حاجة إلى غيره فرد تعالى عليهم منكراً عليهم قولهم الفاسد {أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً} أي يتبعونهم ويحتجون بباطلهم ولو كان أولئك الآباء جهالاً حمقاً لا يعقلون شيئاً من الحق، {ولا يهتدون} إلى خير أو معروف.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- كراهية الإلحاف في السؤال والتقعر في الأسئلة والتنطع فيها.
2- حرمة الابتداع في الدين وأنه سبب وجود الشرك في الناس.
3- وجوب رد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة والرضا بحكمهما.
4- حرمة تقليد الجهال واتباعهم في أباطيلهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأربعاء, ‏20 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآية /105/.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)}.
شرح الكلمات:
{آمنوا }: صدقوا الله ورسوله واستجابوا لهما بفعل المأمور وترك المنهي.
{عليكم أنفسكم} : ألزموا أنفسكم هدايتها وإصلاحها.
{إذا اهتديتم} : إلى معرفة الحق ولزوم طريقه.
إلى الله مرجعكم جميعا : ضلاّلاً ومهتدين.
{فينبئكم}: يخبركم بأعمالكم ويجازيكم بها.
معنى الآية الكريمة :
ينادي الله تعالى عباده المؤمنين فيقول : {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده {عليكم أنفسكم} ألزموها الهداية والطهارة بالإيمان والعمل الصالح وإبعادها عن الشرك والمعاصي،
{لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}: أي أن ضلال غيركم غير ضار بكم إن كنتم مهتدين إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، كل نفس تجزى بما كسبت لا بما كسب غيرها ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها إلا أن من الاهتداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ترك المؤمنون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعتبرون مهتدين إذ بالسكوت عن المنكر يكثر وينتشر ويؤدِّي حتماً إلى أن يضلّ المؤمنون فيفقدون هدايتهم ولذا قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيباً يوماً فقال: "يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)}. وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .
وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون} فيه وعد ووعيد، وعد لمن أطاع الله ورسوله، ووعيد لمن عصاهما.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب إصلاح المؤمن نفسه وتطهيرها من آثار الشرك والمعاصي وذلك بالإيمان والعمل الصالح.
2- ضلال الناس لا يضر المؤمن إذا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر.
قالت العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعيّن متى رُجي القبول والتغيير فإن كان هناك عدم رجاء فلا يجب الأمر والنهي. وكذا يسقط إذا خاف ضرراً يلحقه لا يقوى عليه أو يلحق غيره من المسلمين.
3 تقرير مبدأ البعث الآخر.
4- للعمل أكبر الأثر في سعادة الإنسان أو شقائه.
في الآية التحذير مما وقع فيه مَنْ تقدّم ذكرهم من التقليد الأعمى والابتداع المضر المهلك وهو وجه المناسبة بين هذه الآية وما سبقها من الآيات.
قيل هذه الآية هي الوحيدة التي جمعت بين الناسخ والمنسوخ، فالناسخ فيها قوله: {إذا اهتديتم} والمنسوخ هو {عليكم أنفسكم} إذ من اهتدى لا يضره من ضل ولا تتم الهداية إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الخميس, ‏21 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /106/107/10/.
{يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ(106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ(107) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ1 (108)}.
شرح الكلمات:
{شهادة بينكم} : الشهادة: قول صادر عن علم حاصل بالبصر أو البصيرة، وبينكم: أي شهادة بعضكم على بعض.
{إن أنتم ضربتم في الأرض} : أي بأن كنتم مسافرين.
{من بعد الصلاة }: صلاة العصر.
{إن ارتبتم }: شككتم في سلامة قولهما وعدالته.
{فإن عثر} : أي وقف على خيانة منهما فيما عهد به إليهما حفظه.
{أدنى} : أقرب.
{على وجهها} : أي صحيحة كما هي لا نقص فيها ولا زيادة.
أي غير مشوّه بالتغيير والتبديل والنقص والزيادة، والتعبير بالوجه شائع يقال: جاء بالشيء الفلاني على وجهه أي: من كمال أحواله.
{الفاسقين }: الذين لم يلتزموا بطاعة الله ورسوله في الأمر والنهي.
هذه الآية نزلت فيما ذهب إليه أكثر المفسرين: في تميم الداري وعدي بن بداء إذ روى البخاري وغيره أن تميم الداري وابن بداء كانا يختلفان إلى مكة فخرج معهما: فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس فيها مسلم فأوحى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاماً (إناء) من فضة مخوصاً بالذهب فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما كتمتما ولا أطلعتما" ثم وجد الجام بمكة فقالوا اشتريناه من عدي وتميم فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أنّ هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال: فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية.
"لفظ الدار قطني"والظاهر أن استحلاف الرسول صلى الله عليه وسلم لهما: كان بعد نزول الآية مبيّنة طريق الحكم في هذه القضية فاتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم بينهم بما في الآية نصّاً وروحاً والله أعلم.
معنى الآيات:
ما زال السياق في إرشاد المؤمنين وتعليمهم وهدايتهم إلى ما يكملهم ويسعدهم ففي هذه الآيات الثلاث (106)، (107)، (108) ينادي الله تعالى عباده المؤمنين فيقول: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذ حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} أي ليشهد اثنان {ذوا عدل منكم } أي من المسلمين على وصية أحدكم إذا حضرته الوفاة، أو ليشهد اثنان من غيركم أي من غير المسلمين {إن أنتم ضربتم في الأرض} أي كنتم مسافرين ولم يوجد مع من حضره الموت في السفر إلا كافر، فإن ارتبتم في صدق خبرهما وصحة شهادتهما فاحبسوهما أي أوقفوهما بعد صلاة العصر في المسجد ليحلفا لكم فيقسمان بالله فيقولان والله لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً، ولو كان المقسم عليه أو المشهود عليه ذا قربى أي قرابة، {ولا نكتم شهادة الله، إنا إذاً} أي إذا كتمنا شهادة الله {لمن الآثمين} {فإن عثر على أنهما استحقا إثماً} أي وإن وجد أن الذين حضرا الوصية وحلفا على صدقهما فيما وصاهما به من حضره الموت إن وجد عندهما خيانة أو كذب فيما حلفا عليه، {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} فيقسمان بالله قائلين والله: لشهادتنا أحق من شهادتهما أي لأيماننا أصدق وأصح من أيمانهما، {وما اعتدينا} أي عليهما باتهام باطل، إذ لو فعلنا ذلك لكنا من الظالمين، فإذا حلفا هذه اليمين استحقا ما حلفا عليه ورد إلى ورثة الميت ما كان قد أخفاه وجحده شاهدا الوصية عند الموت، قال تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة عادلة لا حيف فيها ولا جور وقوله {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم}، أي وأقرب إلى أن يخافوا أن ترد أيمانهم فلا يكذبوا خوف الفضيحة، وقوله تعالى: {واتقوا الله} أي خافوه أيها المؤمنون فلا تخرجوا عن طاعته، {واسمعوا} ما تؤمرون به واستجيبوا لله فيه، فإن الله لا يهدي إلى سبيل الخير والكمال الفاسقين الخارجين عن طاعته، فاحذروا الفسق واجتنبوه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
ا- مشروعية الوصية في الحضر والسفر معاً، والحث عليها والترغيب فيها.
2- وجوب الإشهاد على الوصية.
3- يجوز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود مسلم.
4 - استحباب الحلف بعد صلاة العصر تغليظاً في شأن اليمين.
5- مشروعية تحليف الشهود إذا ارتاب القاضي فيهم أو شك في صدقهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الجمعة, ‏22 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /109/110/111/.
{يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ(109) إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ(110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111)}
شرح الكلمات:
{يوم يجمع الله الرسل }: أي اذكر يوم يجمع الله الرسل وذلك ليوم القيامة.
وجه اتصال هذه الآية بسابقتها ظاهر، إذ أمرهم تعالى في الآية الأولى بالتقوى والسمع والطاعة لأوامره ونواهيه، وذكّرهم في هذه الآية بأهوال يوم القيامة ليكرر ذلك حافزاً لهم على التقوى مقوّيا لهم على السمع والطاعة.
{الغيوب}: جمع غيب: وهو ما غاب عن العيون فلا يدرك بالحواس.
{أيدتك }: قويتك ونصرتك.
{بروح القدس }: جبريل عليه السلام.
{المهد}: سرير الطفل الرضيع.
{الكهل }: من تجاوز سن الشباب أي ثلاثين سنة.
{الكتاب }: الخط والكتابة.
{والحكمة }: فهم أسرار الشرع، والإصابة في الأمور كلها.
{تخلق كهيئة الطير}: أي توجد وتقدر هيئة كصورة الطير.
{الأكمه والأبرص}: الأكمه: من ولد أعمى، والأبرص: من به مرض البرص.
{تخرج الموتى }: أي أحياء من قبورهم.
{كففت }: أي منعت.
{الحواريون}: جمع حواري: وهو صادق الحب في السر والعلن.
معنى الآيات:
يحذر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين من أهوال البعث الآخر يوم يجمع الرسل عليهم السلام ويسألهم وهو أعلم بهم: {فيقول: ماذا أجبتم؟} أطاعتكم أممكم أم عصتكم؟
فيرتج عليهم ويذهلون ويفوضون الأمر إليه تعالى ويقولون: {لا علم لنا: انك أنت علام الغيوب}، إذا كان هذا حال الرسل فكيف بمن دونهم من الناس ويخص عيسى عليه السلام من بين الرسل بالكلام في هذا الموقف العظيم، لأن أمتين كبيرتين غوت فيه وضلت.
اليهود ادعوا أنه ساحر وابن زنى، والنصارى ادعوا أنه الله وابن الله، فخاطبه الله تعالى وهم يسمعون: {يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} فأنت عبدي ورسولي وأمك أمتي، وذكر له أنواع نعمه عليه فقال: {إذ أيدتك بروح القدس}، جبريل عليه السلام {تكلم الناس في المهد} وأنت طفل. إذ قال وهو في مهده {إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} وقوله {وكهلاً} أي وتكلمهم وأنت كهل أيضاً وفيه بشرى لمريم أن ولدها يكبر ولا يموت صغيراً وقد كلم الناس وهو شاب وسيعود إلى الأرض ويكلم الناس وهو كهل ويعدد نعمه عليه
فيقول: {وإذ علمتك الكتاب والحكمة}، فكنت تكتب الخط وتقول وتعمل بالحكمة، وعلمتك التوراة كتاب موسى عليه السلام والإنجيل الذي أوحاه إليه {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} فيكون طيراً بإذني أي اذكر لما طالبك بنو إسرائيل بآية على نبوتك فقالوا لك اخلق لنا طيراً فأخذت طيناً وجعلته على صورة طائر وذلك بإذني لك ونفخت فيه بإذني فكان طائراً، واذكر أيضاً {إذ تبرىء الأكمة} وهو الأعمى الذي لا عينين له، {والأبرص بإذني} أي بعوني لك وإقداري لك على ذلك {وإذ تخرج الموتى} من قبورهم أحياء فقد أحيا عليه السلام عدداً من الأموات بإذن الله تعالى ثم قال بنو إسرائيل أحيي لنا سام بن نوح فوقف على قبره وناداه فقام حياً من قبره وهم ينظرون، واذكر {إذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات} فكذبوك وهموا بقتلك وصلبك، {فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين}.
واذكر {إذ أوحيت إلى الحواريين} على لسانك {أن آمنوا بي وبرسولي} أي بك يا عيسى {قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} أي منقادون مطيعون لما تأمرنا به من طاعة ربنا وطاعتك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- شدة هول يوم القيامة وصعوبة الموقف حتى إن الرسل ليذهلون.
2- وجوب الاستعداد لذلك اليوم بتقوى الله تعالى.
3- توبيخ اليهود والنصارى بتفريط اليهود في عيسى وغلو النصارى فيه.
4- بيان إكرام الله تعالى لعيسى وما حباه به من الفضل والإنعام.
5- ثبوت معجزات عيسى عليه السلام وتقريرها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏السبت, ‏23 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات /112/113/114/115/.
{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ(113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(114) قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ(115)}.
شرح الكلمات:
{هل يستطيع}: هل يطيع ويرضى.
{مائدة من السماء }: المائدة: الخوان وما يوضع عليه أو الطعام والمراد بها هنا الطعام.
{وتطمئن قلوبنا }: أي تسكن بزيادة اليقين فيها.
{ونكون عليها من الشاهدين} : أي نشهد أنها نزلت من السماء.
{عيداً} : أي يوماً يعود علينا كل عام نذكر الله تعالى فيه ونشكره.
{وآية منك}: علامة منك على قدرتك ورحمتك، ونبوة نبيك.
{فمن يكفر بعد منكم} : فمن يكفر بعد نزول المائدة منكم أيها السائلون للمائدة.
{أحداً من العالمين}: أي من الناس أجمعين.
معنى الآيات:
يقول تعالى لعبده ورسوله عيسى عليه السلام واذكر :{إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون}، {إذ قال الحواريون}: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟} ولما كان قولهم هذا دالاً على شك في نفوسهم وعدم يقين في قدرة ربهم قال لهم عيسى عليه السلام {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} فلا تقولوا مثل هذا القول. فاعتذروا عن قيلهم الباطل {قالوا: نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا، ونكون عليها من الشاهدين} أنها نزلت من السماء بسؤالك ربك ذلك وهنا قال عيسى عليه السلام داعياً ربه ضارعاً إليه {اللهم} أي يا الله {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، تكون لنا عيداً لأولنا}) أي للموجودين الآن منا {وآخرنا} أي ولمن يأتون بعدنا، {وآية منك}، أي وتكون آية منك أي علامة على وحدانيتك وعظيم قدرتك، وعلى صدقي في إرسالك لي رسولاً إلى بني إسرائيل، {وارزقنا} وأدم علينا رزقك وفضلك {وأنت خير الرازقين}، فأجابه تعالى قائلا: {إني منزلها عليكم}، وحقاً قد أنزلها، {فمن يكفر بعد منكم} يا بني إسرائيل السائلين المائدة بأن ينكر توحيدي أو رسالة رسولي، أو عظيم قدرتي {فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} ، ولذا مسخ من كفروا منهم قردة وخنازير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- جفاء اليهود وغطرستهم وسوء أدبهم مع أنبيائهم
إذ قالوا لموسى عليه السلام {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} وقالوا لعيسى عليه السلام {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء}.
2- في قول عيسى عليه السلام لهم {اتقوا الله} دال على أنهم قالوا الباطل كما أن قولهم : {ونعلم أن قد صدقتنا} دال على شكهم وارتيابهم.
3- مشروعية الأعياد الدينية لعبادة الله بالصلاة والذكر شكراً لله تعالى وفي الإسلام عيدان: الأضحى والفطر.
4- من أشد الناس عذاباً يوم القيامة آل فرعون والمنافقون ومن كفر من أهل المائدة.
اضطربت نفوس المؤمنين في توجيه هذه العبارة: {هل يستطيع ربك..} كيف يقول هذا أنصار الله الحواريون وهو دالّ دلالة واضحة على جهل بالله تعالى وعدم معرفة الأدب مع نبيّه عيسى عليه السلام، فمن قائل: أنّ يستطيع بمعنى: يطيع أي: هل يطيعك ربّك في هذا؟ ومن قائل: إن قراءة (هل يستطيع) بالتاء، وربك معمول أي: هل تقدر على سؤال ربّك أن ينزل الخ ومن قائل إنّ هذا كان منهم في أوّل أمرهم قبل أن يتعلموا، ومن قائل: أن هذا صدر ممن كان مع الحواريين ولم يكن من الحواريين، وما ذكرته في التفسير أولى لانسجامه مع السياق إذ قول عيسى لهم: اتقوا الله، وقولهم: ونعلم أن قد صدقتنا دال على جهلهم بالله ومقام عيسى عليه السلام، وقد يكون أصحاب هذا القول ليسوا من فضلاء الحواريين ولكن كالذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:اجعل لنا ذات أنواط وكالذين قالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة والله أعلم.
روى الترمذي عن عمار بن ياسر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً".
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الأحد, ‏24 ‏ربيع الثاني, ‏1438
تفسير سورة المائدة
الآيات الأواخر من سورة المائدة
/116/117/118/119/120/.
{وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ(116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(120)}
شرح الكلمات:
{إلهين }: معبودين يعبدان من دوني.
{سبحانك }: تنزيهاً لك وتقديساً.
{ما يكون لي}: ما ينبغي لي ولا يتأتى لي ذلك.
{شهيداً}: رقيباً.
{الرقيب }: الحفيظ.
{إن تعذبهم }: أي بنارك فإنهم عبادك تفعل بهم ما تشاء.
{وإن تغفر لهم }: أي تستر عليهم وترحمهم بأن تدخلهم جنتك.
{العزيز الحكيم}: العزيز: الغالب الذي لا يحال بينه وبين مراده،
الحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه فيدخل المشرك النار، والموحد الجنة.
{الصادقين }: جمع صادق: وهو من صدق ربه في عبادته وحده.
{ورضوا عنه} : لأنه أثابهم بأعمالهم جنات تجرى من تحتها الأنهار.
{على كل شيء قدير} : أي على فعل أي شيء تعلقت به إرادته وأراد فعله فإنه يفعله ولا يعجزه بحال من الأحوال.
معنى الآيات:
يقول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر لقومك
{إذ قال الله}هذا مثل أتى أمر الله أتى بصيغة الماضي لتحقق الوقوع وكذلك هناك {إذ قال} فهو بمعنى يقول: اذكر إذ يقول الله يا عيسى .. الخ.
يقول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر لقومك
{إذ قال الله} تعالى يوم يجمع الرسل ويسألهم ماذا أجبتم، ويسأل عيسى بمفرده توبيخاً للنصارى على شركهم {يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} أي معبودين يقرره بذلك فينفي عيسى ذلك على الفور ويقول منزهاً ربه تعالى مقدساً {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}، ويؤكد تفصيه مما وجه إليه توبيخاً لقومه: {إن كنت قلته فقد علمته} يا ربي، إنك {تعلم ما في نفسي} فكيف بقولي وعملي، وأنا {لا أعلم ما في نفسك} إلا أن تعلمني شيئاً، لأنك {أنت علام الغيوب}
أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: "تلقى عيسى حجته ولقَّاه الله في قوله: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأميّ إلهين من دون الله} قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلقاه الله: {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} الآية.
{ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} أن أقوله لهم وهو {اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيداً } أي رقيباً {فلما توفيتني } برفعي إليك {كنت أنت الرقيب عليهم} ترقب أعمالهم وتحفظها لهم لتجزيهم بها.
{وأنت على كل شيء شهيد} رقيب وحفيظ.
{إن تعذبهم} أي من مات منهم على الشرك بأن تصليه نارك فأنت على ذلك قدير، {وإن تغفر لهم} أي لمن مات على التوحيد فتدخله جنتك فإنه لذلك أهل فإنك أنت العزيز الغالب على أمره الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه فلا ينعم من أشرك به ولا يعذب من أطاعه ووحده.
فأجابه الرب تبارك وتعالى قائلا: {هذا يوم4 ينفع الصادقين صدقهم}: صدقوا الله تعالى في إيمانهم به فعبدوه وحده لا شريك له ولم يشركوا
سواه. ونفعه لهم أن أُدْخِلُوا به جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا يخرجون منها أبداً، مع رضى الله تعالى عنهم ورضاهم عنه بما أنعم به عليهم من نعيم لا يفنى ولا يبيد، {ذلك الفوز العظيم} إّنه النّجاة من النار ودخول الجنات.
وفي الآية الأخيرة (120) يخبر تعالى أن له {ملك السموات والأرض وما فيهن} من سائر المخلوقات والكائنات خلقاً وملكاً وتصرفاً يفعل فيها ما يشاء فيرحم ويعذب {وهو على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- توبيخ النصارى في عرصات القيامة على تأليه عيسى ووالدته عليهما السلام.
2- براءة عيسى عليه السلام مِنْ مشركي النصارى وأهل الكتاب.
3- تعذيب المشركين وتنعيم الموحدين قائم على مبدأ الحكمة الإلهية.
4- فضيلة الصدق وأنه نافع في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: "عليكم بالصدق3 فإنه يدعو إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً".
5- سؤال غير الله شيئاً ضرب من الباطل والشرك، لأن غير الله لا يملك شيئاً، ومن لا يملك كيف يعطي ومن أين يعطي؟
هذا أخر ما تيسر من تفسيرة سورة المائدة والله أعلم وأجل وأكرم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ومن استن بسنته الى يوم الدين.

‏الإثنين, ‏25 ‏ربيع الثاني, ‏1438

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
القسم السابع والأخير من تفسير سورة المائدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: