الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة الأعراف -5-

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 662
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الأعراف -5-   الجمعة أغسطس 04, 2017 9:53 pm

تفسير سورة الأعراف.
الآيتان /148/149/.
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)}.
شرح الكلمات:
{من حليهم }: جمع حلى وهو ما تتحلى به المرأة لزوجها من أساور ونحوها من ذهب.
{عجلاً جسداً}: العجل ولد البقرة والجسد أي ذاتا لا مجرد صورة على ورق أو جدار.
{له خوار }: الخوار صوت البقر كالرغاء صوت الإبل.
والثغاء. صوت الشاة، والمواء: صوت القط، والعراء: صوت الذئب، واليعار: صوت المعز.
الخوار: صوت العجل، والجؤار: مثله، وفعل الخوار خار يخور خواراً، وفعل الجؤار جأر يجأر جؤراً.
وأما خور يخور خوراً فمعناه: جبن وضعف.
{ولما سقط في أيديهم }: أي ندموا على عبادته لأنها عبادة باطلة.
معنى الآيات:
هذا عود إلى قصص موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل، فقد كان السياق مع موسى عليه السلام في جبل الطور وطلبه الرؤية وتوبته من ذلك
ثم اعترض السياق ببيان القاعدة العظيمة في تعليل هلاك العباد وبيان سببه وهو التكذيب بآيات الله المنزلة والغفلة عنها،
ثم عاد السياق لقصص موسى عليه السلام مع بني إسرائيل
فقال تعالى :{واتخذ قوم موسى من بعده} أي من بعد غيبته في جبل الطور لمناجاة ربه وليأتي بالكتاب الحاوي للشريعة التي سيسوسهم بها موسى عليه السلام ويحكمهم بموجبها ومقتضى قوانينها
اتخذوا {من حليهم} أي حلي نسائهم {عجلاً جسداً له خوار} وذلك أن السامري طلب من نسائهم حليهم بحجة واهية: أن هذا الحلي مستعار من نساء الأقباط ولا يحل تملكه فاحتال عليهم وكان صائغاً فصهره وأخرج لهم منه .
نسبة إلى قرية تسمى: سامرة، واسمه: موسى بن ظفر، ولد عام قتل الأبناء كموسى عليه السلام.
{عجلاً جسداً} أي ذاتاً.
العجل ولد البقرة كالحوار: ولدُ الناقة
والمهر: ولدُ الفرس،
والجحش: ولد الأتان
والحمل: ولدُ الشاة،
والجسد: الجثة.
{له خوار} أي صوت كصوت البقر، وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه ولم يقل وإله هارون لأن هارون كان معهم خليفة فخاف أن يكذبه هارون فلم ينسبه إليه،
وقوله تعالى {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً} توبيخ لهم وتقريع على غباوتهم وجهلهم، وإلا كيف يعتقدون إلهاً وهو لا يتكلم فيكلمهم ولا يُعقل فيهديهم سبيل الرشد إن ضلوا وقد ضلوا بالفعل ثم قال تعالى {اتخذوه} أي إلهاً {وكانوا ظالمين} في ذلك، لأن الله رب موسى وهارون والعالمين لم يكن عجلاً ولا مخلوقاً كائناً من كان فما أجهل القوم وما أسوأ فهمهم وحالهم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (148) .
وأما الآية الثانية (149) فقد أخبر تعالى عن حالهم بعد انكشاف الأمر لهم، وبيان خطئهم فقال تعالى {ولما سقط في أيديهم}سُقط بضم السين، وأسقط بضم الهمزة بالبناء للمفعول، يقال للنادم المتحيّر: سقط في يده وأسقط في يده، وقرىء: سقط بالبناء للفاعل، أي: سقط الندم في يده، والندم يكون في القلب، وإنما ذكروا اليد هنا تشبيهاً بمن سقط شيء في يده وهو مثل: عض يده من الندم.
{ولما سقط في أيديهم} أي ندموا ندماً شديداً ورأوا أنهم بشركهم هذا قد ضلوا الطريق الحق والرشد، صاحوا معلنين توبتهم {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} أي هذا الذنب العظيم {لنكونن من الخاسرين} في الدار الآخرة فنكون من أصحاب الجحيم.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين :
1- بيان سنة من سنن الكون وهي أن المرء يتأثر بما يرى ويسمع، والرؤية أكثر تأثيراً في النفس من السماع فإن بني إسرائيل رؤيتهم للأبقار الآلهة التي مروا بأهل قرية يعكفون عليها وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً مثلها هو الذي جعلهم يقبلون عجل السامري الذي صنعه لهم، ومن هذا كان منظر الأشياء في التلفاز وشاشات الفيديو مؤثراً جداً وكم أفسد من عقول ولوث من نفوس، وأفسد من أخلاق فحسبنا الله ونعم الوكيل.
2- تقبيح الغباء والجمود في الفكر، وذلك لقول الله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم}.
3- إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه التوبة بعد المعصية فندم واستغفر.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
‏الأحد, ‏19 ‏رجب, ‏1438
تفسير سورة الأعراف.
الآيات /150/151/152/153/154/.
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)}.
شرح الكلمات:
{ولما رجع موسى }: أي من جبل الطور بعد مرور أكثر من أربعين يوما.
{أسفاً }: أي حزيناً شديد الحزن والغضب.
غضبان شديد الغضب ومؤنثه غضبى غير مصروف لزيادة الألف والنون، وأسفاً: معناه شديد الغضب قال أبو الدرداء، الأسف منزلة وراء الغضب أشدّ منه والأسيف: الحزين.
الغضب من طباع البشر وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم من غضب وهو قائم أن يجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلاّ اضطجع فقد روى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وإنّ الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنّما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
{أعجلتم أمر ربكم }: أي استعجلتم.
{برأس أخيه }: أي هارون شقيقه.
{قال ابن أم} : أصلها يا ابن أمي فقلبت الياء ألفاً نحو يا غلاماً، ثم حذفت وهارون شقيق موسى وإنما ناداه بأمه لأنها أكثر عطفاً وحناناً.
{فلا تشمت بي الأعداء}: أي لا تجعل الأعداء يفرحون بإهانتك أو ضربك لي.
{اتخذوا العجل }: أي إلهاً عبدوه.
{المفترين }: الكاذبين على الله تعالى بالشرك به أي يجعل شريك له.
{ولما سكت عن موسى الغضب}: زال غضبه وسكنت نفسه من القلق والاضطراب.
{أخذ الألواح }: أي من الأرض بعد أن طرحها فتكسرت.
{وفي نسختها }: أي وفي ما نسخه منها بعد تكسرها نسخة فيها هدى ورحمة.
{يرهبون }: يخافون ربهم ويخشون عقابه فلا يعصونه.
معنى الآيات:
مازال السياق في أحداث قصص موسى عليه السلام مع بني إسرائيل ففي هذا السياق الكريم يخبر تعالى أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه من مناجاته وقد أخبره ربه تعالى أنه قد فتن قومه من بعده وأن السامري قد أضلهم فلذا رجع {غضبان أسفاً} أي شديد الغضب والحزن، وما إن واجههم حتى قال: {بئسما خلفتموني من بعدي، أعجلتم أمر ربكم؟}
أي استعجلتم فلم تتموا ميعاد ربكم أربعين يوماً فقلتم مات موسى وبدلتم دينه فعبدتم العجل {وألقى الألواح} أي طرحها فتكسرت {وأخذ بلحية} هارون ورأسه يؤنبه على تفريطه في مهام الخلافة فاعتذر هارون فقال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيث أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي هذا وارد في سورة طه وأما السياق هنا فقد قال :
{يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} وهم الذين ظلموا بعبادة العجل، ومعنى {لا تشمت بي الأعداء } لا تؤذني بضرب ولا بغيره إذ ذاك يفرح أعدانا من هؤلاء الجهلة الظالمين، وهنا رق له موسى وعطف عليه فقال {رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} توسل إلى الله تعالى في قبول دعائه بقوله {وأنت أرحم الراحمين}.
في الآية دليل على أن من خاف على نفسه القتل أن يسكت عن المنكر ولا يغيره بيده ولا بلسانه ولكن بقلبه.
هذا ما تضمنته الآيتان الأولى (150) والثانية (151).
أما الآية الثالثة فقد أخبر تعالى بأن الذين اتخذوا العجل أي إلهاً {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} وكما جزاهم بالغضب المستوجب للعذاب والذلة المستلزمة للإهانة يجزي تعالى المفترين عليه الكاذبين باتخاذ الشريك له وهو بريء من الشركاء والمشركين،
هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (151)
أما الآية الرابعة فقد تضمنت فتح باب الله تعالى لمن أراد أن يتوب إليه إذ قال تعالى {والذين عملوا السيئات} جمع سيئة وهي هنا سيئة الشرك
{ثم تابوا من بعدها} أي تركوا عبادة غير الله تعالى وآمنوا إيماناً صادقاً فإن الله تعالى يقبل توبتهم ويغفر لهم ذنوبهم ويرحمهم فيدخلهم جنته مع الصالحين من عباده، هذا ما دلت عليه الآية الرابعة (153)
أما الآية الخامسة (154) فقد تضمنت الأخبار عن موسى عليه السلام
وانه لما سكت عنه الغضب أي ذهب أخذ الألواح التي ألقاها من شدة الغضب.
النسخة: بمعنى المنوسخ، والنسخ: النقل للمكتوب في لوح أو غيره، ويسمى المنوسخ نسخة.
وأخبر تعالى أن في نسخة تلك الألواح {هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} وهم المؤمنون المتقون وخصوا بالذكر لأنهم الذين يجدون الهدى والرحمة في نسخة الألواح، لأنهم يقرأون ويفهمون ويعلمون وذلك لإيمانهم وتقواهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- الغضب من طباع البشر فلا يلام عليه المرء ومهما بلغ من الكمال كالأنبياء، ولكن أهل الكمال لا يخرج بهم الغضب إلى حد أن يقولوا أو يعملوا ما ليس بخير وصلاح.
2- مشروعية الاعتذار وقبول العذر من أهل المروءات.
3- مشروعية التوسل بأسماء الله وصفاته.
4- كل وعيد لله تعالى توعد به عبداً من عباده مقيد بعدم توبة المتوعد.
5- كل رحمة وهدى ونور في كتاب الله لا ينتفع به إلا أهل الإيمان والتقوى.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
‏الإثنين, ‏20 ‏رجب, ‏1438
تفسير سورة الأعراف.
الآيات /155/156/157/.
{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ(155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)}.
شرح الكلمات:
{واختار موسى قومه سبعين رجلاً }: أي أخذ خيار قومه وهم سبعون رجلاً.
{لميقاتنا}: أي للوقت الذي حددناه له ليأتينا مع سبعين رجلاً.
{أخذتهم الرجفة}: الصاعقة التي رجفت لها القلوب.
{السفهاء }: جمع سفيه: وهو الذي لا رشد له في سائر تصرفاته.
{إن هي إلا فتنتك }: أي ما هي إلا فتنتك أي اختبارك لأهل الطاعة من عبادك.
{أنت ولينا}: أي المتولي أمرنا وليس لنا من ولي سواك.
{هدنا إليك}: أي رجعنا إليك وتبنا.
{الأمي}: الذي لا يقرأ ولا يكتب.
{المعروف، والمنكر}: ما عرفه الشرع والمنكر: ما أنكره الشرع.
{ويحرم عليهم الخبائث}: أي بإذن الله والخبائث جمع خبيثة: كالميتة مثلاً.
{ويضع عنهم إصرهم والأغلال }: الإصر: العهد والأغلال: الشدائد في الدين.
{عزروه }: أي وقروه وعظموه.
{واتبعوا النور الذي أنزل معه }: القرآن الكريم.
{هم المفلحون }: الفائزون أي الناجون من النار الداخلون الجنة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في أحداث موسى عليه السلام مع بني إسرائيل فإنه بعد الحدث الجلل الذي حصل في غيبة موسى عليه السلام وذلك هو عبادة جل بني إسرائيل العجل واتخاذهم له إلهاً فإن الله تعالى وقت لموسى عليه السلام وقتاً يأتيه فيه مع خيار بني إسرائيل يطلب لهم التوبة من الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {واختار1 موسى قومه سبعين رجلاً} ولما انتهى بهم إلى جبل الطور وغشيت الجبل غمامة وأخذ موسى عليه السلام يناجي ربه تعالى وهم يسمعون قالوا لموسى عليه السلام لن نؤمن لك بأن الذي كان يكلمك الرب تعالى حتى نرى الله جهرة أي عياناً وهنا غضب الله تعالى عليهم فأخذتهم صيحة رجفت لها قلوبهم والأرض من تحتهم فماتوا كلهم، وهو معنى قوله تعالى {فأخذتهم الرجفة} وهنا أسف موسى عليه السلام لموت السبعين رجلاً وقد اختارهم الخير فالخير فإذا بهم يموتون أجمعون فخاطب ربه قائلاً :{رب لو شئت أهلكتهم من قبل} أي من قبل مجيئنا إليك {وإياي} وذلك في منزل بني إسرائيل حيث عبدوا العجل {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} أي بسبب فعل السفهاء الذين لا رشد لهم، وهم من عبدوا العجل كمن سألوا رؤية الله تعالى، وقوله عليه السلام {إن هي إلا فتنتك} أي إلا اختبارك وبليتك {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء، أنت ولينا} فليس لنا سواك {فاغفر لنا} أي ذنوبنا {وارحمنا} برفع العذاب عنا {وأنت خير الغافرين} {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} بأن توفقنا لعمل الصالحات وتتقبلها منا، {وفي الآخرة} تغفر ذنوبنا وتدخلنا جنتك مع سائر عبادك الصالحين،
وقوله {إنا هدنا إليك} أي إنا قد تبنا إليك فأجابه الرب تعالى بقوله {عذابي أصيب به من أشاء} أي من عبادي وهم الذين يفسقون عن أمري ويخرجون عن طاعتي {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} وبهذا القيد الوصفي، وبما بعده خرج إبليس واليهود وسائر أهل الملل ودخلت أمة الإسلام وحدها إلا من آمن من أهل الكتاب واستقام على دين الله وهو الإسلام.
وقوله {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} هو محمد صلى الله عليه وسلم {الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} وذلك بذكر صفاته والثناء عليه وعلى أمته،
وقوله {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات} أي التي كانت قد حرمت عليهم بظلمهم
{ويحرم عليهم الخبائث} الخمر ولحم الخنزير والربا وسائر المحرمات في الإسلام، وقوله {ويضع عنهم إصرهم} أي ويحط عنهم تبعة العهد الذي أخذ عليهم بالعمل فيما في التوراة والإنجيل بأن يعملوا بكل ما جاء في
التوراة والإنجيل،
وقوله {والأغلال التي كانت عليهم} أي الشدائد المفروض عليهم القيام بها وذلك كقتل النفس بالنفس إذ لا عفو ولا دية وكقطع الثوب للنجاسة تصيبه وغير ذلك من التكاليف الشاقة كل هذا يوضع عليهم إذا أسلموا بدخولهم في الإسلام
وقوله تعالى {فالذين آمنوا به} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم {وعزروه} أي وقروه وعظموه {ونصروه} على أعدائه من المشركين والكافرين والمنافقين {واتبعوا النور الذي أنزل معه} وهو القرآن الكريم {أولئك هم المفلحون} أي وحدهم دون سواهم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وجوب التوبة من كل ذنب، ومشروعية صلاة ركعتين وسؤال الله تعالى عقبها أن يقبل توبة التائب ويغفر ذنبه.
2- كل سلوك ينافي الشرع فهو من السفه المذموم، وصاحبه قد يوصف بأنه سقيه.
3- الهداية والإضلال كلاهما بيد الله تعالى فعلى العبد أن يطلب الهداية من الله تعالى ويسأله أن لا يضله.
4- رحمة الله تعالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تنال اليهود ولا النصارى ولا غيرهم.
5- بيان شرف النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
6- بيان فضل تزكية النفس بعمل الصالحات وإبعادها عن المدسيات من الذنوب.
7- بيان فضل التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
8- وجوب توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ونصرته وإتباع الكتاب الذي جاء به والسنن التي سنها لأمته.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
‏الثلاثاء, ‏21 ‏رجب, ‏1438
تفسير سورة الأعراف.
الآيات /158/159/160/161/162/.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(158) وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ(162)}.
شرح الكلمات:
{لا إله إلا هو} : أي لا معبود بحق إلا الله.
{النبي الأمي}: المنبئ عن الله والمنبأ من قبل الله تعالى، والأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب.
نسبة إلى الأم كأنه ما زال لم يفارق أمه فلم يتعلم بعد.
{يؤمن بالله وكلماته} : الذي يؤمن بالله رباً وإلهاً، وبكلماته التشريعية والكونية القدريه.
{تهتدون}: ترشدون إلى طريق كمالكم وسعادتكم في الحياتين.
{أمة يهدون بالحق}: أي جماعة يهدون أنفسهم وغيرهم بالدين الحق وبه يعدلون في قضائهم وحكمهم على أنفسهم وعلى غيرهم إنصافاً وعدلاً لا جور ولا ظلم.
{أسباطاً }: جمع سبط: وهو بمعنى القبيلة عند العرب.
{استسقاه قومه }: أي طلبوا منه الماء لعطشهم.
{فانبجست}: فانفجرت.
{المن والسلوى}: المن: حلوى كالعسل تنزل على أوراق الأشجار، {والسلوى}: طائر لذيذ لحمه.
المنّ: مادة بيضاء تنزل من السماء كالطل حلوة الطعم تشبه العسل، وإذ جفّت كانت الصمغ،
والسلوى: طائر معروف يقال له السُمَانى بضم السين وفتح النون على وزن حُبَارى.
{اسكنوا هذه القرية }: هي حاضرة فلسطين.
{وقولوا حطة}: أي احطط عنا خطايانا بمعنى الإعلان عن توبتهم.
{رجزاً من السماء} : أي عذاباً من عند الله تعالى.
معنى الآيات:
بعد الإشادة بالنبي الأمي صلى الله عليه وسلم وبأمته، وقصر الفلاح في الدارين على الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه قد يظن ظان أن هذا النبي شأنه شأن سائر الأنبياء قبله هو نبي قومه خاصة وما ذكر من الكمال لا يتعدى قومه فرفع هذا الوهم بهذه الآية (158) حيث أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن عن عموم رسالته بما لا مجال للشك فيه فقال:
{قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}
وقوله {الذي له ملك السموات والأرض} وصف لله تعالى وقوله:
{لا إله إلا هو} تقرير لألوهية الله تعالى بعد ذكر قدرته وسلطانه وملكه وتدبيره لذا وجب أن لا يكون معبود إلا هو وهو كذلك إذ كل معبود غيره هو معبود عن جهل وعناد وظلم.
وقوله {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي} أمر الإله الحق إلى الناس كافة بالإيمان به تعالى رباً وإلهاً، وبرسوله النبي الأمي نبياً ورسولاً،
وقوله {الذي يؤمن بالله وكلماته} صفة للنبي الأمي صلى الله عليه وسلم إذ من صفات النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم أنه يؤمن بالله حق الإيمان وأوفاه ويؤمن بكلماته أي بكلمات الرب التشريعية وهي آيات القرآن الكريم، والكونية التي يُكوّن الله بها ما شاء من الأكوان إذ بها يقول للشيء كن فيكون كما قال لعيسى بتلك الكلمة كن فكان عيسى عليه السلام وقوله {واتبعوه لعلكم تهتدون} هذا أمر الله إلى الناس كافة بعد الأمر بالإيمان به وبرسوله النبي الأمي أمر بإتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم رجاء هداية من يتبعه فيما جاء به فيهتدي إلى سبيل الفوز في الدارين هذا ما تضمنته الآية الأولى (158).
أما الآية الثانية (159) فقد تضمنت الإخبار الإلهي بأن قوم موسى وإن ضلوا أو أجرموا وفسقوا ليس معنى ذلك أنه لم يكن فيهم أو بينهم من هم على هدى الله فهذه الآية كانت كالاحتراس من مثل هذا الفهم، إذ أخبر تعالى أن {من قوم موسى أمة} أي جماعة تكثر أو تقل {يهدون بالحق} أي يعملون بالحق في عقائدهم وعباداتهم ويدعون إلى ذلك وبالحق يعدلون فيما بينهم وبين غيرهم فهم يعيشون على الإنصاف والعدل، ولم يذكر تعالى أين هم ولا متى كانوا هم؟ فلا يبحث ذلك، إذ لا فائدة فيه، ثم عاد السياق إلى قوم موسي يذكر أحداثهم للعظة والاعتبار وتقرير الحق في توحيد الله تعالى وإثبات نبوة رسوله وتقرير عقيدة البعث والجزاء أو اليوم الآخر.
فقال تعالى في الآية الثالثة (160) {وقطعناهم} أي بني إسرائيل {اثنتى عشرة أسباطاً أمماً} أصل السبط ابن البنت وأريد به هنا أولاد كل سبط من أولاد يعقوب عليه السلام.
فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب كل قبيلة تنتسب إلى أبيها الأول، وأتت لفظ اثنتي عشرة لأن معنى الأسباط الفرق والفرقة مؤنثة، وقوله: { وأوحينا إلى موسى إذا استسقاه قومه} أعلمناه بطريق الوحي وهو الإعلام الخفي السريع، ومعنى {استسقاه} طلبوا منه السقيا لأنهم عطشوا لقلة الماء في صحراء سينا.
{أن اضرب بعصاك الحجر} هذا الموحى به، فضرب {فانبجست} أي انفجرت {منه اثنتا عشرة عيناً} ليشرب كل سبط من عينه الخاصة حتى لا يقع اصطدام أو تدافع فينجم عنه الأذى .
وقوله تعالى: {قد علم كل أناس مشربهم} يريد عرف كل جماعة ماءهم الخاص بهم وقوله تعالى :{وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى} هذا ذكر لإنعامه تعالى على بني إسرائيل وهم في معية موسى وهارون في حادثة التيه، حيث أرسل تعالى الغمام وهو سحاب أبيض بارد يظلهم من الشمس حتى لا تلفحهم، وأنزل عليهم المن وهي حلوى كالعسل سقط ليلاً كالطل على الأشجار، وسخر لهم طائراً لذيذ اللحم يقال له السلوى وهو طائر السمانى المعروف وقلنا لهم
{كلوا من طيبات ما رزقناكم} وقوله تعالى {وما ظلمونا} بتمردهم على أنبيائهم وعدم طاعتهم لربهم حتى نزل بهم ما نزل من البلاء،
{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
أما الآية الثالثة (161) فقد تضمنت حادثة بعد أحداث التيه في صحراء سيناء وذلك أن يوشع بن نون بعد أن تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام وانقضاء مدة التيه وكانت أربعين سنة غزا يوشع ببني إسرائيل العمالقة في أرض القدس وفتح الله تعالى عليه فقال لبني إسرائيل ادخلوا باب المدينة ساجدين أي منحنين خضوعاً لله وشكراً على نعمة الفتح بعد النصر والنجاة من التيه،
وقوله إثناء دخولكم الباب كلمة {حطة} الدالة على توبتكم واستغفاركم ربكم لذنوبكم فإن الله تعالى يغفر لكم خطئياتكم، وسيزيد الله المحسنين منكم الإنعام والخير الكثير مع رضاه عنكم وإدخالكم الجنة، هذا معنى قوله تعالى :{وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية} أي مدينة فلسطين اسم القرية: أريحا، وكلمة فلسطين عامة في القطر كلّه.
{وكلوا منها حيث شئتم} لما فيها من الخيرات {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين}.
أما الآية الرابعة (162) فهي قد تضمنت الإخبار عن الذين ظلموا من بني إسرائيل الذين أمروا بدخول القرية ودخول الباب سجداً. حيث بدلوا {قولاً غير الذي قيل لهم} فبدل حطة قالوا حنطة، وبدل الدخول منحنين ساجدين دخلوا يزحفون على أستاههم، فلما رأى تعالى ذلك التمرد والعصيان وعدم الشكران أنزل عليهم وباء من السماء كاد يقضي على آخرهم هذا معنى قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون}.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- عموم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لكافه الناس عربهم وعجمهم أبيضهم وأصفرهم.
2- هداية الإنسان فرداً أو جماعة أو أمة إلى الكمال والإسعاد متوقفة على إتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
3- إنصاف القرآن للأمم والجماعات فقد صرح أن في بني إسرائيل أمة قائمة على الحق، وذلك بعد فساد بني إسرائيل، وقبل مبعث النبي الخاتم أما بعد البعثة المحمدية فلم يبق أحد على الحق، إلا من آمن به واتبعه لنسخ سائر الشرائع بشريعته.
4 إذا أنعم الله على عبد أو أمة نعمة ثم لم يشكرها تسلب منه أحب أم كره وكائناً من كان.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .
‏الأربعاء, ‏22 ‏رجب, ‏1438
تفسير سورة الأعراف.
الآيات /163/164/165/166/.
{واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(166)}.
شرح الكلمات:
{حاضرة البحر }: أي على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس.
{يعدون في السبت }: أي يعتدون وذلك بالصيد المحرم عليهم فيه.
{يوم سبتهم }: أي يوم راحتهم من أعمال الدنيا وهو يوم السبت.
{شرعاً }: جمع شارع أي ظاهرة بارزة تغريهم بنفسها.
{كذلك نبلوهم }: أي نمتحنهم ونختبرهم.
{بما كانوا يفسقون}: أي بسبب ما أعلنوه من الفسق وهو العصيان.
{معذرة إلى ربكم }: أي ننهاهم فإن انتهوا فذاك وإلا فنهينا يكون عذراً لنا عند ربنا.
{فلما نسوا ما ذكروا به }: أي أهملوه وتركوه فلم يمتثلوا ما أمروا به ولا ما نهوا عنه.
{عن السوء }: السوء هو كل ما يسيء إلى النفس من سائر الذنوب والآثام.
{بعذاب بئيس }: أي ذا بأس شديد.
{فلما عتوا عما نهوا عنه }: أي ترفعوا وطغوا فلم يبالوا بالنهي.
{قردة خاسئين}: القردة جمع قرد معروف وخاسئين ذليلين حقيرين اخساء.
معنى الآيات:
ما زال السياق في بني إسرائيل إلا أنه هنا مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ويهود المدينة فالله تعالى يقول لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام اسألهم أي اليهود
هذا سؤال توبيخ وتقرير، إذ كانوا يتبجحون بأنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم من سبط خليل الرحمن إبراهيم، ومن سبط إسرائيل، فالسؤال عن القرية السؤال عن أهلها.
{عن القرية التي كانت حاضرة البحر} أي قريبة منه على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس والشام،هذه القرية هي أيلة، والمسماة اليوم بالعقبة وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر.
أي اسألهم عن أهلها كيف كان عاقبة أمرهم، أنهم مسخوا قردة وخنازير جزاء فسقهم عن أمر ربهم، وفصل له الحادث تفصيلاً للعبرة والاتعاظ فقال :{إذ يعدون في السبت} أي يعتدون ما أذن لهم فيه إلى ما حرم عليهم، أذن لهم أن يصيدوا ما شاءوا إلا يوم السبت فإنه يوم عبادة ليس يوم لهو وصيد وطرب، {إذ تأتيهم حيتانهم} أي أسماكهم {يوم سبتهم شرعاً} ظاهرة على سطح الماء تغريهم بنفسها
{ويوم لا يسبتون} أي في باقي أيام الأسبوع {لا تأتيهم} إذاً هم مبتلون، قال تعالى :{كذلك} أي كهذا الابتلاء والاختبار {نبلوهم بما كانوا يفسقون} أي بسبب فسقهم عن طاعة ربهم ورسله،
إذ ما من معصية إلا بذنب هكذا سنة الله تعالى في الناس.
هذا ما تضمنته الآية الأولى (163) وهي قوله تعالى {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم6 بما كانوا يفسقون}.
وأما الآية الثانية (164) فالله تعالى يقول لرسوله اذكر لهم أيضاً إذ قالت طائفة منهم أي من أهل القرية لطائفة أخرى كانت تعظ المعتدين في السبت أي تنهاهم عنه لأنه معصية وتحذرهم من مغبة الاعتداء على شرع الله تعالى قالت :{لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} وهذا القول من هذه الطائفة دال على يأسهم من رجوع إخوانهم عن فسقهم وباطلهم، فأجابتهم الطائفة الواعظة :
{معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} أي وعظنا لهم هو معذرة لنا عند الله تعالى من جهة ومن جهة أخرى {لعلهم يتقون} فيتوبوا ويتركوا هذا الاعتداء، قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به} وخوفوا منه وهو تحريم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، ومعنى نسوا تركوا ولم يلتفتوا إلى وعظ إخوانهم لهم وواصلوا اعتداءهم وفسقهم، قال تعالى :{أنجينا الذين ينهون عن السوء} وهم الواعظون لهم من ملّوا ويئسوا فتركوا وعظهم، وممن واصلوا نهيهم ووعظهم {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} أي شديد البأس {بما كانوا يفسقون} عن طاعة الله ربهم،
إذ قال تعالى لهم: {كونوا قردة خاسئين} فكانوا قردة خاسئين ذليلين صاغرين حقيرين، ثم لم يلبثوا (مسخاً) إلا ثلاثة أيام وماتوا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير الوحي والنبوة لرسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذا القصص الذي يذكر لبني إسرائيل لن يتم إلا عن طريق الوحي، وإلا فكيف علمه وذكر به اليهود أصحابه وأهله، وقد مضى عليه زمن طويل.
2- إذا أنعم الله على أمة نعمة ثم أعرضت عن شكرها تعرضت للبلاء أولاً ثم العذاب ثانياً.
3- جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد نجى الله تعالى الناهين عن المنكر وأهلك الذين باشروه ولم ينتهوا منه دون غيرهم.
4 - إطلاق لفظ السوء على المعصية مؤذن بأن المعصية مهما كانت صغيرة تحدث السوء في نفس فاعلها.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

‏الخميس, ‏23 ‏رجب, ‏1438
تفسير سورة الأعراف.
الآيات /167/168/169/170/.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)}.

شرح الكلمات :
{تأذن } : أعلم وأعلن.
آذن وأذن بمعنى واحد، وهو أَعلم .
{ليبعثن }: أي ليسلطن.
{من يسومهم سوء العذاب} : أي يذيقهم ويوليهم سوء العذاب كالذلة والمسكنة.
{وقطعناهم }: أي فرقناهم جماعات جماعات.
{بلوناهم بالحسنات والسيئات }: اختبرناهم بالخير والشر أو النعم والنقم.
{فخلف من بعدهم خلف }: الخلف بإسكان اللام خلف سوء وبالتحريك خلف خير.
{ورثوا الكتاب} : أي التوراة.
{عرض هذا الأدنى}: أي حطام الدنيا الفاني وهو المال.
{يمسكون بالكتاب} : أي يتمسكون بما في التوراة فيحلون ما أحل الله فيها ويحرمون ما حرم.
معنى الآيات:
ما زال السياق في شأن اليهود فقد أمر تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذكر إعلامه تعالى بأنه سيبعث بكل تأكيد على اليهود إلى يوم القيامة من يذلهم ويضطهدهم عقوبة منه تعالى لهم على خبث طواياهم وسوء أفعالهم، وهذا الإطلاق في هذا الوعيد الشديد يقيد بأحد أمرين
الأول بتوبة من تاب منهم ويدل على هذا القيد قوله تعالى في آخر هذه الآية :{إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} أي لمن تاب.
والثاني بجوار دولة قوية لهم وحمايتها وهذا مفهوم قوله تعالى من سورة آل عمران :{ضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله} وهو الإسلام {وحبل من الناس}، وهو ما ذكرناه آنفاً.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق (167) وهي قوله تعالى {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم}
يسومهم سوء العذاب: يجعل أسوأ العذاب وأشدّه كالقيمة لهم إذ هو حظهم المفروض عليهم، أوّل من تسلط عليهم فسامهم سوء العذاب بختنصر البابلي.
وأما الآية الثانية (168) فقد تضمنت بيان فضل الله تعالى على اليهود وهو أن الله تعالى قد فرقهم في الأرض جماعات جماعات، وأن منهم الصالحين، وأن منهم دون ذلك وأنه اختبرهم بالحسنات وهي النعم، والسيئات وهي النقم تهيئة لهم وإعداداً للتوبة إن آثروا التوبة على الاستمرار في الإجرام والشر والفساد.
هذا ما تضمنته الآية الثانية وهي قوله تعالى :{وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومن دون ذلك، وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}
أي شتتناهم في البلاد بعد تسلط البابليين عليهم وتمزيق ملكهم فعاشوا مشتتين فلم ينتظم ملكهم مدّة طويلة وهم إذ ذاك ما بين صالح وفاسد وانتظم أمرهم مرة أخرى ثمّ فسقوا فسلّط عليهم أطيطوس الروماني فتفرقوا مرّة أخرى وما زالوا مفرقين إلى هذه الأيام، باجتماعهم في فلسطين وتكوينهم دولة إسرائيل وعمّا قريب تزول بإذن الله تعالى.
وأما الآية الثالثة (169) فقد أخبر تعالى أنه قد خلف من بعد تلك الأمة خلف سوء ورثوا الكتاب الذي هو التوراة ورثوه عن أسلافهم ولم يتلزموا بما أخذ عليهم فيه من عهود على الرغم من قراءتهم له فقد آثروا الدنيا على الآخرة فاستباحوا الربا والرشا وسائر المحرمات، ويدعون أنهم سيغفر لهم، وكلما أتاهم مال حرام أخذوه ومنوا أنفسهم بالمغفرة كذباً على الله تعالى قال تعالى موبخاً لهم :{ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} وقد قرأوا هذا في الكتاب وفهموه ومع هذا يجترئون على الله ويكذبون عليه بأنه سيغفر لهم، ثم يواجههم تعالى بالخطاب مذكراً لهم واعظاً فيقول {والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون؟}
ويفتح الله تعالى باب الرجاء لهم في الآية الرابعة في هذا السياق فيقول {والذين يمسكون بالكتاب} أي يعملون بحرص وشدة بما فيه من الأحكام والشرائع ولا يفرطون في شيء من ذلك {وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين}، ومعنى هذا أنهم مصلحون إن تمسكوا بالكتاب وأقاموا الصلاة، وان الله تعالى سيجزيهم على إصلاحهم لأنفسهم ولغيرهم أعظم الجزاء وأوفره، لأنه تعالى لا يضيع أجر المصلحين.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- بيان موجز لتوبيخ اليهود في هذه الآيات الأربع.
2- من أهل الكتاب الصالحون، ومنهم دون ذلك.
3- التنديد بإيثار الدنيا على الآخرة، وبتمني المغفرة مع الإصرار على الإجرام.
4- تفضيل الآخرة على الدنيا بالنسبة للمتقين.
5- الحث على التمسك بالكتاب قراءة وتعلماً وعملاً بإحلال حلاله وتحريم حرامه.
مسك وتمسّك بمعنى واحد.
6- فضل اقام الصلاة.
روى الدارمي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه الرواية التالية وهي منطبقة على واقعنا اليوم ومن قبل اليوم قَالَSad( سَيَبْلَى الْقُرْآنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ كَمَا يَبْلَى الثَّوْبُ فَيَتَهَافَتُ يَقْرَءُونَهُ لَا يَجِدُونَ لَهُ شَهْوَةً وَلَا لَذَّةً يَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ أَعْمَالُهُمْ طَمَعٌ لَا يُخَالِطُهُ خَوْفٌ إِنْ قَصَّرُوا قَالُوا سَنَبْلُغُ وَإِنْ أَسَاءُوا قَالُوا سَيُغْفَرُ لَنَا إِنَّا لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا))
الدارمي في سننه ج2/ص531 ح3346
وفي مسند الصحابة في الكتب التسعة.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

‏الجمعة, ‏24 ‏رجب, ‏1438
تفسير سورة الأعراف.
الآيات /171/172/173/174/.
{وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ(173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(174)}.
شرح الكلمات:
{وإذ نتقنا الجبل }: أي رفعناه من أصله فوق رؤوسهم.
{واقع بهم }: أي ساقط عليهم.
{خذوا ما آتيناكم بقوة }: أي التزموا بالقيام بما عهد إليكم من أحكام التوراة بقوة.
{واذكروا ما فيه}: أي لا تنسوا ما التزمتم به من النهوض بأحكام التوراة .
{من ظهورهم ذريتهم}: أي أخذهم من ظهر آدم عليه السلام بأرض نعمان من عرفات.قال ابن عباس: ببطن نعمان واد إلى جنب عرفة.
{أشهدهم على أنفسهم} : أي بالله تعالى ربهم وإلاههم ولا رب لهم غيره ولا إله لهم سوأه.
الآثار والأحاديث المثبتة لاستخراج الرب تعالى الذريّة من ظهر آدم كثيرة منها في الموطأ والسنن ونكتفي برواية الشيخين الآتية: قال صلى الله عليه وسلم: يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفدياً؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردتُ منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلاّ أن تشرك".
{المبطلون}: العاملون بالشرك والمعاصي إذ كلها باطل لا حق فيه.
{نفصل الآيات}: نبينها ونوضحها بتنويع الأساليب وتكرار الحجج وضرب الأمثال وذكر القصص.
معنى الآيات:
الآية الأولى في هذا السياق هي خاتمة الحديث على اليهود إذ قال تعالى لرسوله :{وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} أي اذكر لهم أيها الرسول إذ نتقنا أي رفعنا فوقهم جبل الطور من أصله وصار فوقهم كأنه ظلة
{وظنوا أنه واقع بهم} أي ساقط عليهم وقلنا لهم {خذوا ما آتيناكم بقوة} والمراد مما آتاهم أحكام التوراة وما تحمل من الشرائع وأخذها العمل بها والالتزام بكل ما أمرت به ونهت عنه.
وقوله تعالى {واذكروا ما فيه} أي في الذي آتيناكم من الأوامر والنواهي، ولا تنسوه فإن ذكره من شأنه أن يعدكم للعمل به فتحصل لكم بذلك تقوى الله عز وجل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى وهي خاتمة سياق الحديث عن اليهود.
أما الآية الثانية (172) وهي قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} فإنها حادثة جديرة بالذكر والاهتمام لما فيها من الاعتبار، إن الله تعالى أخرج من صلب آدم ذريته فأنطقها بقدرته التي لا يعجزها شيء فنطقت وعقلت الخطاب واستشهدها فشهدت، وخاطبها ففهمت وأمرها فالتزمت وهذا العهد العام الذي أخذ على بني آدم، وسوف يطالبون به يوم القيامة، وهو معنى قوله تعالى {وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا} أي أنك ربنا {أن تقولوا} يوم القيامة {إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون} والعبرة من هذا أن الإنسان سرعان ما ينسى، ويعاهد ولا يفي، وما وجد من بني إسرائيل من عدم الوفاء هو عائد إلى أصل الإنسان، وهناك عبرة أعظم وهى أن التوحيد أخذ به العهد على كل آدمي، ومع الأسف أكثر بني آدم ينكرونه، ويشركون بربهم .
وقوله تعالى {وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون} وكهذا التفصيل الوارد في هذه السورة وهذا السياق وهو تفصيل عجيب نفصل الآيات تذكيراً للناس وتعليماً ولعلهم يرجعون إلى الحق بعد إعراضهم عنه، والى الإيمان والتوحيد بعد انصرافهم عنهما تقليداً وإتباعاً لشياطين الجن والإنس.

هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان نفسيات اليهود وأنها نفسية غريبة وإلا كيف وهم بين يدي الله يتمردون عليه ويعصونه برفضهم الالتزام بما عهد إليهم من أحكام حتى يرفع فوقهم الطور تهديداً لهم، وعندئذ التزموا ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى نقضوا عهدهم وعصوا ربهم.
2- عجيب تدبير الله تعالى في خلقه.
3- الكافر كفر مرتين كفر بالعهد الذي أخذ عليه وهو في عالم الذّر وكفر بالله وهو في عالم الشهادة، والمؤمن آمن مرتين، فلذا يضاعف للأول العذاب ويضاعف للثاني الثواب.
4- تقرير مبدأ الخليقة، ومبدأ المعاد الآخر.
لقد حاول كثيرون التخلص من قضية أخذ الرب تعالى من ظهر آدم ذريته وإشهادهم على أنفسهم، ونطق الأرواح وشهادتها، ولا داعي لهذا أبداً ما دامت الأحاديث والآثار كثيرة وقدرة الله صالحة لكل شيء ولا يعجزها شيء ما هي النملة؟ وقد أنطقها الله فنطقت وأفصحت. إن الحيوان المنوي الذي منه تكون الذرية قال العلماء لو جمعت الحيوانات المنوية كلها من آدم إلى اليوم ووضعت في فنجان ما ملأته. أمع هذا يحاول إبطال الأحاديث وتأويل الآية على غير ظاهرها رجل من أهل العلم؟.
وَصَـلـَّى اللهُ عَـلـَى سَيـِّدِنـَا مُحَمَّدٍ النـَّبـِيّ الأمِيِّ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبـِهِ وَسَـلـَّمَ ومن استن بسنته الى يوم الدين .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير سورة الأعراف -5-
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: