الشيخ محمد امين الزعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في منتدى الشيخ محمد أمين الزعبي

الشيخ محمد امين الزعبي

خطب دينية -صوتيات- فتاوى - تفسير وشرح القرآن الكريم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة يوسف -3-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الزعبي
المدير العام للموقع


المساهمات : 678
تاريخ التسجيل : 11/04/2008

مُساهمةموضوع: تفسير سورة يوسف -3-   الجمعة أبريل 06, 2018 9:59 pm

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (68- 72):

{وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)}.

.شرح الكلمات:

{إلا حاجة في نفس يعقوب}: هي إرادة دفع العين عن أولادة شفقة عليهم.
{آوى إليه أخاه}: أي ضمه إليه أثناء الأكل وأثناء المبيت.
{فلا تبتئس}: أي لا تحزن.
{جعل السقاية}: أي صاع الملك وهو من ذهب كان يشرب فيه ثم جعله مكيالاً يكيل به.
{أذن مؤذن}: نادى منادى.
{أيتها العير}: أي القافلة.
{صواع الملك}: أي صاع الملك. فالصاع والصواع بمعنى واحد.
{وأنا به زعيم}: أي بالحمل كفيل.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن إخوة يوسف فقد عهد إليهم إذا هم وصلوا إلى ديار مصر أن لا يدخلوا من باب واحد بل من أبواب متعددة خشية العين عليهم، وقد وصلوا وعملوا بوصية أبيهم فقد قال تعالى مخبراً عنهم {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم} أي دخولهم من أبواب متفرقة {من الله} أي من قضائه {من شيء إلا حاجة} أي لكن حاجة {في نفس يعقوب} وهي خوف العين عليهم {قضاها} أي لا غير.
وقوله تعالى {وإنه لذو علم لما علمناه} ثناء على يعقوب عليه السلام أي إنه لصاحب علم وعمل لتعليمنا إياه.
وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} هو كما أخبر عز وجل أكثر الناس لا يعلمون عن الله تعالى صفات جلاله وكماله ومحابه ومساخطه وأبواب الوصول إلى مرضاته والحصول على رضاه ومحبته، وما يتقي مما يحرم على العبد من ذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (68).
أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى أن إخوة يوسف عليه السلام لما دخلوا عليه في منزله آواى إليه أخاه أي شقيقه وهو بنيامين، وذلك لما جاء وقت النوم جعل كل اثنين في غرفة وهم أحد عشر رجلاً بقي بنيامين فقال هذا ينام معي، وأنه لما آواه إليه في فراشه أعلمه أنه أخوه يوسف، وأعلمه أن لا يحزن بسبب ما كان إخوته قد عملوه مع أبيهم ومع أخيهم يوسف وأعلمه أنه سيحتال على بقائه معه فلا يكترث بذلك ولا يخبر إخوته بشيء من هذا. هذا ما دلت عليه الآية الثانية وهي قوله تعالى: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون}.
أما الآية الثالثة (70) فقد تضمنت الإِخبار عن تدبير يوسف عليه السلام لبقاء أخيه معه دونهم وذلك أنه لما جهزهم بجهازهم أي كال لهم الطعام وزودهم بما يحتاجون إليه بعد إكرامه لهم جعل بطريق خفيّ لم يشعروا به سقاية الملك وهي الصاع أو الصواع وهي عبارة عن إناء من ذهب كان يشرب فيه ثم جعل آلة كيل خاصة بالملك عرفت بصواع الملك أو صاعه. جعلها في رحل أخيه بنيامين. ثم لما تحركت القافلة وسارت خطوات نادى منادٍ قائلاً أيتها العير أي يا أهل القافلة إنكم لسارقون.
هذا ما تضمنته الآية الكريمة إذ قال تعالى: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون}. قال تعالى إخباراً عنهم: {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} فأجابوا بقولهم: {نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير} أي مكافأة له {وأنا به زعيم} أي وأنا بإعطائه حمل البعير كفيل.

.من هداية الآيات:

1- بيان فضل العلم وأهله.
2- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس لا يعلمون.
3- حسن تدبير يوسف للإِبقاء على أخيه معه بعد ذهاب إخوته.
4- مشروعية إعطاء المكافآت لمن يقوم بعمل معين وهي الجعالة في الفقه.
5- مشروعية الكفالة والكفيل غارم.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎‎10/‎14/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (73- 76):

{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)}.

.شرح الكلمات:

{تالله}: أي والله.
{لنفسد في الأرض}: أي بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب.
{وما كنا سارقين}: أي لم نسرق الصواع كما أنا لم نسرق من قبل متاع أحد.
{من وجد في رحله فهو جزاؤه}: أي يأخذ بالسرقة رقيقاً.
{كذلك نجزى الظالمين}: أي في شريعتنا.
{فى وعاء أخيه}: أي في وعاء أخيه الموجود في رحله.
{كذلك كدنا ليوسف}: أي يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود.
{في دين الملك}: أي في شرعه إذ كان يضرب السارق ويغرم بمثل ما سرق.
{نرفع درجات من نشاء}: أي كما رفع يوسف عليه السلام.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن يوسف وإخوته، إنه لما أعلن عن سرقة صواع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش، وأعلن عن الجائزة لمن يأتي بالصواع وأنها مضمونة هنا قال إخوة يوسف ما أخبر تعالى به عنهم: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} أي بالسرقة وغشيان الذنوب وإنما جئنا للميرة {وما كنا سارقين} أي في يوم من الأيام، وهنا قال رجال الملك رداً على مقاتلهم بما أخبر تعالى به:
{قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين} فأجاب الإِخوة بما أخبر تعالى عنهم بقوله: {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} يريدون أن السارق يُسترق أي يملك بالسرقة .
وقوله: {كذلك نجزي الظالمين} أي في شريعتنا.
وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد وآخر وعاء وعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله، هذا ما دل عليه قوله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه} .
وقوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف} أي هكذا يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم.
وقوله تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة بل السارق يضرب ويغرم فقط، {إلا أن يشاء الله} أمراً فإِنه يكون.
وقوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء} أي في العلم كما رفعنا يوسف {وفوق كل ذي علم} من الناس {عليم} إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فهو العليم الذي لا أعلم منه بل العلم كله له ومنه ولولاه لما علم أحد شيئاً.

.من هداية الآيات:

1- جواز الحلف بالله تعالى للحاجة.
2- مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة.
3- معرفة حكم السرقة في شرعة يعقوب عليه السلام.
4- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه.
5- بيان حكم السرقة في القانون المصري على عهد يوسف عليه السلام.
6- علوّ مقام يوسف عليه السلام في العلم.
7- تقرير قاعدة {وفوق كل ذي علم عليم}: إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎‎‎10/‎15/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (77- 79):

{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)}.

.شرح الكلمات:

{إن يسرق}: أي يأخذ الصواع خفية من حرزه.
{فقد سرق أخ له}: أي يوسف في صباه.
{فأسرها يوسف}: أي أخفى هذه التهمة في نفسه.
{ولم يبدها لهم}: أي لم يظهرها لهم.
{أنتم شر مكاناً}: أي منزلةً ممن رميتموه بالسرقة.
{بما تصفون}: أي بحقيقة ما تصفون أي تذكرون.
{أباً شيخاً كبيراً}: أي يعقوب عليه السلام.
{معاذ الله}: أي نعوذ بالله من أن نأخذ من لم نجد متاعنا عنده.
{متاعنا}: أي الصواع.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث مع يوسف عليه السلام وإخوته، إنه بعد أن استخرج يوسف الصواع من متاع أخيه وتقرر ظاهراً أن بينامين قد سرق، قال إخوته ما أخبر به تعالى عنهم في قوله: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من أخ له من قبل} أي إن يكن بنيامين قد سرق كما قررتم فلا عجب فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف أيام صباه، كان يسرق الطعام ويعطيه للمساكين وسرق صنماً لأبي أمه فكسره حتى لا يعبده، وليس هذا من السرقة المحرمة ولا المذمومة بل هي محمودة.
وقوله تعالى: {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} أي أسر يوسف قولتهم {فقد سرق أخ له من قبل} ولم يظهرها لهم وقال رداً لقولتهم الخاطئة: {أنتم شر مكاناً} أي شر منزلة ممن رميتموه بالسرقة {والله أعلم بما تصفون} أي بحقيقة ما تذكرون.
ولما سمعوا قول يوسف وكان فيه نوع من الصرامة والشدة قالوا مستعطفين يوسف مسترحمينه بما حكى لله تعالى عنهم في قوله: {قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً} أي لأخينا والداً كبير السن يعز عليه فراقه ولا يطيقه. {فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين} أي واحداً منا بدلاً عنهُ ومثلك يفعل ذلك لأنه إحسان وأنت من المحسنين.
فأجابهم بما أخبر تعالى به في قوله: {قال معاذ الله} أي نعوذ بالله {أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون} أي إذا أخذنا من لم يَجْنِ ونترك من جنى أي سرق فقد كنا بذلك ظالمين وهذا ما لا نرضاه ولا نوافق عليه.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية الاعتذار عن الخطأ.
2- قد يضطر الحليم إلى أن يقول ما لم يكن يقوله لولا ما وُوجِهَ به من السوء.
3- مشروعية الاسترحام والاستعطاف لمن احتاج إلى ذلك رجاء أن يرحم ويعطف عليه.
4- حرمة ترك الجاني وأخذ غيره بدلا منه إذ هذا من الظلم المحرم.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎10/‎16/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (80- 84):

{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)}.

.شرح الكلمات:

{خلصوا نجياً}: أي اعتزلوا يناجي بعضهم بعضاً.
{أخذ عليكم موثقاً}: أي عهداً وميثاقاً لتأتن به إلا أن يحاط بكم.
{ومن قبل ما فرطتم}: أي ومن قبل إضاعتكم لبنْيامين فرضتم في يوسف كذلك.
{فلن أبرح الأرض}: أي لن أفارق الأرض، أي أرض مصر.
{وما كنا للغيب حافظين}: أي لما غاب عنا ولم نعرفه حافظين.
{العير التي أقبلنا فيها}: أي أصحاب القافلة التي جئنا معها وهم قوم كنعانيون.
{سولت لكم أنفسكم}: أي زينت وحسنت لكم أمراً ففعلتموه.
{أن يأتيني بهم جميعا}: أي بيوسف وأخويه بنيامين وروبيل.
{وتولى عنهم}: أي معرضاً عن حديثهم.
{وقال يا أسفى}: أي يا حزني أحضر هذا أوان حضورك.
{فهو كظيم}: أي مغموم مكروب لا يظهر كربه.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث على قصة يوسف وإخوته، إنه بعد أن أخذ يوسف أخاه بالسرقة ولم يقبل استرحامهم له بأخذ غيره بدلاً عنه انحازوا ناحية يفكرون في أمرهم وهو ما أخبر به تعالى عنه في قوله:
{فلما استيأسوا} أي يئسوا {خلصوا نجياً} أي اعتزلوا يتناجون في قضيتهم {قال كبيرهم} وهو روبيل مخاطباً إياهم {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً} يذكرهم بالميثاق الذي أخذه يعقوب عليهم لما طلبوا منه أن يرسل معهم بنيامين لأن عزيز مصر طلبه.
{ومن قبل ما فرطتم في يوسف} أي وذكرهم بتفريطهم في يوسف يوم ألقوه في غيابة الجب وباعوه بعد خروجه من الجب.
ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: {فلن أبرح الأرض} أي أرض مصر حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه {أو يحكم الله لي} بما هو خير
{وهو خير الحاكمين}.
ولما أقنعهم بتخلفه عنهم أخذ يرشدهم إلى ما يقولونه لوالدهم وهو ما أخبر تعالى به في قوله عنه: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا} أي حيث رأينا الصواع يستخرج من رحل أخينا
{وما كنا للغيب حافظين} أي ولو كنا نعلم أن أخانا يحدث لههذا الذي حدث ما أخذناه معنا.
كما أننا ما شهدنا بأن السارق يؤخذ بالسرقة إلا بما علمنا منك
{واسأل القرية التي كنا فيها} وهي عاصمة مصر
{والعير التي أقبلنا فيها} إذ فيها كنعانيون من جيرانك {وإنا لصادقون} في كل ما أخبرناك به.
هذا ما أرشد به روبيل إخوته، ولما ذهبوا به واجتمعوا بأبيهم وحدثوه بما علمهم روبيه أن يقولوه فقالوه لأبيهم.
رد عليهم يعقوب عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه في قوله: {قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً} أي زينت لكم أنفسكم أمراً ففعلتموه
{فصبر جميل} أي فصبري على ما أصابني صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية لأحد غير الله {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} أي يوسف وبنيامين وروبيل {إنه هو العليم} بفقري إليه وحاجتي عنده {الحكيم} في تدبيره لأوليائه وصالحي عباده {وتولى عنهم} أي أعرض عن مخاطبتهم {وقال يا أسفى} أي يا أسفي وشدة حزني أحضر فهذا أوان حضورك {على يوسف} قال تعالى مخبراً عن حاله بعد ذلك {وابيضت عيناه من الحزن} فغلب بياضهما على سوادهما ومعنى هذا أنه فقد الإِبصار بما أصاب عينيه من البياض.
{فهو كظيم} أي ممتلئ من الهم والكرب والحزن مكظوم لا يبثه لأحد ولا يشكوه لغير ربه تعالى.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية المناجاة للتشاور في الأمر الهام.
2- مشروعية التذكير الالتزامات والعهود والمحافظة على ذلك.
3- قد يغلب الحياء على المؤمن فيمنعه من أمور هي خير له.
4- مشروعية النصح وتزويد المنصوح له بما يقوله ويعمله.
5- جواز إظهار التأسف والحزن الشكوى لله تعالى.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎‎10/‎17/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (85- 88):

{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)}.

.شرح الكلمات:

{تالله تفتؤا تذكر}: أي والله لا تزال تذكر يوسف.
{حرضاً}: أي مشرفاً على الهلاك لطول مرضك.
{أشكو بثي}: أي عظيم حزني إذ البث الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الغير.
{فتحسسوا}: أي اطلبوا خبرهما بلطف حتى تصلوا إلى النتيجة.
{من روح الله}: أي من رحمة الله.
{ببضاعة مزجاة}: أي بدراهم مدفوعة لا يقبلها الناس لرداءتها.
{يجزي المتصدقين}: أي يثيب المتصدقين بثواب الدنيا والآخرة.

.معنى الآيات:

ما زال السياق فيما جرى من حديث بين يعقوب عليه السلام وبنيه أنه بعدما ذكروا له ما جرى لهم في مصر أعرض عنهم وقال يا أسفى على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن وهو كظيم.
قالوا له ما أخبر به تعالى في قوله: {قالو تالله تفتؤا تذكر يوسف} أي والله لا تزال تذكر يوسف حتى تصبح حرضاً مشرفاً على الموت أو تكون من الهالكين أي الميتين.
أجابهم بما أخبر تعالى به عنه: {قال إنما أشكوا بثي} أي همي {وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} يريد أن رجاءه في الله كبير وأنَ الله لا يخيب رجاءه وأن رؤيا يوسف صادقة وأن الله تعالى سيجمع شمله به ويسجد له كما رأى.
ومن هنا قال لهم ما أخبر تعالى به: {يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} أي التمسوا أخبارهما بحواسكم بالسؤال عنهما والنظر إليهما،
{ولا تيأسوا من روح الله} أي لا تقنطوا من فرج الله ورحمته وعلل للنهي فقال: {إنه لا ييأس من روح الله} أي من فرجه ورحمته {إلا القوم الكافرون}.
وامتثل الأبناء أمر الوالد وذهبوا إلى مصر وانتهوا إليها ونزلوا بها وأتوا إلى دار العزيز {فلما دخلوا عليه قالوا} ما أخبر تعالى به عنهم {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} أي من الجدب والقحط والمجاعة {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي دراهم رديئة مدفوعة لا تقبل كما تقبل الجيدة منها {فأوف لنا الكيل} بها {وتصدق علينا} بقبولها على رداءتها {إن الله يجزي المتصدقين} أي يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به خيراً.

.من هداية الآيات:

1- شدة الحزن تعرض صاحبها للحرض أو الموت.
2- تحرم الشكوى لغير الله عز وجل.
3- حرمة اليأس من الفرج عند الشدة والرحمة عند العذاب.
4- جواز الشكوى إذا كان المراد بها الكشف عن الحال للاصلاح أو العلاج كأن يقول المحتاج إني جائع أو عار مثلاً وكأن يقول المريض للطبيب أشكوا ألماً في بطني أو رأسي مثلاً.
5- فضل الصدقة وثواب المتصدقين.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎‎‎10/‎18/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

تفسير الآيات (89- 93):

{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)}.

.شرح الكلمات:

{إذ أنتم جاهلون}: أي لا تعلمون ما يؤول إليه أمر يوسف.
{قد منّ الله علينا}: أي أنعم بأن جمع بيننا بعد افتراق طويل أنتم سببه.
{من يتق ويصبر}: أي يتق الله فيخافه فلا يعصيه ويصبر على ما يناله من وصب ونصب.
{لقد آثرك الله علينا}: أي فضلك علينا بما منّ عليك من الإِنعام والكمال.
{لا تثريب عليكم}: أي لا عتب عليكم ولا لوم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث مع يوسف وإخوته، إنه لما وصلوا إليه من أرض كنعان بأمر والدهم وشكوا إليه ما هم فيه من سوء الحال إذ قالوا له: قد مسنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة، لما سمع منهم ذلك رق قلبه وارفَضَّت عيناه بالدموع وأراد أن ينهي التكتم الذي كان عليه وهو إخفاء حاله عليهم فقال لهم: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} ذكرهم بما صنعوا به من إلقائه في الجب وبيعه عبداً وبذلك فرقوا بينه وبين والده وأخيه شقيقه وقوله: {إذ أنتم جاهلون} أي بما يصير إليه أمر يوسف وهنا قالوا في اندهاش وتعجب: {أإنك لأنت يوسف} فأجبهم قائلاً بما أخبر تعالى به عنه {قال أنا يوسف وهذ أخي قد منّ الله علينا} أي أنعم علينا فجمع بيننا على أحسن حال ثم قال: {إنه من يتق ويصبر} أي يتق الله يخافه فيقيم فرائضه ويتجنب نواهه ويصبر على ذلك وعلى ما يبتليه به
{فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} أي في طاعة ربهم والإِستسلام له ظاهراً وباطناً.
وهنا قالوا له ما أخبر به تعالى عنهم: {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} أي بالعلم والعمل والفضل {وإن كنا لخاطئين} فيما فعلنا بك،
فكان هذا توبة منهم فقال لهم: {لا تثريب عليكم اليوم} أي لا عتب ولا لوم ولا ذكر لا صنعتم لأنه يؤذي
{يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} سأل الله تعالى لههم المغفرة وأثنى على الله تعالى بأنه أرحم الراحمين متعرضاً لرحمته تعالى له ولإِخوته.
ثم سألهم عن والده بأخبروه أنه قد عمي من الحزن عليه فقال: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} أي يرجع بصيراً كما كان {وأتوني بأهلكم أجمعين} يريد أبويه والنساء والأطفال والأحفاد.
وهو تحول كامل للأسرة الشريفة من أرض كنعان إلى أرض مصر تدبيراً من الله العزيز الحكيم.

.من هداية الآيات:

1- تقرير مبدأ أن المعاصي لن تكون إلا نتيجة للجهل بالله تعالى وجلاله وشرائعه ووعده ووعيده.
2- فضل التقوى والصبر وما لهما من حسن العاقبة.
3- فضل الصفح والعفو وترك عتاب القريب إذا أساء.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎‎‎‎10/‎19/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

تفسير الآيات (94- 100):

{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)}.

.شرح الكلمات:

{ولما فصلت العير}: أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى أرض فلسطين.
{أني لأجد ريح يوسف}: أشتمها لأن الريح حملتها إليه بأمر الله تعالى.
{لولا أن تفندّون}: أي تسفّهون، لصدقتموني فإني وجدت ريح يوسف.
{إنك لفي ضلالك القديم}: أي خطإك بإفراطك في حب يوسف.
{فلما أن جاء البشير}: هو يهودَا الذي حمل إليه القميص الملطخ بالدم الكذب.
{فارتد بصيراً}: أي رجع بصيراً.
{سوف استغفر لكم ربي}: أجَّلَ الاستغفار لهم إلى آخر الليل أو إلى ليلة الجمعة.
{على العرش}: أي السرير.
{وخروا له سجداً}: أي سجدو له تحية وتعظيماً.
{من البدو}: أي البادية، بادية الشام.
{من بعد أن نزع}: أي أفسد.
{لطيف لما يشاء}: أي لطيف في تدبير لمن يشاء من عباده كما لطف بيوسف.

.معنى الآيات:

هذه أواخر قصة يوسف عليه السلام، إنه بعد أن بعث بقميصه إلى والده وحمله أخوه يهودا ضمن القافلة المتجهة إلى أرض كنعان، ولما فصلت العير من عريش مصر حملت ريح الصبا ريح يوسف إلى إبيه قال: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} أي تسفهون لصدقتموني فإني أجدها فقال الحاضرون مجلسه من أفارد الأسرة والذين لم يعلموا بخبر يوسف بمصر قالوا له: {إنك لفي ضلالك القديم} أي من خطإك بإفراطك في حب يوسف. واصلت العير سيرها وبعد أيام وصلت وجاء يهودا يحمل القميص فألقاه على وجه يعقوب فاترد بصيراً كما أخبر يوسف إخوته بمصر.
وهنا واجه أبناءه بالخطاب الذي أخبر تعالى به في قوله: {قال أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم من لطف الله وحسن تبديره ورحمته وإفضاله ما لا تعلمون.
وهنا طلبوا من والدهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ربهم فقالوا ما أخبر تعالى به: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه الغفور الرحيم}. أجَّلَ لهم طلب المغفرة إلى ساعة الاستجابة كآخر الليل وقت السحر أو يوم الجمعة.
وتنفيذاً لأمر يوسف أخوته بأن يأتوه بأهلهم أجميعن تحملت الأسرة بسائر أفرادها مهاجرين إلى مصر.
وكان يوسف وملك مصر وألوف من رجال الدولة وأعيان البلاد في استقبالهم، وكان يوسف قد ضربت له خيمة أو فسطاط، ووصلت المهاجرة إلى مشارف الديار المصرية وكان يوسف في فسطاطه
{فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه} أي ضمّهما إلى موكبه {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} ولما انتهوا إلى القصر ودخلوا {ورفع} يوسف {أبويه} أمه وأباه {على العرش} سرير الملك
{وخروا له سجداً} تحية وتشريفاً.
وهنا قال يوسف عليه السلام{يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} إذ رأى في صباه أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين.
وقوله: {وقد أحسن بي إذ أخرجني} الله بنعمه وتذكير للحاضرين بالحادثة والطاف الله تعالى فيها.
ومن كرم نفس يوسف وسمو آدابه لم يقل قد أحسن بي إذ أخرجني من الجب فيذكرهم بما يؤلمهم بل قال من من إخوته إلى الشيطان تلطيفاً للجو ومبالغة في إذهاب الهم من نفس إخوته، وختم حديث النعمة في أعظم فرحة {إن ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم} أي بخلقه {الحكيم} في تدبيره وصنعه.
.من هداية الآيات:

1- آية عظيمة هي حمل الريح ريح يوسف على مسافات بيعده.
2- آية أخرى هي ارتداد بصر يعقوب بعد العمى بمجرد أن أُلِقيَ القميص على وجهه.
3- كرم يعقوب وحسن عفوه وصفحه على أولاده إذ استغفر لهم ربهم فغفر لهم.
4- مشروعية الخروج خارج المدينة لاستقبال أهل الكمال والفضل كالحجاج مثلا.
5- صدق رؤيا يوسف عليه السلام إذ تمت حرفياً فجلس يوسف على عرشه وخر له أبواه وإخوته ساجدين.
6- قد يتأخر تأويل الرؤيا عشرات السنين إذ تأخرت رؤيا يوسف أربعين سنة.
7- تجليات الألطاف الإِلهية والرحمات الربانية في هذه القصة ي مظاهر عجيبة.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎10/‎20/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآية رقم (101):

{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)}.

.شرح الكلمات:

{رب}: أي يا رب خالقي ورازقي ومالك أمري ومعبودي الذي ليس لي معبوده سواه.
{من الملك}: أي من بعض الملك إذ أصبح ملكاً لمصر فقط.
{تأويل الأحاديث}: تعبير الرؤا.
{فاطر السموات والأرض}: أي خالقهما على غير مثال سابق.
{أنت وليّ}: أي متولي أمري في الحياتين الدنيا والآخرة.

.معنى الآية الكريمة:

هذا آخر الحديث عن قصة يوسف عليه السلام ، إنه بعد أن جمع الله تعالى شمله بكافة أفراد أسرته وفتح عليه من خزائن رحمته ما فتح، وانقلبت الإِحراقات: إحراقات الإِلقاء في الجب، والبيع رقيقاً بثمن بخس، وفتنة امرأة العزيز، والسجن سبع سنين؛ انقلبت إلى اشراقات ملكاً ودولة، عزاً ورفعة، مالاً وثراء، اجتماعاً ووئاماً، وفوق ذلك العلم اللدنى والوحي الإِلهي وتأويل الأحاديث.
وبعد أن قبض الله تعالى والده وتاب على إخوته وهيأهم للنبوة ونبأهم. تاقت نفس يوسف إلى الملكوت الأعلى إلى الجيرة الصالحة إلى رفقة الأخيار آبائه الأطهار إبراهيم وإسحاق ويعقوب رفع يديه إلى ربه وقال:
{رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحادث فاطر السموات والأرض أنت وليّ في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} واستجاب الله تعالى دعاءه فلم يلبث إلا قليلاً حتى وافاه الأجل فارتحل والتحق بأبائه وصالحي إخوانه فسلام عليه وعليهم وعلى كل صالح في الأرض والسماء، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

.من هداية الآية:

1- مشروعية دعاء الله تعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته.
2- مشروعية العزوف عن الدنيا والرغبة عنها عند حصولها والتمكن منها.
3- فضل الشوق إلى الله والحنين إلى رفقة الصالحين في الملكوت الأعلى.
4- مشروعية سؤال إن لم يكن لضر أو ملل من العبادة، أو رغبة في الراحة لحديث: «لا يسألن أحدكم الموت لضر نزل به» وهو صحيح. ولكن شوقاً إلى الله تعالى والالتحاق بالصالحين. عزوفاً عن هذه الدار وشوقاً إلى الأخرى دار السلام.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎10/‎21/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (102- 106):

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)}.

.شرح الكلمات:

{ذلك}: اشارة إلى ما قص تعالى على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من قصة يوسف عليه السلام وإخوته.
{من أنباء الغيب}: أي أخبار الغيب.
{وما كنت لديهم}: أي لدى إخوة يوسف.
{إذ أجمعوا أمرهم}: أي اتفقوا على إلقاء يوسف في غيابة الجب.
{وهم يمكرون}: أي يحتالون على إخراجه وإلقائه في الجب.
{عليه من أجر}: أي على القرآن وإبلاغه من ثواب أي مال.
{إن هو إلا ذِكْرٌ}: أي ما هو إلا ذكر أي موعظة يتعظ بها المؤمنون.

.معنى الآيات:

بعد ما قص تعالى على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي قصة يوسف وإخوته وهي من الغيب المحض إذ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قومه من العرب يعرفون عن هذه الأحداث التاريخية شيئاً، لاسيما وأن بعض هذه الأنباء تم في ظلام الليل وبضعها في ظلام البئر وبعضها وراء الستور، وبعضها في طبقات السجون وبعضها في قصور الملوك وبعضها في الحضر وبعضها في البدو، وبعد تطاول الزمن وتقادم العصور.
بعد أن قص ما قص قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {ذلك من أنباء الغيب} أي من أخبار الغيب {نوحيه إليك} أي نعلمك به بطريق الوحي {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} ويؤكد وحيه إليه بذلك فيقول، وما كنت لدى إخوة يوسف في الوقت الذي أجمعوا فيه أمرهم على التخلص من يوسف بأي ثمن وهم يحتالون على إخراجه من بين يدي أبويه ليلقوه في غيابة الجب تخلصاً منه حيث رأوا أنه حجب عنهم وجه أبيهم وذهب بعطفه وحنانه دونهم.
وقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} يخبره تعالى أن الإِيمان بك وبما جئت به من الوحي والتوحيد والبعث الآخر مثل هذا القصص كافٍ في التدليل على صحة نبوتك وعلى وجوب الإِيمان بما جئت به وتدعو إليه ومع هذا فأكثر الناس ولو حرصت على إيمانهم ما هم بمؤمنين، ولذلك عوامل من أبرزها أن الإِيمان يتعارض مع ما ألفوا من الباطل والشر والفساد، لاسيما شهواتهم وأغراضهم الدنيوية ومن قبل ذلك أن من كتب الله شقاءه لا يؤمن بحال، ولذا فلا تحزن ولا تكرب.
وقوله تعالى: {وما تسألهم عليه من أجر} أي على هذا القرآن وإبلاغه إليهم من مال إذ لو كنت سائلهم أجراً على قراءتك عليهم وإبلاغك لهم لكان لك مانعاً من قبول ما تدعوهم إليه، ولكن ما دام ذلك يقدم لهم مجاناً فلا معنى لعدم إيمانهم إلا ما كتب الله من خسرانهم فهم عاملون للوصلول إليه.
وقوله تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي ما هذا القرآن وما يحمله من هدى ونور وقراءتك له إلا ذكرى أي موعظة يتعظ بها من يسمعها من أهل البصيرة والإِيمان من العالمين من هيأه الله تعالى للسعادة والكمال.
وقوله تعالى: {وكأين من آية في السموات والأرض} أي وكثر من الآيات الدالة على الله وعلى وجوب عبادته وتوحيده فيها في السموات كالشمس والقمر والكواكب والسحب والأمطار، والأرض كالجبال والأنهار والأشجار والمخلوقات المختلفة يمرون عليها صباح مساء وهم معرضون غير ملتفتين إليها ولا متفكرين فيها فلذا هم لا يؤمنون ولا يهتدون.
وقوله تعالى في الآية الأخيرة (106): {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يخبر تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام أن من يدعوهم إلى الإيمان به وبما جاء به ما يؤمن أكثرهم بالله رباً خالقاً رازقاً إلا وهم مشركون به أصناماً وأوثاناً يعبدونها وهي حقيقة قائمة لو سئل يهودي أو نصراني عن الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للكون لقال الله، ولكن هو به مشرك يعبد معه غيره وكذلك حال المشركين الذين أخبر تعالى عنهم، وكثر من أهل الجهل في هذه الآمة القرآنية يدعون غير الله ويذبحون لغير الله وينذرون لغير الله وهم مؤمنون بالله وبما جاء به رسوله من التوحيد والبعث والجزاء والشرع.

.من هداية الآيات:

1- تقرير النبوة المحمدية بأصدق برهان وأعظم حجة.
2- بيان حكم الله في الناس وهو أن أكثرهم لا يؤمنون فلا يحزن الداعي ولا يكرب.
3- دعوة الله ينبغي أن تقدم إلى الناس مجّاناً، وأجر الداعي على الله تعالى الذي يدعو إليه.
4- ذم الغفلة وعدم التفكر في الآيات الكونية.
5- بيان حقيقة ثابتة وهي أن غير أهل التوحيد وإن آمنوا بالله رباً خالقاً رازقاً مدبراً أكثرهم يشركون به غيره في بعض صفاته وعباداته.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎10/‎22/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (107- 109):

{أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)}.

.شرح الكلمات:

{غاشية من عذاب الله}: أي نقمة من نقمه تعالى تغشاهم أي تحوط بهم.
{بغتة}: فجأة وهم مقيمون على شركهم وكفرهم.
{هذه سبيلي}: أي دعوتي وطريقتي التي أنا عليها.
{على بصيرة}: أي على علم يقين مني.
{وسبحان الله}: أي تنزيهاً لله وتقديساً أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه.
{من أهل القرى}: من أهل المدن والأمصار لا من أهل البوادي.
{للذين اتقوا}: أي الله بأداء فرائضه وترك نواهيه.
{أفلا تعقلون}: أي أفلا يعقل هؤلاء المشركون هذا الذي يتلى عليهم ويبين لهم فيؤمنوا ويوحدوا.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الدعوة إلى الإِيمان بالوحي الإِلهي والتوحيد والبعث والجزاء وهي أركان الدين العظمى، أفأمن هؤلاء المشركون والذين لا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون والذين يمرون بالكثير من آيات الله وهم معرضون. أفأمن هؤلاء {أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} أي عقوبة من عذاب تغشاهم وتجللهم بالعذاب الذي لا يطاق {أو تأتيهم الساعة} أي القيامة {بغتة} أي فجأة {وهم لا يشعرون} بوقت مجيئها فتعظم البلية وتشتد عليهم الزرية، وكيف يأمنون وهل يوجد من يؤمنهم غير الله تعالى فما لهم إذاً لا يؤمنون ولا يتقون حتى ينجوا مما يتوقع لهم؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى (107) .
أما الثانية فقد أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام أن يواصل دعوته دعوة الخير هو والمؤمنون معه فقال: {قل هذه سبيلي} أي قل أيها الرسول للناس هذه طريقتي في دعوتي إلى ربي بأن يؤمن به ويعبد وحده دون سواه.
{أدعو إلى الله على بصيرة} أي على علم يقين بمن أدعو إليه وبما أدعو به وبالنتائج المترتبة على هذه الدعوة، {أنا ومن اتبعني} من المؤمنين كلنا ندعو إلى الله على بصيرة.
وقوله تعالى: {وسبحان الله} أي وقل سبحان الله أي تنزيهاً له عن أن يكون له شريك أو ولد، وقل كذلك معلناً براءتك من الشرك والمشركين {وما أنا من المشركين}. هذا ما دلت عليه الآية الثانية.
أما الآية الثالثة فإن الله تعالى يخبر رسوله بأنه ما أرسل من قبله من الرسل وهم كثر إلا رجالاً أي لا نساء ولا ملائكة {نوحي إليهم من أهل القرى} أي الأمصار والمدن، وهذا إبطال لإِنكارهم أن يكون الرسول رجلاً من الناس، وقوله تعالى: {أفلم يسيروا} أي هؤلاء المكذبون من قريش وغيرهم {في الأرض} للاعتبار {فينظروا} كيف كان عاقبة من سبقهم من الأمم كعاد وثمود فإنا أهلكناهم ونجينا أهل الإِيمان والتوحيد من بينهم مع رسلهم هذه النجاة ثمرة من ثمرات الإيمان والتقوى، {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا} فإنها دار النعيم المقيم والسلامة من الآهات والعاهات والكبر والهرم والموت والفناء.
وقوله تعالى في نهاية الآية: {أفلا تعقلون} يوبخ أولئك المشركين المصرين على التكذيب والشرك على عدم تعقلهم وتفهمهم لما يتلى عليهم وما يسمعون من الآيات القرآنية وما يشاهدون من الآيات الكونية.

.من هداية الآيات:

1- التحذير من العقوبات المترتبة على الشرك والمعاصي.
2- تقرير عقيدة البعث الآخر.
3- تعين الدعوة إلى الله تعالى على كل مؤمن تابع للرسول صلى الله عليه وسلم.
4- تعين العلم اليقيني للداعي إلى الله إذ هو البصيرة المذكورة في الآية.
5- وجوب توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
6- الرسالة من خصوصيات الرجال وليس في النساء رسولة.
7- بيان ثمرات التوحيد والتقوى في الدنيا والآخرة.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.

‎10/‎23/‎2017

تفسير سورة يوسف عليه السلام

.تفسير الآيات (110- 111):

{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}.

.شرح الكلمات:

{استيأس الرسل}: أي يئسوا من إيمان قومهم.
{وظنوا أنهم قد كذبوا}: أي ظن الأمم المرسل إليهم أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر.
{ولا يرد بأسنا}: أي عذابنا الشديد.
{عن القوم المجرمين}: أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي وأجرموا على غيرهم بصرفهم عن الإِيمان.
{لقد كان في قصصهم}: أي الرسل عليهم السلام.
{ما كان حديثاً يفترى}: أي ما كان هذا القرآن حديثاً يختلق.
{تصديق الذي بين يديه}: أي ما قبله من الكتب الإِلهية إذ نزل مصدقاً لها في الإِيمان والتوحيد.

.معنى الآيتين:

ما زال السياق في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد بقوله تعالى: {وما أرسلنا} أي ما زال مَنْ أرسلنا من رسلنا يدعون إلينا ويواصلون دعوتهم ويتأخر نصرهم حتى يدب اليأس إلى قلوبهم ويظن أتباعهم أنهم قد أخلفوا ما وعدوا به من نصرهم وإهلاك أعدائهم {جاءهم} بعد وجود اليأس نصرنا {فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}. هذا ما جاء في الآية الأولى {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} وهم أهل الشرك والمعاصي.
وقوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} أي كان في قصص الرسل مع أممهم بذكر أخبارهم وتبيان أحوالهم من نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين المكذبين عبرة يعتبر بها المؤمنون فيثبتون على إيمانهم ويواصلون تقواهم لربهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه.
وأولوا الألباب هم أصحاب العقول، وقوله تعالى: {ما كان حديثاً يفترى} أي لم يكن هذا القرآن العظيم بالحديث الذي في إمكان الإِنسان أن يكذب ويختلق مثله بحال من الأحوال ولكنه أي القرآن هو {تصديق الذي بين يديه} أي تقدم في النزول عليه كالتوراة والإِنجيل فهو مصدق لهما في أصول الإِيمان والتوحيد ولا يتنافى معهما وهذا أكبر دليل على أنه وحي إلهي مثلهما، وليس بالكلام المختلق كما يقول المبطلون، وقوله تعالى: {وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} أي كما هو مصدق لما بين يديه هو أيضاً يفصل كل شيء تحتاج إليه البشرية في دينها المزكي لأنفسها الموجب لها رحمة ربها ورضاه عنها وهدى ينير الطريق فيهدي من الضلالة ورحمة تنال المؤمنين به العاملين به. المطبقين لشرائعه وأحكامه.

.من هداية الآيات:

1- بيان سنة الله تعالى في تأخر النصر على رسله وعباده المؤمنين زيادة في الإِعداد التمحيص ثم يأتي نصر الله فيعز أولياء الله ويذل أعداءه.
2- التنديد بالإِجرام وهو الإِفساد للعقائد والأخلاق والشرائع والأحكام.
3- بيان فضل القرآن وما فيه من الهدى والرحمة لمن طلب ذلك منه.
4- المؤمنون باعتبار أنهم أحياء هم الذين ينتفعون بهداية القرآن ورحمته.
هذا أخر ما تيسر من تفسير سورة يوسف عليه السلام
والله أعلم وأجل وأكرم .
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamadalzabe.megabb.com
 
تفسير سورة يوسف -3-
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الشيخ محمد امين الزعبي :: دراسات قرآنية-
انتقل الى: